تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
هل يمكن اعتبار تزايد الاحتجاجات العمالية بروفة لغضب اجتماعي يتحين اللحظة المناسبة؟

بروفات عمالية للانفجار الاجتماعي

منشور السبت 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2025

أيام معدودة فصلت بين احتجاجين عماليين مهمين في شركتين مملوكتين للدولة شهدتهما مصر مؤخرًا، اشتركا في أهميتهما الاقتصادية وفقر عمالهما وعدم الاستجابة لما رفعوه من مطالب، لكن رغم ذلك اختلفت طريقة تعاطي السلطات معهما 180 درجة. فما الذي حدث؟ وما تأثير المتغير السياسي على الكفاح الاجتماعي والديمقراطي؟

الاحتجاج الأول شهدته شركة الرباط والأنوار ببورسعيد التابعة لهيئة قناة السويس، التي أضرب عمالها في نهاية الشهر الماضي، فجرى التعامل معهم أمنيًا بالتهديد بالاعتقال وإغلاق الشركة. أما الثاني، فتشهده شركة مياه الشرب والصرف الصحي، منذ أكثر من أسبوعين، واقتصر فيها دور الأمن على المتابعة والرصد، فتوسعت الاحتجاجات وتطورت المطالب، وذلك على خلفية ارتباك أجهزة الدولة مع مشهد الانتخابات الصادم.

التهام أرباح العاملين

لافتات تحمل مطالب عمال شركة مياه الشرب بالقاهرة 13 نوفمبر 2025

في صباح 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بدأ نحو 1500 عامل من شركة الرباط والأنوار، التابعة لهيئة قناة السويس، إضرابًا شاملًا احتجاجًا على قرارات جديدة لمجلس إدارة الشركة، بتعديل اللائحة الداخلية بما يؤدي إلى تقليص أرباح العاملين بنسبة تقترب من النصف.

وحسب العمال، فإن التعديل الجديد ينص على تحويل نسبة من الأرباح لصالح صندوق الكوارث والأزمات، ووقف صرفها شهريًا كما جرت العادة في السنوات الماضية، على أن تُصرف سنويًا بنهاية كل عام بدءًا من 2027. كما شملت التعديلات خفض الحافز الشهري من 15% إلى 10% اعتبارًا من الشهر المقبل.

ومع انضمام عمال من فرع الشركة في السويس، اتسع الإضراب ليتحوّل إلى اعتصام مفتوح.

كان من الممكن أن تتحاور الإدارة مع العمال قبل أن تصدق على اللائحة، في ظل الأوضاع المعيشية التي تتدهور بانتظام لكل العاملين بأجر، خصوصًا أن إيرادات الهيئة ارتفعت 11% في يوليو/تموز الماضي، لتسجل 359 مليون دولار مقابل نحو 323 مليونًا في الشهر نفسه من العام الماضي.

لكن بدلًا من فتح حوار مجتمعي بقيادة وزارة العمل مع العمال المضربين، لجأت الإدارة إلى الأسلوب الأمني المعتاد منذ ما يقرب من 10 سنوات. فمنعت قواتُ الأمن التي حضرت إلى المكان فور علمها بنبأ الإضراب عمالَ الإدارة بمكاتب الشركة من الانضمام إلى زملائهم، وفرضت حصارًا أمنيًا مشدّدًا على الشركة ومنعت الدخول إليها أو الخروج منها.

القبضة الأمنية سيدة الموقف؛ عشرات الآلاف بالسجون

وحسب ما وثقته المفوضية المصرية للحقوق والحريات، تعرَّض العمال المعتصمون لـ"حصار أمني وترهيب"، في ظل محاولات جمعهم في مكان واحد داخل مقر الشركة بدعوى انتظار توقيع قرار بإلغاء الخصومات.

ومع تصاعد التهديدات وتسرب أنباء عن نية قوات الأمن القبض على عدد منهم، اضطر العاملون لمغادرة المقر خوفًا من الملاحقة، بعد أن قضى ممثلوهم ساعات طويلة في انتظار نتائج الاجتماع مع نائب رئيس هيئة قناة السويس بالإسماعيلية.

لم تكتفِ الإدارة بذلك، بل أغلقت الشركة ليومين، ما دفع العمال إلى تعليق الإضراب والعودة للعمل.

المفوضية اعتبرت "رفض التفاوض المباشر، واحتجاز الوفد التفاوضي لساعات، والترهيب الميداني للعمال، يشكل خرقًا صارخًا للحقوق النقابية الأساسية التي تكفله".

الحقيقة المؤكدة أن القبضة الأمنية هي سيدة الموقف؛ عشرات الآلاف بالسجون، الحكومة ترفع الدعم عن الوقود والسلع الأساسية في عز الظهر. وعندما يحتج العمال والموظفون تشهر أسلحة الفصل والتشريد والحبس.

ورغم ذلك تشير الإحصاءات المتوفرة إلى تصاعد بطيء لكنه ثابت، لمعدل الاحتجاجات الاجتماعية خلال العام الجاري مقارنة بالعامين الماضيين، بعد أن بات العاملون بأجر "ضهرهم للحيط".

مسرحية.. مسرحية.. العصابة هي هي

بعد أسبوعين فقط من فض إضراب الرباط بالقبضة الأمنية، كان أنصار المرشحين الغاضبين في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب يهتفون "واحد اتنين.. أصواتنا راحت فين؟ زوَّروها زوَّروها"، وفي الخلفية اتهامات متبادلة بين الأحزاب الموالية للسلطة بمحاولة التكويش والتهميش والخيانات.

الارتباك امتد إلى تراشق الجهات القضائية بالبيانات بين نادي القضاة ونادي النيابة الإدارية، وبيانات الهيئة الوطنية للانتخابات، بينما تعالت أصوات الموالاة وأخرى من المعارضة الشكلية، تشيد بحكمة السيد الرئيس وتدخله في الوقت المناسب، دفاعًا عن "نزاهة الانتخابات"، مما أدى إلى إعادة الانتخابات في 19 دائرة من دوائر المرحلة الأولى في مشهد دال على هزلية الانتخابات رغم استبعاد المعارضة.

في هذا السياق المرتبك الذي بدا أنه صدام بين جهات سيادية بالدولة على المغانم، خرج الآلاف من عمال شركة مياه الشرب للاحتجاج على الأوضاع المعيشية، وهم يهتفون بشعارات ترددت كثيرًا في نضالات العمال قبل ثورة يناير 2011 من بينها "مسرحية مسرحية.. العصابة هي هي"، و"علّي وعلّي وعلّي الصوت.. اللي هيهتف مش هيموت"!

الاستجابة لمطالب عمال المياه ستفتح ماسورة الاحتجاجات في مصر

اللافت أن التدخل الأمني هذه المرة كان محدودًا للغاية، بعكس الاحتجاجات السابقة. قال عدد من العمال إن عناصر من الأمن الوطني حضرت إلى الوقفات، كما كانت تفعل في السنوات الأخيرة لمبارك، لكنهم قالوا إنها كانت تتابع وتراقب وبدت متفهمة للمطالب.

الاحتجاجات اتسعت رقعتها لتشمل فروعًا بمحافظات القاهرة والجيزة والشرقية وبني سويف والمنيا، وتطورت إلى إضرابات جزئية عن تحصيل الفواتير، لتعكس مدى الغضب الذي يسيطر على عمال أفنوا حياتهم في عملهم، فلم يحصدوا سوى رواتب هزيلة، ومماطلة في التثبيت، والأهم تجميد العلاوات منذ عام 2016.

التقط العمال مشهد تدخل الرئيس في مسار الانتخابات ليهتفوا "الحقنا يا ريس"، ولكن صوتهم لم يصل حتى الآن إلى السادة المسؤولين في الرئاسة أو في وزارة الإسكان.

العمال الذين طوروا مطالبهم لتشمل تطهير الشركة من القيادات الفاسدة، رفضوا الحزمة التحفيزية لرئيس مجلس الإدارة لأنها لم تستجب لمطالبهم الرئيسية، وهتفوا "يا رقابة يا إدارية.. شركتنا فيها حرامية". ولوَّحوا بأنهم لن يكون بمقدورهم حال استمرار التجاهل الحكومي لمطالبهم الاستمرار في تقديم خدمات الشرب والصرف الصحي الحيوية بشكل لائق للمواطنين.

أكثر من هذا؛ بدأ تأثير احتجاجات المياه يمتد إلى قطاعات حيوية أخرى كالعاملين بشركات الكهرباء، والمؤكد أن الاستجابة لمطالب عمال المياه ستفتح ماسورة الاحتجاجات في مصر، فالعاملون جوعى للعدل والحرية.   

دروس مستفادة

أيًا كانت النتائج التي ستسفر عنها حركة عمال شركة المياه، فإنها تعد حدثًا غير مسبوق في ظل النظام السلطوي الحاكم، من حيث اتساعها وطول نفسها، وصلابة العاملين، وقدرتهم على تحدي جمهورية الخوف وانتزاع حق التجمهر. وهو ما يمكن اعتباره بروفة لغضب اجتماعي يتحين اللحظة المناسبة للاندلاع، في مواجهة سياسات التقشف والإفقار والاستبداد.

فالبلد، حسب تقديرات، يحتل نصيب الأجور فيه 22% من الناتج المحلي بينما يستحوذ رأس المال على 78%، مما يعد مؤشرًا على اللامساواة المتفاقمة، فنصيب الأجور كان 40% في الثمانينات، ومن حوالي عشر سنين كان حوالي 25%.. أي أن المؤشر يتجه للأسوأ. 

أغلب الظن أن الارتباك الراهن في التحالف الحاكم لن يستمر طويلًا. فالجميع سيتوحد مصطفًا خلف الرئيس، تمهيدًا لتعديلات دستورية متوقعة لفتح باب الفترات الرئاسية، دون الحاجة إلى تغيير حقيقي في السياسات، فلا توجد أي ضغوط سياسية أو شعبية أو خارجية على النظام حاليًا.

ويرجح قوة هذا الاتجاه أن البلاد مقبلة على المزيد من سياسات التقشف، فالبنك الدولي يتحدث عن ضرورة سداد نحو 50 مليار دولار من الودائع والديون وفوائدها العام المقبل 2026، بخلاف الديون الداخلية. يعني ذلك مزيدًا من بيع الأصول، مزيدًا من الضغط على المواطن، وربما مزيدًا من الاقتراض والاستدانة، لسداد الديون.

لكن المشهد السياسي الراهن يكشف عن حجم الغضب والاحتقان المتزايد لدى قطاعات شعبية واسعة، التي تحتاج إلى دعم ومناصرة النخب السياسية، باعتبارها هدف التغيير وأداته.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.