تصميم أحمد بلال، المنصة، 2026
طرق ضبابية إلى 2030

ربما لا يريد الرئيس أن نصدقه

منشور الأربعاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

للسلطة مشروع جديد لا نعلم ملامحه. بدا مزدوجًا في خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم تخرج طلاب الأكاديمية العسكرية، في فقرته الأخيرة، حين ترك الرئيس الأوراق وارتجل قليلًا أو كثيرًا، لا نعلم. وإن كنا نتوقع، أن رجال السلطة وصحفييها وأجنحتها لا تعلم، مثلنا، ملامحَ مشروعه.

انقسم مقطع الخروج عن الأوراق في خطاب الرئيس لمحورين أساسيين، حَرِص على الربط بينهما باستدعاء سيرة يناير 2011، هذا الشبح الذي يُستدعى عادة كفزاعة، أو للمعايرة، حسب الظرف. في المحور الأول باعتبارها المتسبب في أزمة اقتصادية، فلم تجد مصر من يقف إلى جوارها سوى دول الخليج، وبالذات السعودية، ومن ثَمَّ لا بد أن نرد الجميل. وكأن الخليج دعم مصر ماليًا لجمال عينيها، وليس لمصالحه الإقليمية، ولإجهاض الثورة نفسها.

أما المحور الآخر المبرِّر لاستدعاء يناير فبدا وكأن السلطة الحالية، على الرغم من مرور ثلاثة عشر عامًا على سيطرة مكونها العسكري على الحكم، لا تزال ترى حكمها في موقع أقرب للاستثنائية. فيؤكد رأس الدولة من جديد على اكتشافه لصعوبة إدارة الدولة بعد يناير. لكن، ولأنه أدارها وأنقذها، فلن يسمح لأي عابث أو عابر أو قليل الخبرة بتولي إدارتها، ليقودها لخراب جديد، أو يعيدها لنقطة الخراب القديمة؛ يناير 2011. 

الاستبداد الأنيق

يبدو ظاهريًا من خطاب الرئيس امتلاكه تصورًا واضحًا للمسألتين. على المحور الأول: القوات المسلحة مستعدة، بناء على التوجيهات المنتظرة من القصر الملكي السعودي، للتدخل وحمايتهم والدفاع عن دولتهم. لدرجة أن يأمر بالتحية العسكرية للسعودية وبلدان الخليج. وعلى المحور الثاني: امتلاكه خريطةَ طريقٍ تنتهي بتخليه عن موقع الرئاسة بحلول 2030، تُعدّ فيها السلطة مرشحين محتملين داخل "معمل" الأكاديمية العسكرية لجعلهم مؤهلين لتولي المسؤولية.

حتى وإن بدت التصورات الرئاسية واضحة بخصوص المسألتين، "السعودية" و"مصر 2030"؛ فإنها تبقى ضبابية، وتفتقد للوضوح، على عكس ما تريد إيهامنا به. وعموميتها تلك، وحديثها عن تداول للسلطة، لا يعني أنها تستهدف تحطيم حلقة الاستبداد.

في جانبها العسكري المتعلق بالخليج تبدو بدائية. فالاشتباك في حرب بالجزيرة العربية إلى جانب السعودية ضد الحوثيين، أو إخراج الرياض من مأزقها، ليس سهلًا أو بسيطًا مثلما يُراد لنا أن نتصور وأن نصدق. والتفويض البرلماني الممنوح استبدادي، يختزل مسألة شديدة الأهمية والتأثير على الأمن القومي المصري ومستقبل البلاد في مجرد تفويض مبهم، شبيه بالتفويض القديم الكارثي في 2013.

المحور المؤجل، المتعلق بالحكم بحلول عام 2030، لا يقل أهمية وصعوبة. وهو الشق الذي يغلب عليه الارتجال الكامل. وربما يكون المقصود به "جس نبض" قوى وأطراف نجهلها. أو فتح الباب أمام عملية سياسية تستغرق السنوات الأربع القادمة، تجدد منظومة الاستبداد الحاكم نفسه، لتكتسب خلالها "شرعية انتقالية" جديدة، لن توجد إلا في خيالات السذج.

تتلخص هذه العملية السياسية المتخيلة، إن تحققت فعلًا، في بحث السلطة عن عشرات وربما المئات من الشباب الموالين، ليدخلوا طواعية المعمل العسكري، على أمل أن يخرجوا منه مؤهلين لإدارة الدولة والرئاسة، فيما يصدعوننا حتى الملل بعملية إعدادهم التاريخية والاستثنائية. وفي مشهد نهاية المسرحية، لا يكتمل هذا الإعداد مثلما أراد له الرئيس لسبب ما. ليس لغياب الصالحين، بل لأي ظروف ستطرأ خلال الأعوام القادمة، أو لأن هؤلاء الصالحين يحتاجون مزيدًا من الوقت لإعدادهم.

ستجد السلطة وقتها المظلة المناسبة لتعديل الدستور، المعدل والمنتهك يوميًا، ولاستمرار الرئيس؛ أن هذا البلد العظيم، هذه الدولة العريقة، لا يمكن تركهما لشخص لم نتأكد من صلاحيته الكاملة بعد. لكن حظنا الحسن أن الله منحنا شخصًا واحدًا قادرًا على إدارة وقيادة البلاد. وعليه أن يستجيب لرغبتنا الجماعية في الاستمرار لعدة أعوام إضافية حتى نجد البديل المناسب، الذي يحمل شهادة الدكتوراه التي لا يحملها الرئيس نفسه، ويشترطها على خلفائه.

الاستبداد الأنيق ملوثًا

المسألة الأكثر تعقيدًا من الارتجال، ومن محاولة الإيحاء ببدء عملية تبدو انتقالية، لن تكتمل إلا في حدود إكساب السلطة شرعية مبتكرة، عبر تعديل الدستور وانتهاكه من جديد، هو أن هذه العملية نفسها ولكي يكون لها معنى أو مردود، تحتاج لجمهور يصدقها. وهي تحديدًا المعادلة المنقوصة، تاريخيًا لا أحد يصدق السلطة في بلدنا، وهذه السلطة بالذات عصية على التصديق لأسباب أكثر من أن يمكن حصرها. والأهم، أن السلطة لا تريدنا أصلًا أن نصدقها.

منتدى مصر 2026، الذي عُقد بعد خطاب الرئيس مباشرة، روج له باعتباره مؤتمر الإنجازات التي تحققت، وسيخبرنا عن الخطط والمشاريع المستقبلية؛ خلا في الواقع من أي معلومة حقيقية ذات معنى. مجرد رغي/استرسال مقصود. لم يطرح أمام الشعب الغائب عن حضور جلساته، إنجازًا حقيقيًا واحدًا! لم يتحدثوا ولو عن تصور وحيد متماسك نسبيًا بخصوص السنوات المقبلة! لا نجد أمامنا سوى الظن بأن السلطة فاشلة، وتتباهى بفشلها وبقدرتها على الاستمرار في الحكم. بل إنها تمزح معنا؛ تبهرنا بدخلة صوت باسم يوسف أمام الرئيس، فيما تقوم بـ"مجزرة" معلنة ومخالفة للدستور في موقعي متصدقش ومدى مصر.

الشك الدائم في مزاعم السلطة ونواياها لا ينبع من أننا شعب جاحد، شكاك، ناكر للجميل. ولا ينبع من تراكم المصائب والإخفاقات المجتمعية والاقتصادية والسياسية المتراكمة منذ 13 سنة. ولكنه نابع من السلطة نفسها ومن ممارساتها التي لا تريد لنا أن نعرف وأن نصدق ما نعرفه.

تتلاعب بالمعلومات عن قصد. لا توفي بما تعد به عن قصد. وملامح الرئيس المتفاجئة بسماع صوت باسم يوسف آتيًا من سماعات داخل القاعة، ملقيًا بالسلام، لا تعني انتقالًا وانفتاحًا. فمقصود في تقديري أن تصاحبها محاكمة لينا عطا الله وموقع مدى مصر، وأن نعرف جميعًا كيف حدثت، وأن نرتعب من تفاصيلها، وأن نتردد من كتابة ولو كلمة حرية، أو معارضة، أو تدقيق معلومة واحدة.

لا أناقش هنا مسألة قبول باسم يوسف بالمشاركة التي أغضبت بعض المعارضين من محبيه. أكتفي بدلالة أن ظهوره تذكير بإحدى المفردات الكثيرة المستحيل حصرها، والموجودة داخل الحقيبة الثقيلة التي تحملها السلطة فوق ظهرها منذ 2013. حقيبة قمع واستبداد يزداد ثقلها كل يوم، بدلًا من أن تخففها قليلًا تمهيدًا لنقلها لأشخاص جدد كما يفترض.

هذه الأحمال نعرفها جميعًا، منذ ذلك اليوم الذي فُض فيه اعتصام رابعة بالطريقة التي حدث بها، وصولًا إلى حبس صحفيين لأنهم قاموا بعملهم المهني في كشف الأكاذيب، وملاحقة المتضامنين معهم، وإغلاق موقع كبير ومنتشر بعد محاكمة استغرقت ساعات قليلة. وبين اللحظتين آلاف الوقائع والضحايا. فلا يمكن لهذه السلطة أن تدير عملية انتقال أو تبادل سلمي وديمقراطي للحكم بعد كل ما حدث. إلا لو أجبرت على ذلك، وهو ما لم نرَ له إشارات أو دلائل.

كيف يمكن إذن تصديق أنهم سيتخلون عن السلطة فيما ممارساتهم تعني العكس؟ بل يصبح مقصودًا ألا نصدق، مجبرين على مشاهدة المسرحية لنهايتها، على أمل أن يصيبنا يأس أكبر فيما نراقب موت المجال العام وليس مجرد إغلاقه. ونراقب كيف تتحول كل الوعود بتداول السلطة لمجرد سيناريوهات لإعادة تلميع الاستبداد الملوث، وإكسابه شرعية جديدة ومبتكرة، شرعية الفشل في التخلي عن السلطة ونقلها، شرعية استمرارية الاستبداد لأن الأوضاع لا تسمح إلا به.

في يوم محاكمة لينا عطا الله وموقع مدى مصر لا بد أن سؤالًا محددًا راود أذهان البعض "هل تدرك السلطة مدى شهرة ومصداقية الموقع عند بعض الدوائر السياسية والبرلمانية الأوروبية، وعند لجنة حقوق الانسان في الأمم المتحدة؟"، "هل يدرك الرئيس العواقب والضوضاء المحتملة؟".

إنهم يدركون الأهم، أن السلطة الحالية أصبحت شريكًا أساسيًا لأوروبا على أرضية نفعية. وأن الدوائر الأوروبية المؤثرة مشغولة بقضاياها الملحة الكبرى؛ الصعود المخيف للفاشية، وحركات الاحتجاج والعنف الآخذة في الانتشار، والتحالف بين ترامب وبوتين، وغيرها. وهي نفسها تنتهك حقوق الإنسان أحيانًا.

تدرك السلطة أن ما تفعله لن يُحدث أزمات كبرى، سيمر، فحتى الأمم المتحدة أصبحت خرقة مهلهلة، والأعراف والقوانين الدولية فُرغت من مضمونها. وهنا، لا يتبقى لنا سوى عبارة ياسر عرفات الخالدة "يا وحدنا". عبارة مصحوبة في حالتنا ليس فقط بالحسرة، بل أيضًا بالخوف.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.