
"الإعمار" أو "التهجير".. غزة بين صندوقين
رغم اتفاق الدول العربية في القمة الطارئة التي استضافتها القاهرة الأسبوع الماضي على رفض "أي محاولات من شأنها إعادة إعمار قطاع غزة من خلال تهجير سكانه تحت أي مسمى أو أي ظرف"، أعادت تل أبيب وواشنطن صياغة مخطط "التهجير" وطرحتاه مجددًا بإغراء سكان القطاع بـ"تمويل ضخم يُسهِّل سفرهم وإقامتهم في دول أخرى".
وفقًا لما كشفته هيئة البث الإسرائيلية، الجمعة الماضي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ناقشتا مؤخرًا "إقامة صندوق لتمويل نقل الفلسطينيين الراغبين في الهجرة من غزة"، مشيرة إلى أن المشروع الذي يجري تداوله مع أطراف أخرى "تُقدَّر ميزانيته بمليارات الدولارات"، وادَّعت الهيئة أن هناك اتصالات جرت مع دول عربية للتوصل إلى اتفاق بهذا الشأن.
لم تُشِر الهيئة الرسمية العبرية إلى الدول التي قبلت تهجير الفلسطينيين إليها، كما لم تذكر ما هي الدول التي حدث التواصل معها، ولا التي وافقت على تمويل هذا الصندوق، وهل منها مَن قَبِل بتلك الفكرة رغم الإجماع العربي على رفض أي مخطط أو سيناريو يقضي بتفريغ القطاع من أهله "طوعًا" أو "قسرًا"؟!
لم يُطِل مقترح "إغراء الفلسطينيين" بنقلهم وتمويل إقامتهم في دول أخرى إلا بعد ما لمسته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحكومة اليمين الصهيوني برئاسة بنيامين نتنياهو من إصرار مصري أردني فلسطيني على وأد مخطط التهجير الذي طرحه ترامب عقب وصوله إلى البيت الأبيض، فالأطراف العربية الثلاثة تدرك أن مجرد الشروع في تنفيذ ذلك المخطط سيفتح "أبواب الجحيم" الحقيقي لتهز أركان المنطقة، وفي القلب منها دول الطوق.
تعلَم أنظمة الدول الثلاث أن إعادة إنتاج "النكبة الأولى" ولو بمشاهد مغايرة ستقود حتمًا إلى ذات النتائج، وستؤدي إلى زلزال من الفوضى لن ينجو منه أي طرف، وهو ما تتحسب له مؤسسات تلك الدول التي لم تتوقف إسرائيل عبر إعلامها أو ساستها عن التحرش بها. مرة تتحدث عن ترسانة الجيش المصري وجاهزيته وعقيدته القتالية، ومرة أخرى تطرح إسقاط ديون مصر مقابل قبولها إدارة غزة.
تعلم القاهرة أن نزع سلاح فصائل المقاومة سيدفن القضية الفلسطينية إلى الأبد
كان الهدف الرئيسي من طرح مصر خطة متكاملة لإعادة إعمار غزة وإدارة القطاع في اليوم التالي على القمة العربية، سحب الذرائع من الإدارة الأمريكية التي طالبت الدول العربية "الغنية" بتقديم بدائل لمقترحها بـ"تهجير الشعب الفلسطيني" إلى خارج القطاع الذي تهدف إلى تحويله إلى "ريفييرا الشرق الأوسط".
تضمنت الخطة المصرية التي نالت إجماعًا عربيًا بينما رفضتها إسرائيل والولايات المتحدة بعد إقرارها بساعات، تشكيل لجنة "إدارة غزة" تتولى تسيير شؤون القطاع في مرحلة انتقالية مدتها 6 أشهر، على أن تكون اللجنة تكنوقراطية مستقلة مكونة من شخصيات غير فصائلية، تعمل تحت مظلة السلطة الفلسطينية.
وشددت الخطة على أن يجري تشكيل اللجنة خلال المرحلة الحالية، تمهيدًا لتمكينها من العودة بشكل كامل للقطاع وإدارة المرحلة المقبلة بقرار فلسطيني، مشيرة إلى أن "مصر والأردن يعملان على تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية تمهيدًا لنشرها في القطاع".
كان غياب قادة بعض الدول العربية الوزانة عن قمة القاهرة محل تساؤل، خاصة بعد ما أثارته بعض وسائل الإعلام عن سعي هذه الأطراف إلى تضمين البيان الختامي للقمة بندًا يقضي بـ"نزع سلاح حركة حماس وباقي فصائل المقاومة"، فلا "تعمير في قطاع غزة ولا في لبنان دون نزع سلاح حماس وحزب الله"، وفق ما قاله الإعلامي المصري البارز عماد الدين أديب، المقرب من أنظمة دول الخليج لإحدى الفضائيات العربية ونقلته صفحة إسرائيل بالعربية على إكس، واعتبرت أنه "كلام صائب وصحيح".
ألقى الإعلامي المصري البارز بـ"عصاه" تلك عقب القمة العربية الأخوية الودية غير الرسمية التي انعقدت في الرياض نهاية فبراير/شباط الماضي، ولم يعرف أحد على وجه التحديد ما ناقشته، وما هي مواطن الاتفاق أو الخلاف بين من حضروها، ولماذا لم يصدر عنها بيان يوضح ما بحثه الزعماء الذين حضروا واجتمعوا ثم انصرف كل منهم إلى بلاده.
"لسنا 911، أو جمعية خيرية، ذلك التعمير من دون تهجير مرتبط أساسًا بأن تكون لنا كلمة سياسية في مستقبل غزّة، وأي منطقة سوف نعمّرها سواء في جنوب لبنان أو في الضاحية.. حماس بسلاحها غير مرغوبة دوليًا ولا حتى عربيًا.. دعني أكن صريحًا معك.. بوجودها أصبحت عبئًا على القضية الفلسطينية"، هكذا لخص ذلك الإعلامي الموقف مدعيًا أنه لا يعبِّر سوى عن شخصه، لكن الجميع يعلم أنه تعبير غير مباشر عن أطراف عربية عُرِض عليها ملف تمويل عملية إعادة الإعمار، وعليه لم يكن من باب الصدفة غياب قادتها عن قمة القاهرة التي توافق حضورها على ألَّا يتضمن بيانها الختامي أي بند عن نزع سلاح المقاومة.
تعلَم مؤسسات الحكم في مصر أن نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية التي تناضل من أجل تحرير الأرض وإقامة الدولة الفلسطينية، لن ينتج عنه فقط منح نتنياهو "النصر المطلق" الذي فشل في تحقيقه عبر ميادين القتال، بل سيؤدي إلى دفن القضية الفلسطينية إلى الأبد، وسيفضي أيضًا إلى انكشاف أمن مصر القومي وتهديد أمنها واستقرارها، لذا لم تقبل القاهرة بما قبلته أطراف عربية من ضغوط أمريكية إسرائيلية جعلتها تستبدل مقترح "نزع سلاح فصائل المقاومة" مقابل تمويل خطة الإعمار، بمخطط التهجير.
كان لافتًا أن يطالب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال كلمته بالقمة العربية الطارئة "جميع الدول الحرة والصديقة بالمساهمة في تأسيس صندوق لإعادة إعمار غزة"، معلنًا استضافة القاهرة مؤتمرًا الشهر المقبل لتحويل الخطة إلى أمر واقع، "لنجعل جميعًا من توجيه الدعم إلى الصندوق المزمع إنشاؤه لهذا الغرض غاية سامية، وواجبًا إنسانيًا، وحقًا لكل طفل فلسطيني، ولكل عائلة فلسطينية في العيش في بيئة آمنة حضارية مثل باقي شعوب العالم".
فُهم من دعوة الرئيس المصري إنشاء صندوق واستضافة مؤتمر دولي لإعادة الإعمار، أن بعض الأطراف العربية التي كان مفترضًا بها دعم الخطة المصرية وتمويلها، وضعت شروطًا لهذا التمويل، لم تجرؤ على إعلانها تحسبًا لرد الفعل الشعبي العربي، لكنها سربتها للإعلامي المصري البارز الذي زار إسرائيل وقابل ساستها، ثم عاد لمقر إقامته الدائم في عواصم الخليج، ليكشف الستار عما دار في قمة الرياض الأخوية.
بين صندوق "إعادة إعمار غزة" الذي دعت القاهرة لإنشائه، وصندوق تسهيل "خروج سكان القطاع إلى مجتمعات جديدة" الذي اقترحت تل أبيب وواشنطن على رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير المقرب من بعض حكام الخليج وضع خطة لتمويله، تتبدى إرادتان تتصارعان؛ الأولى تسعى للحفاظ على القضية الفلسطينية ونزع فتيل قنبلة موقوتة قد تقلب موازين الاستقرار بالمنطقة، والثانية تراهن على إخضاع الشرق الأوسط شعوبًا وأنظمة للهيمنة الأمريكية الإسرائيلية أيًا كانت النتائج والتداعيات.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.