أفلام وأفكار وثورة| بين "فرش وغطا" و"اشتباك".. صور لثورة تُشكِّلها الصدف
يبدأ فيلم فرش وغطا لأحمد عبد الله، بفيديو مصور على شاشة موبايل، لفوضى وإطلاق نار. نفهم لاحقًا أنه لعملية فتح السجن وضرب الرصاص وإصابة زميل آسر ياسين الذي هرب معه. وينتهي الفيلم بمقاطع تبدو كمادة تسجيلية أيضًا لمواجهات طائفية في منطقة "الزبالين" بالمقطم، ذات الأغلبية المسيحية، يشارك السجين الهارب في الدفاع عن أهلها، فيتلقى رصاصة تسقطه.
تناولت في المقال السابق جانبي الصمت والعنوان الافتتاحي في هذا الفيلم. لكن، بين البداية والنهاية "التسجيليتين"، اللتين تَدَّعيان، بحكم أنهما تبدوان تسجيليتين، الاقتراب من أحد وجوه "الحقيقة" في لحظة ثورة. تظهر هذه الثورة نفسها مشوشة، من دون ملامح واضحة، عبر ما نسمعه آتيًا من الراديو وقنوات تليفزيونية. إنه حضور كالغياب، فالثورة غائبة تمامًا عن الأحداث المباشرة التي يواجهها البطل، والأماكن التي يوجد فيها، ورحلته التي تتحدد ملامحها عبر سلسلة من الصدف.
قرارات ذهنية تبحث عن أحداث وشخصيات
تُطلُّ الثورة على استحياء عبر شخصيات عابرة، نُخمن أن هناك علاقة ما تربطها بتلك "الأحداث" التي لا نراها. إنهم على سبيل المثال البلطجية المتحكمين في اللجان الشعبية، والشرطة العسكرية المتعاونة مع هذه اللجان، والتي تلقي القبض على بعض الأشخاص، وجرحى لا نعرف من هم في أحد المساجد، وشاب يعود إلى أهله في منطقة المقابر، آتيًا من الميدان بعد موقعة الجمل، ليصُبَّ غضبه عليهم لأنهم لا ينزلون إلى الميدان الذي يُقتل فيه الثوار، ويستمع إليه الأهل بهدوء وكأنهم تلاميذ في مدرسة. وأخيرًا، مواجهات طائفية لا نعرف ما علاقتها بالثورة أو متى وقعت.
المشهد الأخير في الهجوم على منطقة مسيحية، وإهداء الفيلم لمينا دانيال والشيخ عماد عفت، غير كافيين لتناول مسألة بالغة الأهمية والحساسية مثل الطائفية
تبدو رحلة البطل في البداية كرحلة هروب من السلطة بعد الخروج من السجن. وتستمر دخولًا لعالم المقابر والصوفية، وحين يسمع بعض الإنشاد الديني يكتسي وجهه بسلام مفاجئ. ثم تتطور الرحلة فجأة ليعود إلى المكان الذي ترك فيه زميله المصاب. لا يجده، فيصل إلى حيه المسيحي ويجد مراسم توديعه الكنسية. فيذهب لمقر جريدة "المصري اليوم" ليعطيهم الفيديو الذي ظهر في بداية الفيلم، فيكتشف هناك أن مواجهات طائفية تحدث في منطقة الزبالين بالمقطم، فيعود سريعًا إليها ليشارك في الدفاع عنها، فتصيبه الرصاصة.
هذا التتابع نفسه يثير الشك في أن بناء الفيلم نتج عن عدد من القرارات الذهنية، لا تنتمي لقصته، إن كانت تحكي عن هروب خلال الثورة. وأن جوهرها هو التطرق السريع لبعض "التيمات" التي تثير اهتمام المخرج فكريًا -ها هي الأيديولوجيا التي ينفر الكثيرون منها تطل من جديد- ويود الحديث عنها أو الاقتراب السريع منها، فيبحث عن رابط بينها. ويجد هذا الرابط مجسدًا في هذا الشخص الصامت، الهارب من السجن، الذي يستمع لهذه الشهادات المتفرقة في زمنِ ثورةٍ ما.
الثورة المضببة الموجودة في الخلفية، التي تحدث في مكان ما، ولا نراها، ولا يراها البطل، يُذكرنا بها المخرج بجملة جديدة تأتي في نهاية الفيلم، هذه المرة كإهداء "إلى مينا وعماد وكل شهدائنا الذين لم نعرفهم". وبما أن آخر مشهد في الفيلم كان مشهد مواجهات طائفية، نفهم أن المقصودين بالإهداء هما الشهيدان مينا دانيال والشيخ عماد عفت، في محاولة للتنبيه لخطورة المسألة الطائفية. ليغلق أحمد عبد الله دائرة فيلمه بعنوان جديد، أقل خلافية من العنوان الافتتاحي الذي يتحدث عن دولة انهارت أجهزتها، وجيش ظهر وتولى إدارة البلاد، وآلاف المعتقلين.
لكن العنوان الختامي/الإهداء، شائك أيضًا، لأن المشكلة الطائفية البادية في المشهد الأخير، عبر الهجوم على منطقة غالبية سكانها من المسيحيين، وإهداء الفيلم لاثنين استشهدا في مواجهات على علاقة مباشرة بالثورة، غير كافيين لتناول مسألة في غاية الأهمية والحساسية، مثل الطائفية. وظهور دير سمعان الخراز الجميل المنحوت في جبل المقطم، وناسه المسيحيين، بعد منشدي الصوفية وأجوائهم، لتبدوان كإشارتين لنموذجين من "الدين المتسامح الجميل" نقيض العنف الطائفي، هو تناول فاتر لقضية غاية في الخطورة. واختيار سجين هارب ليكون الرابط بين النموذجين يثير الكثير من التساؤلات لا إجابة لها.
ملجأ العنوانين من جديد
القرار الشكلي في حالة "فرش وغطا" باللجوء للصمت، يضع الفيلم في مقاربة ذهنية مع فيلم آخر من إنتاج محمد حفظي أيضًا، وهو فيلم اشتباك (2016) للمخرج محمد دياب، الذي كتبه بالتعاون مع أخيه خالد دياب.
هذه المرة كان القرار أن تظل الكاميرا طيلة فيلمه محبوسة داخل عربة ترحيلات تابعة للشرطة، وأن نرى الشارع عبر نوافذها الصغيرة أو بابها الخلفي. لكنه في هذه الحالة قرار شكلي منسجم بدرجة كبيرة مع موضوع الفيلم، لنشعر كمتفرجين بأننا محبوسين مع الشخصيات داخل العربة/السجن. لكن الفيلمين يلتقيان كذلك في منطقة العناوين الافتتاحية الملتبسة.
لم يثر العنوان الافتتاحي لفيلم "فرش وغطا" نقاشات علنية مثلما حدث في حالة العنوان الافتتاحي الذي تصدر فيلم اشتباك. فقد وصلت هذه النقاشات للصحافة في صورة خلافات علنية بين مخرج الفيلم محمد دياب، ومنتجه محمد حفظي.
لا يمكن فهم كلمة "اشتباكات" من دون أن تكون بين طرفين يوضح العنوان الافتتاحي أحدهما، الإخوان المسلمين، دون أن يشير لهوية الطرف الآخر
يختلف بعض الشيء مضمون كلمات البداية بين نسختي الفيلم، المخصصة للتوزيع المحلي ومكتوبة بالعربية، والمخصصة للتوزيع الخارجي ومكتوبة بالإنجليزية. في هذه الأخيرة إشارة إلى مواجهات بين جماعة الإخوان وأنصار الجيش في أنحاء مصر بعد عزل الرئيس المنتخب. أما في النسخة العربية فيبدأ الفيلم بهذا النص "في الأيام التي تلت 'ثورة' 30 يونيو وقعت اشتباكات حامية يقودها متظاهرون ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين المعارضين للانتقال 'السلمي' للسلطة".
لا يمكن فهم كلمة "اشتباكات" من دون أن تكون بين طرفين على الأقل. يوضح العنوان الافتتاحي أحدهما، الإخوان المسلمين، دون أن يشير لهوية الطرف، أو الأطراف الأخرى. وتوضع كلمتي "ثورة" و"السلمي" بين أقواس. وهو ما يمكن فهمه باعتباره تشكيكًا في أنها كانت ثورة، وفي أنه كان انتقال سلمي للسلطة.
يتفجر الخلاف بين المنتج والمخرج بعد تصريح محمد دياب بأن الرقابة على المصنفات الفنية فرضت هذه الجملة في بداية الفيلم كشرط للسماح بعرضه، وهو ما نفاه المنتج محمد حفظي، وقال إنها وضعت بالتوافق معها. تعبير "توافق" لا ينفي أن تكون قد فرضت، إنه يضيف فقط "رضاء" المنتج على الفرض الرقابي، أو الموافقة عليه. حيث من الصعب تخيل منتج يذهب إلى الرقابة مقترحًا عليها أن يضعا سويًا عنوانًا افتتاحيًا لفيلمه.
كان من الممكن أن تظل مسألة التِترات المختلفة في مضمونها قليلًا أو كثيرًا، وما إذا أضيفت فرضًا أو توافقًا، مسألة هامشية بعيدة عن صلب الفيلم نفسه، مثلما حدث عشرات المرات في تاريخ السينما المصرية، من نوعية "أحداث هذا الفيلم لا علاقة لها بالواقع". لكن المشكلة في هذه الحالة تحديدًا أن الفيلم يتناول صراعًا سياسيًا بامتياز، في لحظة تشهد حالة استقطاب مجتمعي هائل مرتبط به. فتكون لأي كلمة إضافية القدرة على اكساب الفيلم القبول أو الرفض، بمعزل عن الفيلم نفسه. وتفرض على الجميع أن يكون النقاش حوله سياسيًا في المقام الأول.
يبدو لي أن صناع الفيلم كانوا واعين لهذه المعضلة، فحاولوا حلها بتجنب اتخاذ موقف سياسي في فيلم يتناول مسألة سياسية، هي المسألة الأهم في وقت إنتاجه، وربما الأهم خلال عقود طويلة. تتجاوز حدود الصراع السياسي العادي، لتُترجم في مواجهات دموية، واستقطاب مجتمعي حاد، ورصاص، وقتل، واعتقالات جماعية.
تجنُّب اتخاذ موقع فكري أو سياسي أو أيديولوجي يكاد يكون مستحيلًا في أغلب أفلام السينما. وفي هذه الحالة تحديدًا هو المستحيل بعينه. وهو ما جعل الأفكار التي يطرحها الفيلم عبر أحداثه المتتالية مرتبكة، وحافلة بالتناقضات الشبيهة بتناقض التِترات الافتتاحية للفيلم في نسختيه. وتدفعه لمناطق لا علاقة لها بموضوعه، لتحصره أحيانًا كثيرة في ظلال الصدفة البائسة. أو أن يبدو في أحيان أخرى أقرب لفيلم صلاح أبو سيف بين السما والأرض (1959)، حيث تُحبس نماذج بشرية متنوعة في مصعد معطل، فنشاهد تطور العلاقات بينهم.
لكن صلاح أبو سيف لم يكن مضطرًا لاتخاذ موقف سياسي، لأن عقدة فيلمه ليست سياسية، ولا يتناول موضوعًا سياسيًا. فيما نشعر خلال مشاهدة "اشتباك"، بأن صناعه واعون بأن عليهم اتخاذ موقف سياسي، ونكاد نراهم وهم يحاولون تجنب اتخاذه. وهي المسألة التي أتركها للمقال القادم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.