
المطلوب من حماس استراحة محارب
المقاومة المسلحة للاحتلال العنصري حقٌ وواجبٌ. ولم يتحرَّر وطن محتل فقط بالدبلوماسية وبيانات الشجب والإدانة، أو الاكتفاء بالتظاهر السلمي في الشوارع. هذا ما تعلمناه من تجارب كل الشعوب التي عانت الاستعمار، ولنا في بلادنا نصيب طويل ودموي، بجانب تاريخ نضال الشعوب في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وفي الحالة الفلسطينية، فإن نمط الاستعمار أعمق وأكثر شراسة من الاستعمار التقليدي الذي عهدناه على يد الإمبراطوريات البائدة مثل بريطانيا وفرنسا. تحت لافتة التفوق العِرقي والتقدم العلمي، برَّر الاستعمار القديم احتلال بلادنا ونهب ثرواتنا بمزاعم انتشالنا من الجهل والفقر، ونقلنا لمصاف الدول المتقدمة. أما في الحالة الفلسطينية، فإن الاستعمار الصهيوني يسعى لإحلال شعب بأكمله، هو خليط غير متجانس لا تجمعه إلا مزاعم دينية تربطه بأرض فلسطين، محل شعبها الأصلي.
وبسبب هذا البعد الديني، انقسمت ردود الأفعال داخل فلسطين وفي الدول العربية والإسلامية بشأن الموقف من هذا الاستعمار الصهيوني، وإذا ما كانت المواجهة تاريخية بين المسلمين واليهود، أم أنه يجب حصر الصراع ضد من يؤمنون بالمشروع الاستعماري الصهيوني، أخذًا في الاعتبار وجود قطاع من اليهود لا يتفق مع ذلك المشروع، وحقيقة أن غالبية يهود العالم يعيشون خارج دولة الاحتلال في أوطانهم، ولا يتقبلون فكرة الهجرة واضطهاد شعب آخر والاستيلاء على أرض الفلسطينيين.
الاستثناء الحمساوي
عندما انطلقت حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد الاحتلال في أعقاب هزيمة 1967، كان التيار الغالب قوميًا ويساريًا، ممثلًا في تنظيمات مثل فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية وغيرها، في وقت كان لهذه التياراتِ الغلبةُ عمومًا بسبب المشروع القومي العربي الناصري. وفي تلك الفترة كانت التنظيمات الفلسطينية المسلحة تختطف الطائرات وتلاحق الرياضيين الإسرائيليين وتشن هجمات مسلحة داخل الأراضي المحتلة وتستهدف جنود الاحتلال والمستوطنين.
كان قادة المقاومة يواجهون تيارًا شرسًا في الغرب ينكر وجود الفلسطينيين من الأساس، وسط انبهار بنجاح المشروع الصهيوني وتمكُّن ذلك الكيان الصغير ليس فقط من هزيمة كل جيوش الدول العربية مجتمعة في 1967، ولكن توسيع أراضيه المحتلة أضعافًا في فلسطين ومصر وسوريا والأردن.
رغم خلافي المبدئي مع جماعات الإسلام السياسي كانت حركة حماس بالنسبة لي في وضع استثنائي
وفي مواجهة الاتهامات بالإرهاب، تمسكت حركات المقاومة الفلسطينية بأن هذه الوسائل كانت الطريق الوحيد لوضع الاحتلال الصهيوني على الأجندة الدولية ولفت انتباه العالم لما يتعرض له الفلسطينيون من قمع واضطهاد واستيلاء على أراضيهم في مخالفة لكل القوانين الدولية التي تم الاتفاق عليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
لكن مع تراجع المشروع القومي العربي وتصاعد تأثير التيارات الإسلامية، خاصة في أعقاب اغتيال الرئيس أنور السادات على يد جماعة إسلامية متشددة كان من مبرراتها إقدامه على توقيع أول اتفاق سلام مع العدو الصهيوني، وجد أنصار القضية الفلسطينية أنفسهم في موقف صعب.
فمن ناحية، هم يدعمون حق الفلسطينيين في المقاومة المسلحة للاحتلال، ولكنهم لا يُقرِّون المنطلق الديني لجماعات الإسلام السياسي في التعامل مع الحقوق الفلسطينية، واعتبار أن الصراع ديني بين المسلمين واليهود، لا قضية حقوق تتعلق بعدم مشروعية الاستعمار واحتلال أراضي الغير وتطبيق قوانين عنصرية على الشعب الخاضع للاحتلال.
ومع انتمائي الشخصي للتيار الداعم للقضية الفلسطينية من منطلق رفض الاحتلال العنصري والحركة الصهيونية لكل ما تحمله من أكاذيب وإنكار لحقوق الشعب الفلسطيني، ورغم خلافي المبدئي مع منطلقات جماعات الإسلام السياسي عمومًا، فإن حركة حماس بالنسبة لي في وضع استثنائي بسبب تمسكها بخيار المقاومة وحجم التضحيات الهائل الذي قدمته على مدى تاريخها الممتد نحو أربعة عقود.
كما أن الفصائل الفلسطينية الأخرى، بما فيها فتح والجبهتان الشعبية والديمقراطية، لم تتوقف عن رفع لواء المقاومة في الضفة الغربية وغزة، وإن كانت الغلبة الواضحة في العقود الأخيرة للفصائل الإسلامية، وسط رواج مشروع الإسلام السياسي عمومًا في المنطقة العربية.
وعندما قامت حماس بهجومها المبهر في السابع من أكتوبر 2023 ضد قوات الاحتلال، وتمكّنت من إلحاق هزيمة مذلة بالجيش الإسرائيلي في يوم واحد، ذكرت أن من بين الأهداف التي نفذت من أجلها هذا الهجوم إعادة وضع القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية بعد وأدها. ولنتذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد تمكَّن من ترسيخ سياسته القائمة على "السلام مقابل السلام" مع الدول التي مثّلت ظهيرًا تاريخيًا لدعم فلسطين، وانخرط معها في علاقات طبيعية دون الانسحاب من الأراضي المحتلة ودون إعلان الدولة الفلسطينية كما تقضي المبادرة العربية التي التزم بها القادة العرب في قمة بيروت عام 2002، تحت شعار "الأرض مقابل السلام والتطبيع".
ولكن..
أي حركة مقاومة للاحتلال العنصري يجب أن تتمتع كذلك بالقراءة الصحيحة للمشهد الإقليمي والدولي المحيط بها، وأن تقرر متى تواصل القتال، ومتى تأخذ استراحة محارب، في صراع يعرف كل أطرافه أنه لن يُحسم سريعًا بل عبر المواجهات.
عندما شنت حماس هجومها في السابع من أكتوبر لم تكن تتوقع بكل تأكيد ما هو أقل من حرب إسرائيلية كاسحة وتدمير عملي للقطاع، مع الوضع في الاعتبار تجارب الحروب السابقة التي شنتها إسرائيل ردًا على مقتل أعداد لا تذكر مقارنة بـ1200 قتيل خلفهم طوفان الأقصى، كثير منهم جنود وضباط احتلال.
ولكن حماس، التي مثَّل تلقيها دعمًا ماديًا وعسكريًا من إيران معضلة للأنظمة العربية، وخاصة الخليجية، كانت تعتمد كذلك على دعم ما سُمي بفصائل "محور المقاومة" التي كان يجمعها تلقي الدعم الإيراني.
هذه المنظمات جميعًا تلقت ضربات مؤلمة للغاية بعد مرور نحو عام من حرب الثأر الصهيونية، وتنفرد الولايات المتحدة الآن بالحوثيين في اليمن بهجمات قوية متواصلة بعدما تمكنت إسرائيل من تصفية رأس قيادة حزب الله والاستفادة من انهيار نظام بشار الأسد، من أجل توسيع احتلالها للأراضي السورية والتصرف بحرية كاملة في مهاجمة الأهداف العسكرية في سوريا ولبنان.
كما أن وجود الرئيس الأمريكي الأهوج دونالد ترامب حاليًا على رأس السلطة في الولايات المتحدة ليس في صالح إنهاء الحرب في غزة، فهو يمد إسرائيل بكل ما تحتاجه من أسلحة لمواصلة الحرب، إلى جانب انشغاله بالنزاعات داخليًا ودوليًا، بما في ذلك مع أقرب الحلفاء في أوروبا وكندا.
وحسنًا فعلت قيادة حماس عندما أعلنت مؤخرًا قبولها التخلي عن حكم قطاع غزة إذا كان المقابل وقف الإبادة التي أدت لاستشهاد ما يزيد عن خمسين ألف فلسطيني، وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع. كما أحسنت التصرف مع المظاهرات التي خرجت من عدة مناطق في غزة تطالب بوقف الحرب وانتهاء حكم حماس ولم تبادر بقمعها، لأنها تتفهم جيدًا أن حجم ما تحمَّله ذلك الشعب البطل من معاناة على مدى 18 شهرًا يفوق أي خيال.
بالطبع لا يتوقع أحد أن تتخلى حماس عن كل ما لديها من أوراق المقاومة، ولكن الأولوية الآن يجب أن تكون لإنقاذ أرواح الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه فإن إسرائيل والعالم أدركوا جيدًا أن الشعب الفلسطيني، بصموده الأسطوري، من المستحيل أن يتخلى عن كل خيارات المقاومة من أجل إنهاء الاحتلال.
وإذا كانت سنوات تجاهل حل القضية الفلسطينية تلاها هجوم بحجم السابع من أكتوبر رفضًا لاستمرار الاحتلال، فلا يمكن لأحد التنبؤ بكيفية استمرار المقاومة المشروعة في مواجهة الاحتلال الصهيوني العنصري البغيض.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.