أفلام وأفكار وثورة| الشتا اللي فات.. موسم الانتحار والبطولات الفردية
تتكرر كثيرًا في أفلام ما بعد يناير "تيمات" الكاميرات/التصوير/المراقبة، واستخدام المادة الأرشيفية. سواء كان لقصص هذه الأفلام علاقة بثورة يناير أم لا. تظهر هذه التيمات كهاجس متكرر عند الكثيرين من صناع الأفلام، ربما لأن يناير كانت الحدث الأكبر الذي تحولنا جميعًا خلاله لمصورين بكاميرات الموبايل، ولأبطال وشخصيات فيلمية في الوقت ذاته. وربما لأسباب أخرى من بينها شعورنا بأننا مراقبون، وبأن لكل منا "تسريباته".
يظهر هذا الهاجس بوضوح في فيلم إبراهيم البطوط الشتا اللي فات (2013)، الذي يقف على الضفّة المقابلة تمامًا لفيلمي "اشتباك" و"عيار ناري". إذ يختلف عن "اشتباك" في تجنبه للمراوغة، بل إن فيلم البطوط يصرح لدرجة تقترب من المباشرة والخطابية أحيانًا، ويتناقض مع "عيار ناري" في الموقع السياسي من الثورة، ومن شاركوا فيها وقتلوا خلالها؛ ينحاز المخرج إليها وإليهم تمامًا على عكس كريم الشناوي.
تفسير هذا التمايز لا ينحصر في توقيت إنتاج الفيلم عام 2012، وعرضه بدايات 2013، والمجال السياسي/الفني لا يزال مفتوحًا لهذه المضامين المنحازة تمامًا للثورة، بل أيضًا في تركيبة المخرج وانحيازاته السياسية، ونوعية المشاركين في صناعة الفيلم، سواء من الفريق التقني أو الممثلين، حيث إن غالبيتهم ممن ارتبطوا بوضوح بالكثير من فعاليات يناير وما بعدها، ومن بينهم بطلاه عمرو واكد وفرح يوسف.
الثبات للاقتراب من الديناميكية
تعتمد الكثير من الأفلام الروائية القصيرة على ما يمكن تسميته تجاوزًا، وعلى عكس طبيعة السينما، بـ"الصورة الثابتة". المقصود أن الفيلم القصير، بحكم زمنه المحدود، يقترب غالبًا من دفقة شعورية، أو من حدث أو فعل محددين. وقليلًا ما نجد في الأفلام القصيرة تطويرًا حقيقيًا لصراعات وشخصيات تتفاعل وتتغير عبر رحلاتها وصراعاتها ورغباتها في الوصول إلى هدف.
يقدم الفيلم مجموعةً من الصور الثابتة أو "الاسكتشات" التي تشغل المخرج فيقدمها تاركًا متفرجيه يحالون الربط بينها وفهمها
نطالع في الفيلم الروائي الطويل "الشتا اللي فات" الكثير من الصور الثابتة، كأنه عبارة عن تجميع لعدد من مشاريع الأفلام القصيرة. المفارقة أنها صور ثابتة لواقع شديد الديناميكية والتحول. واقع مجتمع يعيش ثورة. لا يعتمد المخرج وشركاؤه في الكتابة، ياسر نعيم وأحمد عامر وحابي سعود، في بناء فيلمهم على الترتيب الزمني الخطي، إنما يتنقلون بنا بين زمنين أساسيين.
الأول الذي يفتتحون الفيلم به، يوم 25 يناير 2011؛ من اندلاع التظاهرات وصولًا لخلع مبارك والاحتفالات في ميدان التحرير، والثاني مارس/آذار 2009، الذي ندرك من بعض الإشارات أنه تزامن مع موجة من العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة، وشهد حملة تضامن. والقفزات الزمنية لا تحدث بمنطق التذكر التقليدي والفلاش باك، إذ يتوازى خطان زمنيان لإكمال بعض تفاصيل الخطوط الثلاثة التي يتناولها الفيلم.
اشتعال مظاهرات 25 يناير 2011، كما يقدمها البطوط، أولى الصور الثابتة، المنفصلة عن بقية الصور الأخرى. تبدأ الثورة على شريط الصوت وكأنها عاصفة، تمتزج بأصوات غرائبية لغربان وطيور أخرى، فيما البطل يقف أمام نافذة لا يرى عبرها شيئًا، فأمامها مباشرة حائط يحجب عنه وعنا الرؤية.
المدخل الغرائبي، وربما الرمزي، يدفع المتفرجين لعالم سيغيب عن بقية الفيلم، ليجدوا مجموعةً من الصور الثابتة أو "الاسكتشات" الأخرى التي تشغل المخرج، فيقدمها تاركًا متفرجيه لمحاولة الربط بينها وفهمها. هذه الاسكتشات الثابتة عبارة عن قطع تحاول إكمال ثلاثة خيوط متوازية ومتقاطعة؛ قصة المونتير عمرو/عمرو واكد، واللحظة الفارقة في حياة فرح/فرح يوسف، المذيعة التليفزيونية وحبيبته السابقة، وشخصية ضابط أمن الدولة/صلاح الحنفي الذي يُعَذِّب عمرو واكد، وأحد المشرفين الأساسيين على محاولة إجهاض الثورة.
نرى مراسلًا صحفيًا يقف بين الجموع في مظاهرات يناير، وسط الضرب يظل ثابتًا. يطلب من أحدهم أن يسجل شهادته عن تعذيبه في لاظوغلي وسط القاهرة (المبنى القديم لوزارة الداخلية) بعد عودته من عمله الصحفي بالبوسنة. نستمع لهذه الشهادة، ولن نعرف عنه بعدها شيئًا. هذا المشهد يوضح ما قصدته بتعبير الصور الثابتة/الاسكتشات. أن تكون هناك معلومة أو قصة تتعلق بشخصية ما، ونتصور أنها أساسية في تطور الأحداث، لكنها لا تظهر من جديد في الفيلم، ولا علاقة لها بمسار أحداثه أو بالصور الأخرى.
يمتلئ الفيلم بهذا النوع من الاكتشات في محاولة لتشكيل صورة تبدو وكأنها شاملة للثورة عبر قطع صغيرة
تتوالى الصور؛ مذيع تليفزيوني يُقدم بأداء ونبرة صوت تستدعي للأذهان نموذج خيري رمضان. ظهور ضابطين كبيرين في وزارة الداخلية خلال لقاءٍ تليفزيوني، يتلبّسهما غضبٌ واضح من المظاهرات، كأنها إهانةٌ شخصية موجّهة إليهما. استعادة لنموذج تامر بتاع غمرة، بحيث تستعين إدارة التليفزيون بمواطن مأجور يتصل ببرنامج على الهواء مباشرة ليقدم شهادة زائفة عما يحدث في ميدان التحرير.
مشاهد تعذيب منفصلة تكشف عن توحش الداخلية. استدعاء البطل للبواب ليشتري له ولجارته متطلبات وأطعمة معلبة مستشعرًا خطورة الوضع ومتنبئًا بمآل الأحداث منذ اليوم الأول. خطف عمرو وتعذيبه بالتوازي مع ترهيب واحد من المشايخ خلال شهر مارس/آذار 2009؛ عمرو لأنه شارك في وقفات التضامن مع غزة، والشيخ لأنه تحدث عنها خلال إحدى خطبه. يختفي هذا الشيخ تمامًا لاحقًا بعد أن تبول على نفسه بسبب نوعية مبتكرة من التعذيب؛ الاستضافة في غرفة مغلقة والإجبار المستمر على شرب السوائل.
هناك صور أخرى ثابتة للضابط مع عائلته، وهو مستمتع بمراقبة ضحاياه عبر الكاميرات المثبتة في أماكن حبسهم. ثورة فرح المفاجئة وتركها للبرنامج بعد واقعة الاستعانة بالمواطن/الشاهد المزيف، وتغيير حياتها في ساعات قليلة لتتحول لثورية، متخلية عن جبنها السابق، لتسجل فيديو تفضح فيه الأكاذيب الإعلامية.
بدايةً من هذه اللحظة تحديدًا في الفيلم، تغدو الصور الثابتة، أو الدفقات الشعورية، تسجيلًا لبطولات مطلقة في الغالب. عمرو لا يشارك في الثورة لكنه يرفع فيديو فرح على النت ليجلس منتظرًا اعتقاله في هدوء. جيران متضامنون ينخرطون في اللجان الشعبية لحماية المنطقة، وفي مواجهة لجان البلطجية التي عرفناها في أفلام سبق ذكرها في السلسلة، تظهر اللجان الشعبية الثورية التي تُوقف سيارة زوجة ضابط أمن الدولة، وتعاملها باحترام وتسمح لها بالعبور رغم معرفتها بهويتها، على الجانب الآخر يستقر الضابط في شقة بميدان التحرير ليشرف بنفسه على عملية إجهاض الثورة، لكن الثورة تستمر.
تتوالى خطابات مبارك الأول ثم الأخير، ومن بعده التنحي وخطاب عمر سليمان. وأخيرًا الميدان بمادة أرشيفية حيث يلتقي الحبيبان.
يمتلئ الفيلم بهذا النوع من الاسكتشات في محاولة لتشكيل صورة تبدو شاملة للثورة، عبْر قطع صغيرة. وينتهي فعلًا بصورة ثابتة، بالمعنى الحرفي والجمالي، لمن يرفعون صورة القبطي الذي قُتل في ماسبيرو وهم ينظرون إلى الكاميرا مباشرة، وفي مشهد موازٍ عمرو وفرح فوق كوبري قصر النيل ينظران بدورهما إلى الكاميرا وأمامهما كاميرا أخرى. ثم تختتم اللقطات ببعض الأرقام عن الجرحى والقتلى والفتيات اللاتي تعرضن لكشوف العذرية، والمعتقلين، ومن فقدوا عيونهم خلال السنة الأولى من الثورة.
أنا الانتحار الزاعقة
"الشتا اللي فات.. ابتدا السباق.. وسط الديابة جعانة والكلاب.. طريق إجباري.. والرجوع ممنوع.. ومفيش مكان للذل والخضوع.. بعت القضية.. وهاقول حرية.. صوتي صوت الحق يعني الأغلبية.. أحسن لي إني أموت.. ولا إني أعيش معاكم.. أحسن لي أقطع رجلي.. قبل ما تمشي على هواكم.. طز في كلامكم.. طز في أيامكم.. أنا الكابوس اللي في وسط أحلامكم.. أنا الحقيقة اللي ما يعرفهاش أمثالكم.. أيوة أنا.. مات الكلام وانتهى.. زوق عافية الحلم ابتدا".
يخلو "الشتا اللي فات" من الأغاني. لكن بالتوازي مع عرضه ربيع 2013 أصدر فريق كايروكي هذه الأغنية، المسماة على الإنترنت بطريقتين؛ مات الكلام، وأغنية الشتا اللي فات، من كلمات أمير عيد. في فيديو كليب إطلاق الأغنية، يظهر فريق الفيلم، ويظهر المخرج في بدايته خلال إخراجه لمشهد التحقيق الجماعي للمعتقلين فيما يبدو معسكرًا مهجورًا، ويتواجد فريق كايروكي في المكان نفسه لتقديم أغنيتهم، ويستعينون ببعض مشاهد الفيلم كجزء أساسي منها، فترتبط مباشرة به على الرغم من غيابها عنه.
ما يلفت النظر هنا التقارب بين الفيلم وتمجيده للبطولات الفردية المطلقة، والأغنية بكلماتها المباشرة والزاعقة، وطريقة أدائها الصاخب. كلاهما يعكس الروح نفسها، روح لا تنتمي لمنطقة خوض صراع سياسي واجتماعي بإدراك لطبيعته. بل إلى حالة مفرطة في المثالية، مع قدر من الانتحارية: ".... أحسن لي إني أموت.. ولا إني أعيش معاكم.. أحسن لي أقطع رجلي.. قبل ما تمشي على هواكم". وتتبدى أكثر في نهايتها "أنا بلدي مكانها مش هنا.. يا ترجع تاني يا إما أموت أنا".
"الأنا" في الأغنية يتم مطها كي تطول، وتصبح أكثر إيلامًا، ورومانسية، وفردية. انتشرت هذه النوعية من الأغاني بين المشاركين في الثورة من قطاعات الشباب الأصغر سنًا، وفريق كايروكي له عددًا منها، أبرزها اثبت مكانك.
من شاركوا في المواجهات العنيفة خلال الثورة بإمكانهم فهم أسباب انتشار هذا الوعي المثالي/الانتحاري بتأمل نماذج شبابية بدت وكأنها تستمتع وقت المواجهات الدموية بمعانقة خطر الموت في الصفوف الأمامية. إنها الطاقة المثالية/الانتحارية التي أتت لملء فراغ حقيقي وكبير في الوعي السياسي الثوري. فراغ ليس فقط في الأغاني، وإنما في الشعارات التي ارتبطت بالشهداء والمصابين، وتمجيدهم بأنهم الأفضل بيننا، وحصر الصراع السياسي في الثنائيات، مثل "يا نجيب حقهم.. يا نموت زيهم".
هذه الصلة بين الأغنية والفيلم، على أرضية تمجيد البطولة المطلقة الرومانسية، والمقتربة من الانتحارية، تفسر لماذا بُني الفيلم على مجموعة من الاسكتشات التي تعبر عن بطولات فردية منفصلة، لا يوجد بينها رابط جماعي أو درامي، لتشكل خلفية البطولة المفاجأة للمذيعة التليفزيونية، والقرار البسيط الذي يتخذه البطل عمرو دون تردد أو تفكير برفع فيديو حبيبته على شبكة الإنترنت، وهو واعٍ بأنهم سيعتقلونه بعدها بدقائق، فيجلس هادئًا في انتظار من يقتحمون بيته ليدمروا كل ما فيه ويحملونه معهم.
من بين الاسكتشات مشهد تعذيب لشخص يسُب معذبيه القادرين على قتله. أو تحدي المعتقلين للمحققين والاستهزاء بهم في مشهد التحقيق الجماعي في المكان الواسع المهجور، كأن يقول أحدهم "كل حاجة في البلد خايبة.. حتى أسئلتك خايبة". ويستهزئ الآخر بأهله "نزلت عشان مراتي حامل، كان نفسي العيل اللي جاي ده يبقى بيحترمني، أصلي حضرتك أنا ماكونتش بحترم أهلي"، أو أن يؤكد الثالث غاضبًا على أنه ذهب لشراء بيتزا ويرغب في الذهاب لمنزله قبل أن تبرد البيتزا.
أما الرابع المسؤول عن إدارة صفحة "جمعة الغضب"، فيؤكد بسخرية أنه بحث عن الشرطة لتسليم نفسه حين شعر بخطئه، لكنه لم يجدها، ليسأل الضابط "هو أنتو روحتوا فين صحيح يا باشا؟".
اسكتشات "الشتا اللي فات"، تذكرنا بفيلم ميكروفون، الحافل بها. غير أن الأخير يقترب عبر قصصه السريعة من روح تميل إلى الرغبة في الحياة والإبداع والتحرر، لا إلى الانتحار. ويبتعد عن تمجيد البطولات الفردية. من دون الدخول في مقارنة حول أيهما أقرب لـ"روح اللحظة"، يمكن القول إن كليهما على الرغم من وقوفهما في منطقتين مختلفتين في الرؤية والوعي، فهما يقتربان من لحظتين مختلفتين؛ لحظة الأمل في البداية، ولحظة الهزيمة واليأس بعدها بشهور.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
