الطريق إلى 2030.. روشتة الخروج الآمن للوطن
"عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاستي للدولة، وهذا أمر محسوم تمامًا".. بهذه العبارة وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي حدًا للتكهنات بشأن بقائه في السلطة بعد انتهاء ولايته الحالية.
لم يكن التصريح مجرد تحديد لموعد انتهاء فترة رئاسية. فقد جاء مصحوبًا بتأكيد أن الدستور لن يُمس، وبإعلان خطة لإعداد كوادر قادرة على تولي مسؤوليات قيادية في الدولة، من خلال برنامج تدريبي يمتد 30 شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية.
وبين احتفاء البعض بإعلان الرئيس أنه سيغادر السلطة في الموعد المحدد، وتشكيك آخرين في إمكانية حدوث ذلك، نجد أنفسنا أمام مشهد يستحق التأمل: كيف أصبح الالتزام بموعد انتهاء الولاية الرئاسية خبرًا يستدعي الاحتفاء، أو وعدًا يستحق التشكيك، بينما يُفترض أن يكون الأمر محسومًا سلفًا بحكم الدستور؟ فاحترام مدد الرئاسة ليس منحة يقدمها الحاكم، ولا تعهدًا شخصيًا ينتظر المواطنون الوفاء به، وإنما قاعدة دستورية تنظم تداول السلطة وتضع حدودًا زمنية لشغل المنصب.
وحين يتحول الالتزام بهذه القاعدة إلى مناسبة للاحتفال، أو يصبح تنفيذها محل شك، فإن ذلك يكشف حجم الأزمة التي أصابت الثقة في استقرار القواعد الدستورية، وفي قدرتها على تنظيم انتقال السلطة بعيدًا عن إرادة الأشخاص.
ومع ذلك، وبغض النظر عن الأسباب والدوافع وراء هذا التصريح، فإن مغادرة رئيس مصري منصبه بانتهاء ولايته، في إطار دستوري مستقر، ودون أن يكون في القبر أو السجن أو قيد الإقامة الجبرية، ستكون سابقة مهمة في التاريخ المصري. لكن قيمة هذا التحول لن تتحدد فقط بحدوثه، بل أيضًا بمدى ترسيخ قاعدة تجعل تداول السلطة إجراءً دستوريًا طبيعيًا، لا استثناءً تاريخيًا يرتبط بشخص الرئيس أو بظروف رحيله.
فتداول السلطة، الآن ولاحقًا، لا ينبغي أن يتوقف على رغبة الحاكم في البقاء أو الرحيل، بل يجب أن تحكمه قواعد واضحة يعرفها الجميع، ويحترمها الجميع.
تدريب مرشحي الرئاسة
إعلان الرئيس السيسي عدم المساس بالدستور، ومغادرة منصبه في الموعد المقرر 2030، أعقبه إعلانه عن برنامج يمتد 30 شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية، يستهدف إعداد كوادر من حملة الدكتوراه، تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، لتأهيلهم لتحمل مسؤولية قيادة الدولة، على أن تتولى لجنة تضم رئيس مجلس النواب ووزيري العدل والتعليم العالي وشخصيات عامة وضع معايير الاختيار والإطار التشريعي المنظم للمبادرة.
ووفقًا للتصور المعلن، سيتيح البرنامج للمصريين الاختيار من بين مجموعة من الكوادر المؤهلة، مع إعفاء من أمضوا ست سنوات أو أكثر في العمل الحكومي من الالتحاق به.
هناك إشكالات كثيرة في هذه الفترة، أقلها أنه ليس دور رئيس الجمهورية اختيار من سيأتي بعده أو وضع معايير تحدد المرشحين المناسبين، فالمعايير موجودة في الدستور وقانون الانتخابات، والاختيار في يد الشعب.
الإشكال الأكبر في افتراض أن فهم الدولة، وإدراك معنى الوطن، والتمتع بالوطنية اللازمة لقيادة المصريين، أمور تحتاج إلى تأهيل تمنحه مؤسسة بعينها، بينما يُعفى من هذا التأهيل من أمضوا ست سنوات في الحكومة وفقًا لما أُعلن عن البرنامج.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في كفاءة من ستسند إليهم مسؤولية التدريب ولا بمن سيحصلون على الإعفاء، وإنما بالاعتراض على افتراض أن الانتماء إلى مؤسسة بعينها يمنح صاحبه -تلقائيًا- فهمًا أعمق لكيفية إدارة الدولة لا يتوافر بالضرورة لدى غيره من المصريين. فالوطنية ليست رتبة عسكرية، وفهم الدولة ليس امتيازًا حصريًا لمؤسسة، كما أن القدرة على إدارة شؤون البلاد لا تُقاس بمسار مهني واحد، مهما كانت أهميته.
في مصر ملايين من القضاة والأكاديميين والأطباء والمهندسين والاقتصاديين والدبلوماسيين والعمال والفلاحين، فضلًا عن أصحاب الخبرات السياسية والإدارية، ممن أسهموا في بناء الدولة وخدموا المجتمع من مواقع مختلفة. وليس من المنطقي افتراض أن هؤلاء يحتاجون إلى شهادة إضافية لإثبات فهمهم لمعنى الدولة، في حين يُعفى آخرون من البرنامج استنادًا إلى سنوات خدمتهم في دولاب العمل الحكومي فقط.
وتزداد حساسية المسألة عندما تكون المؤسسة العسكرية نفسها هي التي تتولى تدريب المرشحين المحتملين للرئاسة، بما يطرح سؤالًا عن حدود دورها في الحياة السياسية: هل يقتصر الأمر على نقل الخبرات الإدارية والانضباط المؤسسي، أم أن المؤسسة ستصبح أيضًا صاحبة دور في تحديد المعايير التي يُعدّ على أساسها من يصلح لقيادة الدولة؟
إن احترام المؤسسة العسكرية العريقة، والاعتراف بدورها في حماية الوطن، لا يستلزم منحها احتكارًا لتعريف الوطنية أو تحديد من يمتلك وحده أهلية فهم الدولة، بل إن احترام مؤسسات الدولة جميعًا يقتضي الإقرار بتنوع الخبرات الوطنية، وبأن حق المصريين في الترشح وتولي المسؤولية لا ينبغي أن يخضع لافتراض مسبق بأن فئة مهنية بعينها أكثر وطنية أو أقدر بطبيعتها على فهم كيفية إدارة الدولة من سائر المواطنين.
الاختبار الحقيقي
السنوات المتبقية حتى 2030 لا يجب أن تكون فترة انتظار لموعد مغادرة القصر الرئاسي، بل فرصة لاختبار قدرة المؤسسات السياسية والدستورية على تحويل التعهد إلى مسار واضح، وإتاحة المجال أمام منافسة حقيقية، وضمان أن يكون اختيار الرئيس التالي حقًا للمواطنين وفق قواعد معلومة.
يجب تحويل إعلان الرئيس إلى نقطة انطلاق لمرحلة سياسية جديدة، يتسع فيها المجال العام، وتُطلق الحريات العامة، وتُمنح الأحزاب السياسية فرصة حقيقية للعمل والتواصل مع المواطنين وطرح برامجها وأفكارها.
فالشخصيات القادرة على قيادة الدولة لا تُكتشف فقط عبر برامج التأهيل، وإنما تظهر أيضًا من خلال العمل السياسي المفتوح، والنقاش العام، والتنافس بين الرؤى والبدائل، وفتح المجال أمام الأحزاب لتقديم قياداتها وبرامجها سيخلق زخمًا سياسيًا يسمح للمصريين بالتعرف على شخصيات تمتلك الكفاءة والأفكار والقدرة على تقديم حلول لمشكلات البلاد، ويمنح الناخبين فرصة المفاضلة بين بدائل حقيقية.
فبدلًا من بدء البحث عن قيادات المستقبل من داخل برنامج مغلق، يمكن أن تبدأ عملية أوسع لإنتاج هذه القيادات من المجتمع نفسه، عبر حياة سياسية حيوية وتنافس حر، بما يجعل الاستعداد لعام 2030 فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والسياسة، وليس مجرد ترتيبات لاختيار من يتولى المسؤولية بعد انتهاء الولاية الرئاسية.
لا تشي إجراءات الأشهر الأخيرة بأن هناك تغيرًا في الإرادة السياسية أو نظرة الدولة للسياسة والمجتمع ومؤسساتهما المختلفة من أحزاب ونقابات وإعلام وغيرها، لكن الأمل أن يحدث ذلك سريعًا، خصوصًا أن الأحداث الحالية والقادمة في المنطقة تجعل المصريين جميعًا، المعارضين قبل المؤيدين، راغبين في ضمان أن تحدث أي عملية مستقبلية لانتقال الحكم بسلاسة وسلمية دون انفجارات أو اضطرابات لا تحتاجها مصر ولا تحتملها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.