تصميم أحمد بلال، المنصة
الرئيس عبد الفتاح السيسي

ما غاب عن خطابات "لا مساس بالدستور"

منشور الاثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026

ما إن تبدأ اللجنة التي كلفها الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضع برنامج لتأهيل الراغبين في خوض انتخابات الرئاسة، حتى تصطدم مهمتها بنصوص الدستور الذي حسم شروط الترشح لهذا المنصب. المعايير التي تحدث عنها الرئيس في كلمته خلال احتفالية تخريج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية، لا يمكن تحويلها إلى شروط للترشح في الانتخابات الرئاسية، إلا بتعديل نصوص عددٍ من مواد الدستور التي تنظم هذا الحق. 

وبينما جزم السيسي بأن الدستور "لن يُمس"، فإن اللجنة، التي تضم نخبًا قانونية وسياسية، لن تستطيع دسترة هذه الشروط وتحويلها إلى نصوص في قوانين الانتخاب دون الاصطدام بالنصوص الدستورية القائمة. 

المسألة كما جرى التسويق لها مؤخرًا ليست مجرد إعداد برنامج لتأهيل قيادات محتملة، بل فرض مسار جديد للوصول إلى منصب الرئاسة، بما يحويه ذلك من تعارض مع القواعد الدستورية المنظمة للانتخابات.

لكن ما يعني المصريين، بعد أن حسم الرئيس موقفه من تمديد ولايته بتأكيده أن الدستور "لن يُمس"، ليس مصير هذا المقترح، بل إعادة وضع قواعد المشهد السياسي بما يفتح الباب أمام انتخابات رئاسية تعددية وتنافسية حقيقية، تحقق الاستقرار الفعلي، وتبني نظامًا سياسيًا قادرًا على مواجهة التحديات والمؤامرات التي حذر منها الرئيس مرارًا في خطاباته الأخيرة.

حديث الخطر

في كلمته بالندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، أعاد السيسي التحذير من المؤامرات والحروب النفسية التي تستهدف مصر، مؤكدًا أن طبيعة التحديات لم تتغير، وأن خطر العبث بالذاكرة الوطنية والوعي العام لا يزال قائمًا، وصولًا إلى محاولة "إسقاط الدولة من الداخل".

التحذير من استهداف الوعي والدعوة إلى الثقة في المؤسسات ليسا جديدين في خطابات الرئيس؛ الجديد هو إعادة وضعهما في صدارة المشهد، باعتبارهما خطرًا مستمرًا حتى بعد الإعلان عن القضاء على الإرهاب.

وبما أن التشخيص لم يتغير طوال هذه السنوات، وفق تعبيره، فمن حق الرأي العام أن يسأل: ما الذي تحقق في مواجهة تلك المخاطر؟ وهل استمرارها دفع السلطة إلى مراجعة أدوات المواجهة أم إلى الإبقاء عليها؟

يقول الرئيس إن المصريين لم يعودوا يصدقون الدولة أو الإعلام أو الأعمال الدرامية، رابطًا ذلك بمحاولات رسم صورة مغايرة لحقيقة ما جرى في حرب أكتوبر، ثم يعمم الفكرة على أحداث أخرى، معتبرًا أن العبث بالذاكرة يتيح إعادة تشكيل وعي الناس بما يخدم من يريدون الإضرار بالدولة.

وهنا مربط الفرس؛ فعدم ثقة المواطن في الرواية الرسمية لا يثبت أنه ضحية مؤامرة؛ فقد تكون وراء هذه الحالة أسباب تتعلق بتجربته مع المؤسسات، أو في تناقض المعلومات الرسمية، أو ضعف الشفافية، أو اتساع الفجوة بين الخطاب الحكومي وما يعانيه في حياته اليومية.

استخدم الرئيس في خطاباته الأخيرة ضمير الغائب "هم"، متهمًا فاعلًا مستترًا بالعبث بالذاكرة وتغيير فهم الناس للحقيقة، وإضعاف الثقة في الدولة، وشن حرب نفسية عليها، وصولًا إلى تفجير الموقف في مصر. لكنه ترك للمتلقي مهمة تحديد هوية هذا الفاعل؛ أهي قوى خارجية أم جماعات سياسية داخلية أم حملات إلكترونية، أم مزيج من هذه الأطراف؟

لا خلاف على أن هناك جماعات وتيارات تناصب النظام العداء وتسعى إلى إسقاطه، كما أن هناك دولًا وأجهزة إقليمية ودولية تعمل على إضعاف مصر ومحاصرتها بالأزمات حماية لمصالحها ونفوذها. لكن وجود هذه المخاطر لا يعفي من ضرورة تحديد طبيعتها وتقديم الأدلة عليها، والتمييز بينها وبين الخلاف السياسي المشروع. كما أن تحميل المسؤولية لهذه الأطراف وحدها يظل تشخيصًا قاصرًا، ما لم يصاحبه اعتراف بأن إتاحة المعلومات، ونقد أداء الحكومات، ومراجعة سياساتها ومساءلتها، أدوات أساسية لحماية الوطن وضمان استقراره.

خطوة للأمام.. خطوتان للخلف

قد يكون نفي الرئيس وجود نية للمساس بالدستور بداية لمرحلة جديدة، إذا اقترن بخطوات تحصن الوطن فعلًا وتفتح المجال العام؛ فخلال الشهور الماضية، أعادت دعوات تعديل الدستور بما قد يتيح ترشح الرئيس مجددًا في انتخابات 2030 قضية تداول السلطة ومستقبل الحكم بعد انتهاء ولايته الأخيرة إلى صدارة النقاش.

ربط الرئيس الحديث عن الدستور بمحاولات للتأثير في الناس وإشاعة الاضطراب، ثم حسم موقفه بقوله "فيه دستور إحنا وافقنا عليه للدولة دي، محدش هيمسه"، ثم عاد ليؤكد "عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاستي للدولة وهذا أمر محسوم تمامًا".

التصريحات وحدها لا تصلح لوضع مسار يضمن مستقبل الدولة، كما أن فرض مسارٍ غير دستوري لفرض مرشحين بعينهم على الشعب المصري لن يقطع الطريق على من وصفهم الرئيس بـ"المغرضين والخونة والمجرمين".

حماية الدولة واستقرارها لا يتحققان إلا باحترام نصوص الدستور وتفعيلها وضمان الحقوق والحريات التي يكفلها، بما يسمح بمساءلة السلطة ومراقبة أدائها. فالدستور ليس وثيقة يُمنع المساس بها فحسب، بل إطار ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويحدد صلاحيات المؤسسات، ويضع قواعد المشاركة السياسية وتداول السلطة.

وإذا كانت التحذيرات التي وردت في خطابات الرئيس دعوة إلى حماية الدولة، فلا ينبغي أن تقتصر الاستجابة على مطالبة المواطنين بالعمل والصبر ومقاومة الشائعات؛ فهذه الأمور، حتى إن كانت مطلوبة، لا تكفي لبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة الأزمات.

لا يكفي أن يُطلب من المواطن حماية الدولة، بعد تغييبه عن معادلة الحكم وإخراجه من دائرة اتخاذ القرار. فالدستور يضمن له دورًا حقيقيًا في اختيار من يحكمه، ومن يمثل مصالحه في البرلمان والمجالس المحلية. والانتخابات الحرة والنزيهة ليست إجراءً لملء مقاعد مؤسسات الحكم، بل وسيلة سلمية لتجديد الشرعية وتغيير الحكومات والسياسات وتداول السلطة. وكلما شعر المواطن بأن صوته مؤثر، ازدادت فرص معالجة الخلافات عبر صناديق الاقتراع بدلًا من الاحتجاج والصدام.

الإصلاح من هنا

وإذا كان الرئيس يحذر من التضليل وتراجع ثقة المواطنين في الإعلام، فالحل ليس إضافة منصات لرئاسة الجمهورية والوزارات. فهذه المنصات قد تساعد في نشر المعلومات الرسمية، لكنها لا تحل محل الصحافة المستقلة التي يحتاجها المواطن للتحقق من المعلومات، والوصول إلى الوثائق، ومساءلة المسؤولين، وعرض مختلف وجهات النظر وكشف الأخطاء قبل تفاقمها.

فالصحافة التي تكتفي بالرواية الرسمية تفقد قدرتها على إقناع الجمهور، مهما امتلكت من إمكانات. أما الصحافة المستقلة القادرة على التحقيق والمراجعة، فهي جزء من الجهاز المناعي للدولة، لأنها تساعد المجتمع على التمييز بين المعلومة والشائعة، وبين النقد والتضليل.

وإذا كانت المشكلة أن المواطنين لم يعودوا يصدقون الدولة والإعلام، فإن الحل ليس مطالبتهم بالتصديق، بل إتاحة البيانات والوثائق، وتفسير القرارات الاقتصادية والسياسية، والإعلان عما تحقق وما لم يتحقق، وتسليط الضوء على مواطن الخلل وتقديم البدائل؛ ومن هنا تبرز ضرورة ضمان حرية تداول المعلومات، باعتبارها حقًا للمواطن وشرطًا لقيام صحافة تؤدي دورها.

كذلك، لا تستطيع الدولة مطالبة المجتمع بالمشاركة في حماية الاستقرار، بينما تظل قنوات المشاركة السياسية مسدودة أو محدودة الفاعلية. فالأحزاب القادرة على العمل دون ملاحقة، والمعارضة التي تنتقد الحكومة وتقدم بدائل، والنقابات المستقلة التي تؤدي دورها في دعم أعضائها، تتيح تحويل الخلافات إلى برامج تتضمن حلولًا وتزكي التنافس السلمي بين مختلف التوجهات، وتساعد على اختبار القرارات وتصحيح الأخطاء وتوسيع قاعدة المشاركة في المسؤولية.

ولا ينفصل تماسك الجبهة الداخلية عن شعور المواطنين بالعدالة وتكافؤ الفرص وقدرتهم على محاسبة المسؤولين. فحين تطبق القواعد على الجميع، ويكون تصحيح الأخطاء ممكنًا، ولا يُعفى المسؤول من المساءلة، تتعزز الثقة في المؤسسات؛ أما حين تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجارب الناس اليومية، فإن تكرار الحديث عن المؤامرات أو مطالبتهم بالصبر، خصوصًا في ظل الضجر من الأوضاع الاقتصادية وتدهور الأحوال المعيشية، ليس الوسيلة المثلى لكسب ثقتهم.

ثمة فارق بين استقرار ظاهري يُغيَّب فيه الاعتراض بينما تتراكم أسباب الغضب والتململ، واستقرار يقوم على قدرة المواطنين على التعبير عن ضجرهم وخلافاتهم وإدارتها سلميًا. الأول قد يخفي أزمات لا تجد طريقها إلى النقاش العام، أما الثاني فيتيح كشفها ومعالجتها مبكرًا.

الجبهة الداخلية لا تتماسك بمطالبة الناس بالاصطفاف، وإنما بشعورهم بأن الدولة تمثلهم، وأن لهم دورًا في إدارة شؤونها، وأن اختلافهم مع الحكومة لا يجعلهم موضع اتهام، وأن حماية الوطن لا تتعارض مع حقهم في اختيار من يحكمهم ومحاسبته.

إذا كان الرئيس يحذِّر من استهداف الدولة ومحاولات إضعافها وإسقاطها، فعلينا البحث عما يجعلها قوية من الداخل، قادرة على تجديد شرعيتها، ومتماسكة بمؤسسات مستقرة، لا بوجود شخص أو مؤسسة واحدة أو حتى مجموعة من المؤسسات.

إن حسم الرئيس موقفه من تعديل الدستور، وما أعلنه بشأن إعداد برنامج لتأهيل مرشحي الرئاسة، ينبغي أن يكونا مدخلًا لفتح المجال العام، لا بديلًا عنه. فالمطلوب إتاحة المجال للأحزاب والقوى المعارضة لمناقشة سياسات السلطة وتفنيد خطابها وتقديم بدائل حقيقية، تسمح للمواطنين بالاختيار بين مختلف البرامج والقيادات، وتمهد لمرحلة ما بعد الرئيس. ولن يتحقق ذلك دون صحافة حرة تنقل المعلومات وتنشر الأخبار والتحليلات ومختلف الآراء، وبرلمان يعبر بحق عن تنوع المجتمع المصري وتوجهاته.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.