تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
يتقاطع فيلم آخر أيام المدينة مع تجربة بروس لي السينمائية في عملية الإنتاج الصبورة وكولاج القصص.

أفلام وأفكار وثورة| آخر أيام المدينة.. أسئلة السينما عن الحياة والثورة

منشور الثلاثاء 24 شباط/فبراير 2026

تحدَّى بروس لي، الذي بدأتُ هذه السلسلة بالحديث عنه، الأفكارَ العنصريةَ السائدةَ في هوليوود والولايات المتحدة الأمريكية، محاولًا تقديم صورة مغايرة لمواطنيه الأمريكيين من أصل آسيوي على الشاشة، وحثهم على التمرد على الصورة النمطية القديمة، وألا يتماهوا معها. وعند بداية تحقق حلمه يموت، وينتهي مشروعه قدريًا.

بتأمل تجربة فيلم آخر أيام المدينة (2016) لتامر السعيد، نلتقط إحدى المقاربات لتجربة بروس لي، تظهر في عملية إنتاجه الصبورة التي استغرقت أعوامًا طويلة، وفي بنائه الدرامي المختلف عن السائد حتى يكاد يكون "كولاجًا" مشكلًا من مزج قصص وخطوط وأماكن وأصوات مختلفة، وخروجه عن النمطين القصصي والفني المعتادين، كما يتماس مع تجربة بروس لي المجهضة في مسألة منع جمهور الفيلم الواسع، المصريين بالأساس، من مشاهدته. جمهور طمح تامر السعيد لأن يكون منتبهًا لتفاصيل فيلمه، ومتأملًا لها، كدعوة لتأمل الواقع الحقيقي المعاش، والفعل خارج قاعة العرض.

منع القدر/الصدفة/الموت بروس لي من تحقيق حلمه حين حانت لحظة تحققه. لكن لا صدف أو أقدار في حالة "آخر أيام المدينة" بعد اكتماله. فيلغى عرضه الافتتاحي من دون إيضاح أسباب، وتمتنع السلطة السياسية المسؤولة عن هذا المنع، ممثلةً في جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، عن تقديم مبررات حجب التصريح الرقابي عنه.

في تقديري، كان حرمان الجمهور من مشاهدة الفيلم نتيجة عوامل كثيرة، من بينها خروجه عما هو سائد على مستوى الشكل والمضمون في السينما المصرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لدرجة إثارته للقلق. بالذات بعد انتصار السلطة النهائي على شعبها، فلا تسمح لنا ولو بمجرد تأمل مصائرنا وهزائمنا في مرآة يطل منها بطل الفيلم خالد/خالد عبد الله، برحلته، ورحلات من يتقاطعون معه خلال لحظة الاحتقان السابقة على انفجار يناير 2011.

الاختناق

من فيلم آخر أيام المدينة

في بداية هذه السلسلة من المقالات، التي تتناول رواية بعض الأفلام لثورة يناير 2011، ورد سؤالٌ عن أسباب غياب أفلام مصرية "كبرى" عن الثورة، وعن مدى تأثير الثورة في نوعية سينمانا، وما تطرحه، وفي درجة تحديها للأفكار والقيم المستقرة على كل المستويات؛ فنيًا، وشكليًا، وموضوعيًا. أي باختصار تمردها على الأيديولوجيا السائدة.

لا دروس مستفادة هنا، أو أحكام قاطعة، أو وصفة جاهزة لعمل سينما ثورية، أو إجابات عن سؤال غياب "السينما الكبرى". إنها مجرد مقالات لقراءة عدد من الأفلام الروائية التي تناولت الثورة، وطرح أسئلة بخصوصها. لكن فيلم آخر أيام المدينة الذي أختتم به هذه السلسلة يفرض علينا الانتباه لسؤال متصل بهذه الأسئلة، وحاضر في الفيلم بوضوح ووعي؛ علاقة السينما بالحياة، بالواقع، بالسياسة، وبما يحدث أمام الكاميرا أو في غيابها.

يحدد صناع الفيلم زمن أحداثه منذ البداية، ديسمبر/كانون الأول 2009، بمشهد استيقاظ البطل خالد فجرًا، وتأمله مدينته القاهرة، من نافذة غرفة المستشفى التي ترقد فيها أمه المريضة. وهذه العزلة، والمدينة البعيدة التي تستيقظ وتتضح صورتها أمامنا ببطء، لا تمنعنا من مشاهدة الفيلم من دون أن يكون انفجار يناير 2011 حاضرًا في أذهاننا منذ اللحظة الأولى.

ولا تمنعنا من الانتباه إلى الموت، وإلى أن معنى الحياة يصبح أكثر حضورًا وقوةً في حضور الموت والخراب، مثلما تقول إحدى شخصيات الفيلم. ومن دون أن نتساءل عن أين ومتى صورت مشاهده، أو علاقتها المباشرة بالثورة. وربما يكون ذلك نفسه من ضمن أسباب منعه. فهو فيلم غير مريح أيًا كان زمن أحداثه أو زمن عرضه، سواء كان آخر أيام مبارك، أو خلال الولاية الأولى للسيسي، 2016.

شخصية خالد، بطل فيلم تامر السعيد، والمعادل الدرامي له، تبدو كالماء إن استعدنا نصيحة بروس لي "كن ماءً صديقي". هادئ، غير مواجه، متأمل من دون مشاركة، يحاول أن ينسج من خيوط كثيرة تلتقي عنده فيلمًا لا يكتمل. خيوط وقصص تمسه مباشرة، أو يتقاطع معها صدفة، مارًا في شوارع المدينة، متأملًا مجتمعًا على وشك الانفجار.

انفجار لا يحدث إلا داخل خالد نفسه، ويُعبر عنه في نهاية الفيلم بتقطيعه الملصقات الدعائية الدينية داخل المصعد، وفتح نافذته أخيرًا، والالتحام بالمدينة، من دون حاجز زجاجي شفاف يفصل بينه وبينها. وكأن رحلة خالد/تامر تُحسم لصالح اختيار الاشتباك مع هذا الواقع الملوث، وليس فقط تأمله. مثلما يُحسم سؤال العيش في الماضي، في الحنين، أم في الواقع الآني على لسان حنان/حنان يوسف، التي تنبه البطل لأن يعيش الحياة بدلًا من الفرجة عليها عابرة أمامه. وهو سؤال عن دور السينما بامتياز.

يتشكل الفيلم من قصص متنوعة، من بينها قصة الأم المريضة التي تحكي عن علاقة حبها لزوجها التي أصابتها شروخ كبيرة بعد حادث سيارة راحت ضحيته ابنتاهما، وعجزها عن الكف عن تحميل الأب مسؤولية وفاة الابنة لأنه كان قائد السيارة. وخالد الابن الذي يبحث في ذاكرة أبلة فضيلة وفي حكاياتها في الراديو عن ملامح لهذا الأب الراحل، وزمنه الذي كان أجمل. فيما تنهي حبيبته علاقتها به لتسافر وتنقذ ذاتها من القاهرة، من المدينة التي تكاد تنتهي.

يبحث خالد عن بيت جديد مضطرًا، كأن البيت سينقذه، وربما ينقذ فيلمه من عدم الاكتمال، بالتوازي مع أصدقاء آتين من مدن متفجرة بالعنف والحروب الأهلية، بيروت وبغداد، ويلتقون عند صديقهم القاهري يجمعهم الإحساس بالغربة عن واقعهم، والتصاقهم به، ومحاولتهم التعبير عن جوهره فنيًا في اللحظة نفسها. من دون أن ينسوا حضور نموذج الطاغية، المخرب الأصلي للمدينة.

تحضر الشرطة كجهاز قمع في كل جوانب المشهد العام. تحاصر وتلاحق المتمردين في الأزقة، تقمعهم فيما يهتفون، "يسقط حكم العسكر.. يسقط حسني مبارك". فيما تحاول الفنانة المسرحية والحكاءة، حنان يوسف، التي تفقد بيتها في الإسكندرية، أن تتشبث بالحياة لا بالحنين. وترتدي فنانة أخرى، مريم صالح، معطف أبيها الذي مات في محرقة مسرح بني سويف 2005. وتحكي عن كيف تقرب يديها أحيانًا من النار، على قدر استطاعتها، لتتخيل ألمه داخل المسرح المحروق. ويمر علي صبحي في شوارع المدينة على دراجته مبتسمًا، وكأنه يلامس الحياة بخفة، ويتعايش مع مدينته بتواؤم كامل.

الانفجار أو الهروب

لقطة من فيلم آخر أيام المدينة إخراج تامر السعيد (2016)

كل هؤلاء، وغيرهم من العابرين في الشوارع، بوجوههم المتعبة والمهمومة، يشكلون موزاييك/كولاج فيلم خالد/تامر غير المكتمل، الذي لا يعرف صانعه متى يكتمل ويتحقق. لكنه يكتمل أمامنا بتمهل، ملامسًا كثيرًا من المحظورات والكوابيس التي تفرضها السلطة السياسية، وسلطة المجتمع المتدين والمحافظ قبل وبعد يناير 2011، من دون أن تُذكر كلمة الثورة ولو مرة واحدة. لكنها تتجسد في المعاني الكبيرة، وكذلك البسيطة، كتلك التي تعبر عنها ليلى، حبيبة خالد، في حلمها بأن يقبّلا بعضهما البعض في الشارع دون أن يضطرا للاختباء، وأن يكون الحب فعلًا عاديًّا، غير محظور. فالثورة ليست حدثًا ملموسًا أو خبرًا، إنها روح اللحظة الحاضرة في الفيلم.

في أحد المشاهد، بينما يهدم بعض العمال مبنًى سكنيًّا، يلتقط أحدهم غرضًا من متعلقات العائلة التي كانت تقطنه، ويتأمله. إنها صورة فوتوغرافية، لا نراها ولن نراها. يمزقها فتسقط مع بقايا المبنى. عندها نرى جميعًا أنفسنا في تلك الصورة بصحبة من نحب. نرى زمننا الذي راح، من دون أن نرى الصورة ذاتها.

ذلك هو الجانب الساحر في آخر أيام المدينة، أن يجد كل منا ظلالًا من ذاته، وآلامه، وحسراته، وغضبه، ورغبته في الصراخ والانفجار، في إحدى شخصيات الفيلم، وإن اختلفت حكاياتنا. ونجد أيضًا ظلالًا للرغبة نفسها في الهروب والنجاة من بيوتنا ومدننا التي خربت، أو في طريقها للخراب.

ننتبه للقاهرة معادلًا محتملًا لهذه المدن التي تعيش أيامها الأخيرة فعوامل الانفجار حاضرة والعنف حاضر أمامنا

يتجاوز البيت الآمن في آخر أيام المدينة المعنى المباشر للبيت أو المدينة أو الوطن. ليصير بيتًا آمنًا فنيًا، لا بد من هجرانه. فيلجأ تامر السعيد لمغامرة مزج الروائي بالتسجيلي في فيلمه، بوعي كامل لغياب الخطوط الفاصلة بينهما، مستعيدًا جوهر مشاريع وأحلام سينمائيين آخرين في كل أنحاء العالم، حاولوا بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال وبعد ثورات وانتفاضات وحركات تغيير، أن ترتبط سينماهم بنهر الواقع، بنهر الحياة الحقيقية، وأن تكون تعبيرًا صادقًا عنها، من دون أن ينشغل مشاهدوها بأسئلة عما هو حقيقي وما هو متخيل. إذ إن كلا الطريقين، التسجيلي والروائي، الحقيقي والمتخيل، يتجهان لواحد من جوانب حياتنا الحقيقية، كي نتأملها.

يقف المخرج السينمائي خالد، الذي لا يفارق كاميرته، عاجزًا أمام ما يحدث أمامه؛ عنصران من الشرطة يطحنان شابًا مشاركًا في مظاهرة، ويخطفانه. لا يفعل خالد شيئًا، لكن شابة بكاميرا صحفية، تحضر وتقف في ظهره، لتلتقط خلسة الصورة التي ستحفظ حضور الضحية، ليعرف الآخرون ما حدث له. فيتحول الفيلم نفسه إلى أداة لتأمل علاقة السينما بالواقع والحياة. وعلاقة السينمائي بما يحدث حوله، إن كان متفرجًا ومتأملًا وفقط، أم متورطًا ومشاركًا ومشتبكًا.

تعبير "حياتنا الحقيقية"، الوارد قبل سطور، يأتي هنا بمعناه الشامل. حتى وإن كانت أفلامًا تتناول حياة طبقة أو شريحة اجتماعية محددة، وليس بالضرورة أن تكون الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها كل متفرج/متفرجة على حدة. في حالة آخر أيام المدينة، إنها الشريحة ذات العلاقة بالفن من الطبقة الوسطى في لحظة الاحتقان الكبرى وقبل الانفجار. لكن من دون خطابات أو أوهام حول قيادتها للفعل، أو احتكارها له، أو اختصار الثورة، الحاصلة خلال عملية إنتاج الفيلم، في أن تكون ثورتها.

يحكي صديق خالد العراقي عن حافلة (بيك آب)، مرت بشوارع مدينته بغداد، وبها جثة تنزف، تترك على الطريق الطويل خيط دم مستمرًا وممتدًا منذ عشرات السنوات، مثلما يراه صديق آخر، آتٍ من بيروت، بحروبها الممتدة منذ قرنين. فننتبه للقاهرة، كمعادل محتمل لهذه المدن التي تعيش أيامها الأخيرة، فعوامل الانفجار حاضرة، والعنف حاضر أمامنا. ليس فقط عنف السلطة، بل أيضًا على سطح البيت المواجه لخالد، مجسدًا في رجل يضرب امرأة ويسحلها، ويتحدى المخرج/البطل، ويتحدانا؛ "هاطلع ميتينك".

لا وجود لبلطجية، أو صدف ميلودرامية، أو فقراء سوقيين، أو ثورة تحدث في نشرات الأخبار مثلما بدا في كثير من الأفلام التي تناولت ثورة يناير وتضمنتها هذه السلسلة. هناك الأهم؛ التعبير عن حلم الخلاص، أو الانهيار والفناء والغرق مع المدينة، إن لم ننقذها وننقذ ذواتنا معها.

إنه ما يربط آخر أيام المدينة بجوهر اللحظة التاريخية، ويجعله فيلمًا طموحًا في محاولة التعبير عنها وحكيها سينمائيًا، والمغامرة في سياقها بجماليات ومضامين مختلفة، وطرق غير معتادة للبناء الدرامي السينمائي. ولذلك نفسه حُجب عنا، كما حُجب عنا جوهر ثورة يناير عبر الماكينة الهائلة لتسييد أيديولوجيا النظام، الذي لم يسقط يوم خلع مبارك 11 فبراير/ شباط 2011.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.