انتخابات رئاسة 2030.. ما الضمانات؟
آثرتُ التمهل في تقييم إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي أنه لا مساس بالدستور، وتأكيده انتهاء فترة حكمه في صيف 2030، وذلك بناءً على تجربة طويلة من العمل الصحفي وكذلك خبرة التعامل مع النظام الحالي منذ يونيو/حزيران 2014.
أن يكون لدينا رئيس منتخب يلتزم بالدستور ولا يسعى لتمديد بقائه في المنصب كان أحد الطموحات الرئيسية التي لم تتحقق في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 ضد الرئيس الراحل حسني مبارك الذي حقق رقمًا قياسيًّا باستمراره في الحكم ثلاثين عامًا كاملة أدت إلى الوصول لدرجة التفكير بجدية في توريث الحكم لنجله رغم أنف الجميع.
وكما توقعت "يا فرحة ما تمت"، أعقب الرئيس إعلانَه باقتراح إعداد برنامج لمرشحين محتملين لخوض انتخابات رئاسة 2030 بعد الانتهاء من دورة تدريبية مدتها ثلاثون شهرًا في الأكاديمية العسكرية؛ وذلك لضمان ألا يتولى مسؤولية قيادة الدولة "مغرض أو خائن أو مجرم". ربما يتفق ذلك أكثر مع دولة اعتادت منذ ثورة 1952، ومنذ زمن الفراعنة قبل آلاف السنين، ألا يرحل رئيسها في ظروف طبيعية.
اقتراح لا شرط
أعيش كالغالبية في زمن الريلز والمقتطفات التي تُبث عبر السوشيال ميديا للأحداث التي تشغل الرأي العام، مع الاكتفاء بهذه المصادر على اعتبار أن الغابة المعلوماتية باتت مزدحمة بما تود متابعته والتعرف عليه، بالتالي لا وقت لمشاهدة خطابات أو برامج كاملة تمتد لساعات. لذا انتابني غم ثقيل بعد أن صدقت أن خريجي البرنامج الرئاسي فقط سيحق لهم الترشح في انتخابات 2030.
لكنني قررت العودة إلى العمل الصحفي التقليدي بمشاهدة خطاب الرئيس السيسي كاملًا يوم السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول في حفل تخرج دفعات جديدة من الكليات العسكرية، الذي تضمن موقفين مهمين؛ الأول خاص بترتيبات الوضع الداخلي وانتخابات الرئاسة في عام 2030، والثاني المتعلق بالحرب المشتعلة في اليمن والقرار المتوقع لتقديم مصر ما تطلبه المملكة السعودية من مساعدات عسكرية دفاعية لمواجهة صواريخ ومسيرات الحوثيين، التي أصابت العديد من الأهداف وألحقت خسائر فادحة بمطارات المملكة ومنشآتها النفطية.
في السوشيال ميديا، كانت أغلب التعليقات تسير في سياق أن الرئيس قرر قصر الترشح في انتخابات 2030 على من يمرون بدورة التدريب غير المسبوقة في الأكاديمية العسكرية، وهو بوضوح إجراء غير دستوري ولا يمكن الدفاع عنه أو تصور تقنينه، رغم كل ما تتمتع به الدولة من صلاحيات واسعة.
لذا سعدت حينما وجدت ضمن تصريحات الرئيس عند الحديث عن هذا المقترح قوله "احنا مش هنمنع حد"، لكن الهدف أن يكون لدى مصر كادر من المتخصصين في إدارة الدولة يتلقون تدريبهم في الأكاديمية العسكرية، مع الوضع في الاعتبار ضرورة أن يكونوا جميعًا قد حصلوا على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعات مصرية أو أجنبية، وأن تتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين. وأضاف الرئيس أنه حتى لو لم يترشح كل من يتلقون هذه الدورة التدريبية للرئاسة، فإنه سيكون من الممكن الاستفادة منهم لتولي مناصب أخرى في الدولة.
ليس هناك مجال للشك بأن الرئيس السيسي مقتنع بأن من يشغلون المناصب العامة، سواء قضاة أو أئمة مساجد أو مدرسين، يحتاجون للمرور بالدورات التدريبية في الأكاديمية العسكرية لشحذ الهمم وترسيخ الانتماء للوطن، وليس بالضرورة للحصول على المزيد من المؤهلات الأكاديمية التي توفرها بكل تأكيد الجامعات المدنية بما لها من تاريخ طويل في دراسات إدارة الدولة والحوكمة. لذلك لم أستغرب اقتراح الرئيس أن تمتد هذه الدورات لتشمل كذلك من يرغبون في الترشح للرئاسة بعد المرور باختبارات تمهيدية.
مطالب للسلطة ومهام للمعارضة
من المهم أن نمسك بتلابيب تصريح "احنا مش هنمنع حد"، حتى لو كانت هناك نية واضحة من مؤسسة الدولة أن تهندس شكل الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2030، خاصة مع اقتراح الرئيس في التصريحات نفسها بحفل تخريج الدفعات العسكرية تشكيل لجنة من رئيس مجلس النواب ووزراء وشخصيات عامة لصياغة إطار تشريعي وقانون ينظم عملية الاختيار والترشح. كما لا يمكن تجاهل تعمد الإشارة إلى المادة التي قال إنه اقترحها شخصيًا في تعديل الدستور عام 2019، التي تلزم المؤسسة العسكرية بحماية الدولة ومؤسساتها والمسار الديمقراطي.
خبرة التعامل مع الدولة والرئيس السيسي على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، وكذلك كل ما تمر به منطقتنا على مدى السنوات الثلاث الأخيرة من تقلبات وتغيرات تهدد بإعادة تشكيل الأوضاع برمتها، قد تفيد في إدراك أن ما أعلنه الرئيس في 17 أكتوبر ومقترحه بخصوص تدريب مرشحي الرئاسة قد لا يتحقق بالصيغة نفسها بالضرورة، خاصة وأنه لا تزال تفصلنا نحو أربع سنوات كاملة قبل الانتهاء الرسمي لفترة الرئيس الحالية. بالتالي لا يمكن استبعاد وقوع أحداث أو تطورات جديدة قد تؤدي إلى تغير خريطة الطريق المقترحة برمتها، وتقديم مقترحات جديدة تختلف تمامًا عما أعلنه الرئيس.
ولكن ما يجب المطالبة به من المتمسكين بطموح الالتزام بالدستور وحق المصريين في انتخاب رئيس يلتزم بما ورد فيه بشأن مدة البقاء في الحكم وتداول السلطة، هو أنه طالما فتح باب النقاش بشأن انتخابات رئاسة 2030 وتعهد الرئيس بـ"احنا مش هنستبعد حد"، فمن الضروري تهيئة الأجواء لهذه الانتخابات عبر فتح المجال العام والسماح للأحزاب السياسية ومن يرون أنهم مؤهلون لخوض هذه المنافسة من الشخصيات العامة بتقديم برامجهم ورؤاهم للمصريين.
لن يتحقق ذلك بالطبع من دون رفع القيود المفروضة على وسائل الإعلام، والسماح بفتح النقاش الحقيقي حول أولويات ومطالب المصريين، والتوقف عن التعامل مع وسائل الإعلام باعتبارها أذرع الحكم للحديث عن إنجازاته ودعم وجهة نظر النظام وفقط.
لن يتمكن الناشطون في المجال العام الراغبون في الترشح للرئاسة أو لأي مناصب عامة من الإقدام على هذه الخطوة مع سيادة شعور دائم بالخوف من التعرض لتجربة السجن بتهم مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها والعلم بأغراضها ونشر أخبار كاذبة، أو دون الإفراج على العشرات من المحبوسين حاليًا على ذمة قضايا نشر وتعبير عن الرأي، والقائمة طويلة ويعرفها الجميع.
في انتخابات 2018، لم تحتج أجهزة الدولة لإطار تشريعي من أجل جلب المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق من الإمارات ووضعه قيد الإقامة الجبرية لمنعه من الترشح، أو لمنع رئيس الأركان الأسبق سامي عنان من خوض الانتخابات بل ومحاكمته وحبسه. وفي 2023 كان هناك فيتو واضح على ترشح أحمد طنطاوي لخوض انتخابات الرئاسة وانتهى الأمر بحبسه عامًا بعد إدانته بتزوير توكيلات الترشح التي ينص عليها القانون.
بالتالي لا يمكن أن يتوقع سوى ساذج تخلي الدولة ذات اليد الثقيلة عن السعي لترتيب إجراءات الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع الوضع في الاعتبار أن تصريحات الرئيس جاءت بمثابة المفاجأة للمعارضين أنفسهم، الذين كانوا يتأهبون لخوض معركة رفض تعديل الدستور ومنح الرئيس السيسي فترةً إضافيةً كما كان يظن الجميع.
بينما يبقى النقاش متواصلًا حول المبررات التي دفعت الرئيس لفتح هذا الملف الآن، وقبل الانتخابات المقبلة بفترة طويلة نسبيًّا، فإن ما يهم أحزاب المعارضة التي تعرضت للتجريف والتجفيف على مدى السنوات الماضية أن تستغل هذه الفرصة للتأكيد على ترحيبها بما أكده الرئيس من أنه "لا مساس بالدستور"، مع التأكيد على أن ذلك الالتزام يجب أن يشمل كلَّ مواد الدستور، بما في ذلك التي تضمن حرية الرأي والتعبير والتنظيم والعمل الحزبي وإجراء انتخابات المحليات وحرية وسائل الإعلام.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.