تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
كان جمال عبد الناصر أفضل تجسيد ملموس لازدواجية النخب السياسية والثقافية

لماذا فشلت مصر بجمال عبد الناصر.. ولماذا تواصل فشلها بدونه؟

منشور الاثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026

في كتابه بعنوان Egypt الصادر قبل تسع سنوات عشية انتخابات الرئاسة 2018، توقع الأكاديمي روبرت سبرنجبورج المتخصص في الشأن العربي ثلاثة سيناريوهات لمستقبل مصر: الأول متفائل تجاوزه الزمن، الثاني كان متصلًا بترشح الفريق سامي عنان أو الفريق أحمد شفيق وانفتاح كليهما على التحالف مع إصلاحيين مدنيين من داخل مؤسسات الدولة -ربما من نمط محارب الفساد المستشار هشام جنينة- مما يوارب الباب أمام تركيز الجهد على إعادة اللحمة للمجتمع المصري المستنزف في صراعات ذات طابع هوياتي علماني/إسلامي وتوتر مدني/عسكري، ومن ثم إطلاق إصلاح اقتصادي جاد.

السيناريو الثالث لا يستبعد مسارات ذات طابع تفكيكي مشابهة لما جرى في سوريا وليبيا واليمن، وذلك نتيجة تفاقم الفشل الاقتصادي وتفشي الفقر وتعاظم القمع وتحلل مؤسسات وأجهزة الدولة بالفساد، ومن ثم حدوث انفجار شعبي للجوعى البائسين ينعش عوامل التفكيك الكامنة في نسيج المجتمع المصري على مدى قرون من الزمان.

رغم أن الرئيس عبد الفتاح السيسي -على الأرجح- يختلف مع سبرنجبورج في قضايا عديدة، فإنه دأب قبل سنوات من صدور الكتاب على تحذير المصريين من السيناريو الأخير! بينما رجح المؤلف، ربما، ذات المصير حين اختار للكتاب غلافًا يحمل وجه نفرتيتي الجميلة ممزقًا.

للأسف؛ فشل مصر مزمن. رغم صخب استدعاء كل مسؤول فاشل لأمجاد الحضارة الفرعونية من أجل مداعبة أحلام اليقظة، فإن ذلك العصر انتهى قبل نحو ثلاثة قرون من الميلاد. لكن من ناحية أخرى، ينقل لنا صبحي وحيدة في كتابه "في أصول المسألة المصرية" أن آمون كان يُعبد في اليونان وإيزيس في روما.

غيبوبة في الكهف المملوكي العثماني

بعد فاصل زمني ممتد من التحولات الفرعونية للبطلمية ثم القبطية جاء الفتح العربي لتصير لغة الفاتحين هي لغة المصريين. لم تتخل شعوب أخرى دخلت الإسلام عن لغتها؛ كالإيرانيين (الفرس) والأتراك (العثمانيين) والأكراد والأمازيغ، وكذلك الشعوب والقبائل الآسيوية والإفريقية التي أسلمت. خلال ذلك يقول وحيدة إن حُكم مصر كان ينتقل من اليد التي تضعف إلى اليد القوية، "فسَلَّمَه العرب إلى المغاربة، والمغاربة إلى الأكراد، والأكراد إلى المماليك، والمماليك إلى بني عثمان".

من المفيد أن يتأمل المهمومون المعاصرون بخرافة "نقاء العرق المصري" حقيقة أن مصر تعرضت "منذ نهاية العصر الفرعوني إلى ثلاث هجرات ضخمة: الإغريقية والعربية والمغولية بمشتقاتها الكردية والشركسية والتركية". ربما يفسر هذا الأمر شيوع وصفها بـ"أم الدنيا".

جغرافيًا؛ تقع مصر في إفريقيا، لكن الكاتب أنور الهواري يقول في مقاله اليومي بجريدة المصري اليوم إن "الموروث الآسيوي هو الغالب على تكوين الروح المصرية في أعماقها البعيدة "منذ زوال الحكم العربي عام 1171، الذي تلاه حقبة امتدت نحو ثمانية قرون من الحكم الآسيوي". خلال حكم العثمانيين الذي بدأ بغزوها في عام 1517 ودام نحو ثلاثة قرون "سادت في مصر اللغة التركية، لا العربية"، يقول وحيدة.

في كتابهما "لماذا تفشل الأمم؟ أصول السلطة والازدهار والفقر" يلاحظ المؤلفان دارن أسيموجلو وجيمس روبنسون كيف كان العثمانيون يعتصرون اقتصاديات البلاد التي غزوها، حتى إنَّ الضرائب التي فرضوها كانت تتراوح بين نصف وثلثي المحاصيل الزراعية.

قبل ثلاثة قرون من الغزو العثماني لمصر، اضطر ملك بريطانيا للتخلي عن سلطته المنفردة في فرض الضرائب، وقَبِل المبدأ الذي سيُعرف لاحقًا بـ"لا ضرائب دون تمثيل"، بعد اندلاع ثورة البرلمان الإنجليزي. سيعود الأمريكيون لتبني المطلب ذاته في مواجهة الاحتلال البريطاني، ويمتنعون عن دفع الضرائب طالما أنهم غير ممثلين في البرلمان، ويطلقون حرب الاستقلال في القرن الثامن عشر، بينما كانت رقاب المصريين ما تزال في قبضة العثمانيين. 

خَنْقُ العثمانيين لمصر لم يقتصر على اعتصار ثمار عمل أبنائها والقمع الوحشي، بما في ذلك التمثيل بجثث النساء والرجال، بل انطوى على ما هو أخطر تأثيرًا على مستقبل مصر "الصناعية"، وذلك بسلبها آلاف العمال المهرة من أرباب الحرف والصناعات، ونقلهم قسرًا إلى القسطنطينية/ إسطنبول.

في القرن نفسه، كانت أوروبا تتهيأ لاستكشاف دروبها نحو ما سيعرف لاحقًا بالثورة الصناعية، فيشرع الصناع المهرة في بريطانيا لانتزاع ما سيعرف لاحقًا بحق تسجيل "براءة الاختراع" في 1624، بعد كفاح بدأه صانع أول ماكينة نسيج عام 1589، ليبدأ تدريجيًا تحول الأموال من الزراعة إلى الاستثمار في الصناعات الواعدة، وبدء صعود رواد الأعمال ورجال الصناعة.

اخترع جوتنبرج المطبعة في ألمانيا قرب العام 1445 وانتشرت منها لأوروبا الغربية، ثم دخلت أوروبا الشرقية في 1473. يقول أسيموجلو وروبنسون إن الإمبراطورية العثمانية ظلت تحظر دخول المطبعة إليها نحو 300 عام حتى 1727، حين سمحت لمطبعة واحدة فقط بالعمل ولكن تحت رقابة مشددة، حتى إنها اضطرت لوقف نشاطها بعد أن طبعت 17 كتابًا فقط في 14 عامًا. بينما انتظرت مصر "العثمانية" 70 سنة إضافية حتى تستقبل أول ماكينة طباعة مع حملة نابليون 1798. احتلال مصر لم يبدأ مع نابليون وبريطانيا.

نشأ المجتمع البشري كغابة، ومارست مختلف الجماعات البشرية الغزو والاحتلال واستعباد البشر، ومازالت. حروب الإبادة لم تبدأ بغزة عام 2023. بقدر ما ينجح العالم المعاصر في محاصرة جذور "مجتمع الغابة" واستئصالها وتعزيز روافد التمدين الإنساني فيه بقدر ما يتجاوز جذوره التأسيسية الأولى. 

إنها عملية تطورية بطيئة للغاية لا تخلو من انتكاسات، وأحيانًا انتكاسات فظيعة، ولكن عجلة التاريخ تسير للأمام ببطء. لكنها لا تجري بالتساوي، فالعالم ليس أواني مستطرقة. والمجتمعات التي سقطت في كهوف ظلامية لعدة قرون (مثل مصر) تحتاج إلى بذل جهود رشيدة (ضع عشرة خطوط تحت كلمة رشيدة) أعظم من جهود المجتمعات المتقدمة الحالية، من أجل خلق شروط أفضل لحياة أبنائها وبناتها. كل جماعة بشرية (مجتمعًا أو شعبًا أو دولة) تساهم سلبًا وإيجابًا في تخلف أو تقدم هذه المسيرة.

للأسف؛ مساهمة مصر في تقدم الإنسانية توقفت قبل عدة قرون من الميلاد، حتى إنَّ بروز لاعب كرة قدمٍ مصري في نادٍ أوروبي أو حتى تركي صار مناسبة استثنائية للفخر القومي في القرن 21.

مصر تخرج من الكهف

عندما أتيح للمصريين بعد عدة قرون من حرمانهم من حكم أنفسهم بأنفسهم، ومن حتى البت فيمن يحكمهم من غير المصريين الذين تعاقبوا على انتزاع الحكم بالسيف فيما بينهم، لم يجد المصريون مصريًا واحدًا مؤهلًا لذلك، فاختارت نخبتهم بقيادة الشيخ عمر مكرم في بداية القرن التاسع عشر ضابطًا ألبانيا في الجيش العثماني، لا يجيد العربية، حاكمًا على مصر، الذي أسس لاحقًا أسرة محمد علي، والتي ظلت تحكم مصر نحو قرن ونصف حتى عام 1952.

تخللت تلك الفترة مشاركة المصريين في حكم أنفسهم بعد أول وآخر ثورة شعبية مظفرة عام 1919 في مواجهة الاحتلال البريطاني وأسرة محمد علي.

عندما بدأ المصريون يخرجون من منامتهم التي استطالت نحو ثمانية قرون في الكهف المملوكي العثماني، ويستيقظون في أواخر القرن الثامن عشر على صدمة كَم تطور العالم، وخاصة شمال البحر الأبيض المتوسط، بدأ يدوّي سؤالهم التاريخي: "لماذا تخلفنا ولماذا تقدموا؟". لكنهم تعاملوا بروح إيجابية إلى حد كبير، تركز كل طاقتها على التعلم ومسابقة الزمن، وذلك بريادة مفكرين عظماء مثل رفاعة رافع الطهطاوي والشيخ محمد عبده وآخرين.

يروي لنا لويس عوض في كتابه تاريخ الفكر المصري الحديث كيف كانت تجمع ندوات ثقافية وسياسية في سبعينيات القرن التاسع عشر بين أزهريين وأقباط ويهود مصريين ورفاق أحمد عرابي من العسكريين. من مفارقات الزمن البائس؛ أن ذلك النمط من الحرية والتفاعل المجتمعي الخلاق لن يكون متاحًا للمصريين بعد نحو قرن ونصف.

لكن صدمة الاحتلال البريطاني ستتسبب في انتكاسة هائلة.

في مواجهته برز تياران رئيسيان. الأول ذو طابع إصلاحي تنموي تراكمي؛ يدرك أن مشكلة مصر أكثر تعقيدًا من احتلال أجنبي، وأن الاحتلال البريطاني ليس الاحتلال الأول، بل هو إحدى ثمار تخلف مزمن خلقت شروطه المادية احتلالات أخرى امتدت قرونًا، وأن مصر تحتاج لكي تتحرر من الاحتلال الأخير ورواسب الاحتلالات السابقة -وتجنب احتلال أجنبي جديد، مثلما سيحدث لاحقًا في 1967- أن تؤسس الركائز المادية والمعنوية للاستقلال؛ وأن تنمي كل عناصر قوتها الذاتية كشعب، كي تصير رقمًا صلبًا يؤخذ بعين الاعتبار في عالم لا يرحم.

كان ذلك يعني أن تحرِّر عقول أبنائها وتطور مستوى تعليمهم المهني والعلمي، وأن تبني ركائز اقتصاد وطني في الزراعة والصناعة، وأن تشيِّد مؤسسات وطنية مستقلة في كل المجالات، بما في ذلك مجالات التشريع والقضاء والمال/البنوك والجامعات والفنون والإعلام والجمعيات الأهلية. وأن تسعى في الوقت نفسه إلى حشد أكبر تضامن دولي ممكن مع قضية استقلالها، وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة، بل وداخل دولة الاحتلال ذاتها. 

أبرز رموز ذلك التيار كانوا سعد زغلول ومصطفى النحاس (وحزب الوفد) وطلعت حرب. ومن المفكرين: الشيخ محمد عبده وأحمد لطفي السيد وطه حسين وعباس محمود العقاد، ومن الأدباء توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ومفكرين آخرين لن تفلح مصر لاحقًا في تنشئة أمثالهم.

ثورة 1919 ودستور عام 1923 كانا ذروة الحشد والتعبئة والإنجاز والنجاح لهذا التيار. كانت استراتيجيته تراهن على العمل التراكمي وبناء مرتكزات القوة المادية والمؤسسية والشعبية. استراتيجية أشبه نوعًا ما بالاستراتيجية التي اتبعها لاحقًا المهاتما غاندي في الهند، وواصلها بعده جواهر لال نهرو، حتى صارت الهند اليوم ضمن أكبر ستة اقتصاديات في العالم بمعيار القوة الشرائية، بينما تتصدر مصر قائمة الدول المتسولة في العالم.

في عام 1938 نشر طه حسين كتابه الأيقوني مستقبل الثقافة في مصر. كانت رؤية مستقبلية لرجل دولة يستشرف من خلالها أفق الدولة المصرية ودورها الإقليمي العربي انطلاقًا من تطوير مجالي الثقافة والتعليم، بما في ذلك التعليم الأزهري. حينذاك؛ كانت رؤية عبقرية سابقة لعصرها. بعد نحو 90 سنة من نشرها تبدو الآن الفجوة هائلة وبلا قاع بين بصيرة المفكر الضرير وبين واقع التعليم الحالي في مصر ومكانتها المعنوية والسياسية في العالم العربي.

سبق للشاعر السوري نزار قباني أن خاطب طه حسين "ارمِ نظارتيك ما أنت بأعمى". المعاصرون هم الذين لا يبصرون!

في عام 1950 استيقظ المثقفون والسياسيون المصريون على كتاب صبحي وحيدة، الذي ينوه فيه إلى أن جوهر النقص في المجتمع المصري هو "فقر الدم في أوصاله، وأن تنقيته وتغذيته وإنعاشه هي مهمة تقع في دائرة النشاط الاقتصادي. لذا يجب حشد قواتنا في هذا الميدان وإحاطته بكل ضمان فني ممكن، وتغليب المصالح الأساسية البعيدة على المصالح الثانوية القريبة، وحاجتنا أيضًا إلى توجيهه توجيهًا عصريًا، أي صناعيًا، كيما نضمن لأنفسنا عدم التخلف عن موكب الحضارة الحديثة، وهي حضارة صناعية لا شك فيها".

ويضيف أن هذا يتطلب "اشتراك العقلية الصناعية في الحكم أو توجيه السياسة العامة توجيهًا صناعيًا" ... "مستعينين في ذلك دون خجل أو تردد بكل ما نستطيع أن نغترفه من خبرة الغرب".

رغم أن وحيدة كان ليبراليًا وأمينًا عامًا لاتحاد الصناعات، فإن ما توصل إليه في كتابه، كما يقول المفكر الماركسي أنور عبد الملك، كان "يتفق مع القطاع التقدمي للحركة الوطنية المصرية"، حتى إنَّ الزعيم الشيوعي المعروف حينذاك شهدي عطية، الذي سيعذبه عبد الناصر لاحقًا حتى الموت، طلب من عبد الملك أن يلتقي وحيدة ويتحاور معه. يقول عبد الملك في تقديمه لطبعة جديدة من الكتاب عام 2014 إن الكتاب وزع 80 ألف نسخة في أوائل خمسينيات القرن الماضي! 

مصر تبحث عن "هتلرها"

التيار الرئيسي الثاني في المجتمع المصري كان أيضًا ضد الاحتلال البريطاني، لكنه كان أكثر راديكالية، كما كان يستلهم نظمًا استبدادية للحكم. إذ كان يميل إلى التعامل مع الاحتلال البريطاني باعتباره جوهر الأزمة لا إحدى نتائجها، وإلى أن التحرر من الاحتلال وبأي ثمن هو الأولوية الرئيسية. بل هو "الحل" لتأتي بعده أي أهداف أخرى. 

تحت هذه المظلة اندرجت عدة جماعات سياسية، على رأسها جماعة مصر الفتاة (أسسها أحمد حسين عام 1933) وتنظيم الضباط الأحرار. ثم تنظيمات أخرى تتبنى إلى جانب الاستقلال الوطني أولويات إضافية ذات دوافع أيديولوجية مختلفة، كجماعة الإخوان المسلمين وعدة تنظيمات شيوعية.

مارست مصر الفتاة تأثيرًا كبيرًا على فكر الضباط الأحرار السياسي مبكرًا قبل أن ينشئوا تنظيمهم الخاص. فقد التحق بها جمال عبد الناصر في شبابه وهو مازال طالبًا، ولاحقًا أنور السادات وضباط عسكريون آخرون، قبل أن تغير اسمها في أواخر الأربعينيات إلى الحزب الاشتراكي.

كانت علاقة الضباط الأحرار وثيقة بجماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الشيوعية، وكانوا يُجرون مشاورات خاصة معها في الأحداث الكبرى -التي شارك في بعضها جمال عبد الناصر- فضلًا عن جمع أعضاء بارزين بين عضويتهم في الضباط الأحرار وعضويتهم في بعض هذه التنظيمات، والتي كانت على علم مسبق بموعد انقلاب يوليو 1952. وجدير بالذكر؛ أن أزهريين كانوا أعضاءً وقيادات في تنظيمات شيوعية. كان المجتمع المصري حينذاك يتمتع بحيوية سياسية وفكرية وثقافية لن تستمر طويلًا، للأسف.

لأسباب تتصل برؤى خاصة بتاريخ مصر أو بالإسلام أو بالعقائد الأيديولوجية المتبناة؛ هيمنت مشاعر ملتهبة مفعمة بالإهانة والنقمة على عقول وقلوب هذا التيار بروافده المتعددة، الأمر الذي أدى بعناصر تنتمي لأغلبية هذه الجماعات لتبني نهج الاغتيالات السياسية، كما مهد لتأثر بعضها أيديولوجيًا وسياسيًا ووجدانيًا وحركيًا بالتيار الفاشي الذي صعد في ألمانيا وإيطاليا في ثلاثينيات القرن الماضي بزعامة أدولف هتلر وبنيتو موسوليني. 

فأسست مصر الفتاة تنظيم القمصان الخضر تشبهًا بالقمصان السوداء في إيطاليا والبُنيَّة في ألمانيا، وزار أحمد حسين ألمانيا النازية وكان يعتبر موسوليني مثله الأعلى. كما تشكلت جماعة القمصان الزرقاء على هامش حزب الوفد. بينما أدى اضطراب موقف الاتحاد السوفيتي بين التفاهم مع ألمانيا أو الانضمام لتحالف بريطانيا وأمريكا ضدها إلى تذبذب في مواقف بعض المتعاطفين مع الشيوعية. 

كان لخطاب هتلر وأجهزة إعلامه المحرض على كراهية اليهود، الذي يتقرب فيه للإسلام والمسلمين، صدى إيجابي في بعض أوساط الإخوان المسلمين وقطاعات عريضة من الشعوب العربية، خاصة أن بعض هذه الشعوب كان يخضع في زمن الحرب العالمية الثانية لاحتلال بريطانيا وفرنسا، باستثناء ليبيا التي كانت تحتلها إيطاليا. بينما كان التيار الإصلاحي التنموي في أوساط الحكم والسياسة والاقتصاد والفكر في مصر يقف ضد الفاشية، بل إن المفكر عباس العقاد هرب للسودان في أربعينيات القرن الماضي خشية على حياته بسبب مواقفه المنشورة، وبينها كتاب نقدي عن هتلر.

كان للتيارين مشروعان مختلفان جذريًا فيما يتعلق بمستقبل مصر بعد اكتمال استقلالها. التيار الأول يحلم بنظام ديمقراطي تنموي أقرب للنمط الأوروبي، بينما يحلم الثاني بنظام شمولي توليتاري بقيادة حزب واحد، قد يكون نازيًا أو ستالينيًا أو إسلاميًا، مع هيمنة على المجتمع والاقتصاد والثقافة والإعلام. كان التيار الأول يسعى لإصلاح نظام الحكم وتعزيزه، بينما كان التيار الاستبدادي "مدفوعًا برؤية فاشية" وفقا لشريف يونس في كتابه الزحف المقدس: مظاهرات التنحي وتشكل عبادة ناصر.

سيتبين لاحقًا، بعد 1952 أن من لهم رأي مختلف بين الضباط الأحرار كانوا أقلية لا وزن لها، وسيجري تهميشهم بسهولة مذهلة في سياق الصراع الضاري بين العسكريين.

لم يكن الخلاف بين هذين التيارين الرئيسيين في مصر حول الموقف من الغرب، بل حول أي غرب يفضلان؟ غرب "الديمقراطية والحداثة والتنوير" المتمثل في بريطانيا وفرنسا؟ أم غرب "الفاشية وتفوق العرق الجرماني والتعصب العنصري وقيم المجتمع التقليدي" الذي تمثله ألمانيا وإيطاليا؟ 

بالتوازي؛ كان إسلاميون يتطلعون لاستعادة حلم الإمبراطورية الإسلامية (عثمانية أو غيرها)، وماركسيون يمثل الاتحاد السوفيتي لهم حلمًا موازيًا.

لم يكن أيضًا الخلاف بين التيارين حول الموقف من الاستعمار، فالدول الغربية الأربع، وروسيا، لديها جميعها تاريخ استعماري مخزٍ، وبعضها (من الجبهتين) ارتكب جرائم إبادة قبل جريمة إبادة اليهود في ألمانيا.

لكن مظلة التوجه المتعاطف مع هتلر في مصر كانت تتسع يومًا بعد يوم على الصعيد الشعبي والرسمي خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، تغذيها خطب هتلر السياسية الملتهبة بهواجس الإهانة القومية، والتي كانت تخاطب في أعماق المصريين مشاعر أقدم بالإهانة القومية من أطراف متعددة عبر التاريخ.

شملت مظلة الانبهار بهتلر وجبهته الملك فاروق الأول وعددًا من الوزراء في الحكم. لا يقل أهمية أن هذا التوجه استولى على عقول وقلوب عدد كبير من العسكريين، بمن فيهم رئيس الأركان عزيز المصري، الذي تردد اتهامه بتسريب خطط بريطانيا العسكرية لصد الهجوم الألماني في مصر للنازي. لذا، لم تستعن بريطانيا بالجيش المصري في حربها ضد ألمانيا وإيطاليا؛ رغم استخدامها عشرات الآلاف من جنود الهند والسودان الخاضعين لاحتلالها في جبهة الصحراء الغربية.

لإدراك مدى عمق تعاطف تنظيم الضباط الأحرار مع النازي؛ من المفيد الرجوع لمذكرات هؤلاء الضباط، وخاصة كتاب أحمد حمروش قصة ثورة 23 يوليو. الذي يقول إن "الانبهار بالدعاية والنظم النازية والتطلع إلى انتصار ألمانيا" شمل مجموعة كبيرة من تنظيم الضباط الأحرار، بما في ذلك أعضاء بارزين في مجلس قيادة الثورة، بينهم أنور السادات، الذي سيصير في 1970 رئيسًا للجمهورية، وسيختار أن يرتدي زيًا عسكريًا من الطراز الألماني البروسي بعد انتصاره على إسرائيل/"اليهود" في حرب أكتوبر 1973. 

كما سعى بعض الضباط الأحرار للتواصل بشكل محموم مع قيادة الجيش الألماني في ليبيا، وحرضوا الجنود الهنود في مصر على التمرد، مما أدى لإعدام أربعة جنود هنود ميدانيًا. في المقابل، يفسر حمروش عدم انجذاب الضباط الأحرار إلى حزب الوفد الليبرالي بسبب "تشبث القيادة الوفدية بمبدأ فصل السلطات وإبعاد الجيش عن السياسة".

خسرت دول المحور الحرب العالمية الثانية، وقتلت المقاومة الوطنية للفاشية في إيطاليا موسوليني، وانتحر هتلر. لكن التيار "الراديكالي" في مصر سينجح بعد سبع سنوات في الإطاحة بالحكم الملكي من خلال انقلاب يخطط له وينفذه الضباط الأحرار، يتبنى عددًا من أبرز مطالب الحركة الوطنية، خاصة الإصلاح الزراعي واستكمال جلاء القوات البريطانية.

من ناحية أخرى؛ سيستعيد قادة انقلاب 23 يوليو من ألمانيا عسكريًا مصريًا (*) كان، بالتنسيق مع الضباط الأحرار، تسلل خلال الحرب العالمية الثانية لمواقع القوات الألمانية في الصحراء المصرية لمعاونتها، إلى أن اعتقله الحلفاء المنتصرون وحكموا عليه بالسجن 15 عامًا. وكرمه قادة الانقلاب لاحقًا بالتعيين في إدارة الشؤون العامة للجيش المصري.

في هذا السياق؛ جدير بالملاحظة أن محاضر بعض الاجتماعات التي أدارها جمال عبد الناصر بعد هزيمة يونيو 1967 سجلت استخدامه المتكرر لكلمة "اليهود" عند حديثه عن إسرائيل أو الإسرائيليين.

من نظام ملكي إلى جمهوري إمبراطوري

كان تحول مصر للنظام الجمهوري خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه للأسف لم يكن في جوهره سوى تلاعب بالكلمات، فجمال عبد الناصر كان يملك في نظامه الجمهوري سلطات استثنائية هائلة ذات طابع "سلطاني مملوكي" لم يحظ بها الملك السابق.

يعتقد جمال حمدان في كتابه شخصية مصر أن النظام الجمهوري المصري هو "مَلَكية مقنعة"؛ وينقل فيه عن آخرين أنه "مزيج من فرعونية جديدة ومملوكية جديدة"... حتى إنَّه يمكن الحديث عن "أول مَلك جمهوري وأول إمبراطور جمهوري". بينما يقول الهواري إن سلطات الرئيس بعد يوليو 1952 لم يتمتع بها أي حاكم سابق منذ محمد علي، وأنها ثلاثة أضعاف سلطة الملك فاروق.

قد يكون من المفيد أيضًا العودة إلى مذكرات الضباط الأحرار، وخاصة قائد الانقلاب محمد نجيب لإدراك كيف شكَّلت العسكرة النظام الجمهوري الجديد. يقول نجيب في كتابه كنت رئيسًا لمصر إن السلطة العسكرية لا تطيق تنظيمًا آخر ولا كلمة واحدة ولا نفسًا ولا حركة ولا تتسع الأرض إلا لها ولا أحد غيرها، "طردنا ملكًا، وجئنا بثلاثة عشر ملكًا آخرين". لكن "الملك الجديد" لن يطيق التعايش مع "ملوك آخرين"، وسيطيح بهم على التوالي مبتدئًا بنجيب، ليبقى فقط إلى جواره صديق عمره عبد الحكيم عامر الذي أبقاه لأنه يأتمنه على حماية ظهره من انقلاب محتمل للجيش عليه، بصرف النظر عن أنه لم يكن مؤهلًا على الإطلاق لقيادة جيش، وفقًا لتقييمات نجيب وضباط آخرين.

يصف خالد محيي الدين في مذكراته والآن أتكلم عامر بأنه "عمدة طيب القلب... لا يهتم كثيرًا بالضبط والربط، فحياته ذاتها لم تكن منظمة، فقد كان يسهر كثيرًا ويصحو متأخرًا ... آخر ما كان يصلح له هو أن يتولى مسؤولية الضبط والربط، وأن يتابع عمليات قيادة القوات المسلحة بالغة التعقيد والحساسية، وأن يتابع التسليح وتطور الأسلحة والتدريب وما إلى ذلك"!

هل كان ناصر يجهل ذلك عن صديق عمره؟ بالتأكيد كان يعرف!

لكن ناصر كانت له أولويات أخرى، وكان يملك قدرًا كافيًا من انعدام الشعور بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية بحيث يزج بمئات الألوف من الجنود المصريين في عدة حروب بقيادة "عمدة" أو شيخ غفر!

حينذاك؛ لم تكن مصر قد شفيت بعد، ومازالت، تعاني من جفاف عدة قرون في دورتها الدموية كشعب ومجتمع ودولة واقتصاد. مع ذلك زج ناصر بها في معارك سياسية ضارية متوالية، لا يمكن الزعم بأنها كلها كانت حتمية، حتى لو أن بعضها لم يخل من نبل الهدف. شملت هذه المعارك مواجهات سياسية ودعائية حادة ضد الحركة الشيوعية الدولية والعربية، وفي مرحلة أخرى مواجهات مع دول الغرب الإمبريالية.

جرت بالتوازي مع هذين الصدامين مع الشرق والغرب حملات ملتهبة سياسية وإعلامية ومؤامرات مخابراتية ضد حكام عدد من الدول العربية في المشرق والمغرب والخليج. كان التحامل على هؤلاء الحكام في مرحلة لأن بعضهم متعاطف مع الشيوعيين، وفي مرحلة أخرى لأنهم متواطئون مع أحلاف استعمارية غربية. كان مطلوبًا من كل الأطراف العربية في الحكم أو المعارضة أن تضبط توقيتها على ساعة وتحولات الزعيم الأوحد وأولوياته، التي لم يكن يسمح حتى للمصريين بإبداء الرأي فيها. يقول جمال حمدان إن المصريين لم يملكوا سوى قول "نعم". تمامًا مثلما كان الشعب الألماني مع هتلر.

لم يكن الاستنزاف الهائل المادي والبشري في اليمن ودول إفريقية أخرى حتميًا لا بديل له، بل إن حرب يونيو 1967 ذاتها لم تكن حتمية. يعتقد شريف يونس أنه جرى "التورط في الحرب لأسباب أيديولوجية أساسًا".

واقع الأمر؛ أن كل التوجهات الكبرى السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية خلال الخمسة عشر عامًا التالية لانقلاب 1952، والتي ستحفر أيضًا ملامح مصر خلال الـ60 عامًا التالية لهزيمة يونيو 67، لم تبت فيها أي هيئة شعبية منتخبة. ذلك أمر كان يحدث لأول مرة منذ انتخاب برلمان ثورة 1919 بعد دستور 1923، رغم أن ذلك البرلمان كان يمارس دوره في ظل استقلال منقوص.

نحو "تعفن" نظام الحكم

في الفصل قبل الأخير من كتابه يحذر وحيدة المصريين من هيمنة "المراهقة السياسية" على تفكيرهم، فيهوّنوا من شأن إيلاء عنايتهم القصوى لتصليب عود الدولة الوليدة، وانعكاس ذلك على اضطراب أولوياتهم. يقول "يظنون صادقين أن العناية بمسائلنا الداخلية تأتي في المرتبة الثانية بعد مجاهدتنا الإنجليز، ولا يرون أن أوضاع الأمم في ميدان الحياة الدولية ليست، آخر الأمر، سوى الانعكاس المباشر لظروفنا الداخلية في هذا الميدان، ولا شأن كبير لها بمهارة الرجال الذين يحكمون أو دهائهم أو ما يتصايحون به".

لم يكن وحيدة يتخيل أن مصر سيجتاحها، بعد عامين فقط من صدور كتابه، إعصار هائل من "المراهقة السياسية" القاتلة، وأن هذا الإعصار لن ينحسر حتى بعد لطمة هزيمة 5 يونيو 1967 على أيدي كيان/دولة كان عمرها أربع سنوات فقط عندما قام الفرسان الأحرار بانقلابهم التاريخي في دولة عمرها سبعة آلاف عام.

في كتابه؛ حذر وحيدة أيضًا من هيمنة التفكير بالأماني/wishful thinking على عقول المصريين، وهو ما أسماه "الضجيج الفارغ". على الأرجح لم يخطر بباله أن طوفانًا من "الضجيج الفارغ" سيجتاح مصر، عبر حاكمها الجديد وجهاز إعلامي أخطبوطي ومذيع أهوج يدوي صوته كل مساء بضجيج فارغ من المحيط للخليج متوعدًا ومبشرًا العرب باقتحام تل أبيب. على قمة تل الضجيج الفارغ كان يتربع كاتب خُطَب الرئيس والمسؤول عن ترويج أكاذيبه عبر مقال أسبوعي.

قبل ثلاثة أيام من الهزيمة المروعة، يكتب محمد حسنين هيكل مشفقًا على إسرائيل ومبشرًا عشرات ملايين المصريين والعرب "إسرائيل مقبلة على عملية انكسار تكاد تكون محققة"! لكنه يعود دون خجل بعد أن صارت إسرائيل على مشارف القاهرة ودمشق، ليكتشف، بعد 15 عامًا من "الضجيج الفارغ" الذي كان على رأس مروجيه، فيقول "لقد كنا أمام عدو متعلم وعصري... وليس هناك حل آخر أمام الطرف العربي غير أن يكون متعلمًا وعصريًا"!!!

هل يذكرنا ذلك بوجهة نظر التيار الإصلاحي التنموي الذي عصف به انقلاب 1952؟

في مطلع أغسطس 1967 سيعترف جمال عبد الناصر في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي بأن نظام حكمه قد "تعفن". وفقًا لمحضر الاجتماع قال ناصر تلك الكلمة بالإنجليزية rotten! فهل كان في لحظة صدق نادرة مع نفسه ويخجل من قولها بالعربية؟! أم كان يرتب كمينًا لاستدراج الناقمين عليه في الاجتماع، خاصة أن لهجة عدد من أبرز الأسماء، وبينهم أعضاء كانوا في مجلس قيادة ثورة 1952، كانت نقدية. كما تملصوا من أي مسؤولية عن الكيفية التي أدار بها عبد الناصر مصر منفردًا. في المقابل؛ كان ناصر يزعم أنه يسمع هذه الانتقادات لأول مرة!

لا نعرف الجواب بخصوص ما إذا كان اعتراف ناصر بعفونة نظام حكمه مؤشرًا نادرًا على أن ضميره كان يؤنبه؟ لكننا ربما سنخمن الجواب لاحقًا، بعد نحو عام، عندما تلقى قائد سلاحه الجوي اللواء مصطفى الحناوي، أمرًا من الفريق أول محمد فوزي بتفريق مظاهرة سلمية احتجاجية نظمها طلاب الجامعة بالإسكندرية في نوفمبر 1968 بإطلاق النار من طائرات الهليكوبتر. رفض الحناوي، وأطاح به عبد الناصر لاحقًا، وفقًا لشهادة الحناوي لهشام السلاموني في كتابه الجيل الذي واجه عبد الناصر والسادات.

أولويات الملك الجديد

في كتابه ثورة 25 يناير والصراع حول السلطة يبدد المستشار طارق البشري أوهامًا شائعة عن طبيعة الانقلابات العسكرية. أهمها أنها لا تعني أن الجيش هو الذي يقرر الانقلاب، فذلك أمر مستحيل عمليًا، وإلا افتضح مبكرًا سر مؤامرة الانقلاب قبل حدوثه. الانقلاب العسكري ينطوي في صميم تدبيره على تآمر على الجيش ذاته. لأن قرار الانقلاب تتخذه مجموعة محدودة من الضباط، وينفذه عدد كبير من الجنود الذين لن يدركوا الأسباب الحقيقية لتحريك وحداتهم العسكرية يوم الانقلاب، إلا بعد الإعلان الرسمي عن نجاحه أو فشله.

يجري تحريك كل وحدة عسكرية على حدة تنفيذًا لقرار يبدو شكليًا ذي طابع إداري لا شبهة سياسية فيه. وهو أمر يصدره قائد الوحدة المفوض، ويكون هو -مع باقي قادة الوحدات الأخرى الضالعين في مؤامرة الانقلاب- وحده المطلع على الهدف النهائي غير المعلن لتلك التحركات.

يمكن من خلال مذكرات الضباط الأحرار استخلاص استنتاج مشابه عن طبيعة العلاقة التآمرية بين زعيم الانقلاب جمال عبد الناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الانقلاب. ففي خلال 20 شهرًا جرى تدريجيًا تهميش أو تنحية أو نفي أو اعتقال أغلبية أعضاء المجلس، لتسود وجهة نظر الزعيم الذي سيصير بعد مارس 1954 زعيمًا أوحد، بعد أن يلجأ لوسائل مشينة توثقها مذكرات قادة الانقلاب، بما في ذلك تدبير انفجارات في ميادين عامة لإثارة ذعر المصريين، ورشوة قادة نقابيين لتحريك العمال دعمًا لوجهة نظره في مواجهة ضباط أحرار آخرين.

أسفرت تلك الصراعات داخل مجموعة الضباط الأحرار عن اعتقال عدد كبير من ضباط الجيش. كما اُعتقل محمد نجيب لمدة مفتوحة، لن تنتهي إلا بوفاة جمال عبد الناصر عام 1970. بينما نُحِّي ضباط آخرون تدريجيًا عن مواقعهم السياسية والتنفيذية والإدارية، ونُفي خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الانقلاب إلى خارج مصر.

شخصية مافياوية

ترسم مذكرات الضباط الأحرار لجمال عبد الناصر صورة لشخصية ذات طابع مافياوي. على الأرجح لم يكن يحتكرها، وإن كان بالتأكيد هو أكثرهم شيطانية.

وفقًا لمذكرات صلاح نصر، أشهر رئيس للمخابرات العامة المصرية، فإن ناصر ناقش معه عشية أحداث مارس 1954 فكرة القيام بـ"ثورة على الثورة". أو بمعنى أدق انقلاب مارس 1954 على انقلاب 23 يوليو 1952. كان نصر أحد الضباط الأحرار الذين اعتمد عليهم ناصر مبكرًا خلال العشرين شهرًا التالية لانقلاب 1952 في جمع المعلومات عن الضباط المتمسكين بنظام ديمقراطي في مصر. 

يصف نصر مهارات ناصر التآمرية وكيف كان يوظفها على مدار تلك الشهور الحاسمة قبيل صدامات مارس 1954: "كان يميل لإخفاء نواياه.. ويمد الحبل لعدوه ليشنق نفسه به". هكذا جرى التخلص من رئيس وأغلبية أعضاء المجلس واحدًا تلو آخر، وضباط أحرار آخرين خارج المجلس. 

بينما يقول حازم قنديل في كتابه جنود وجواسيس ورجال دولة.. طريق مصر نحو الثورة إن صلاح نصر كان ساعدَ ناصر الأيمن في أعمال التطهير داخل الجيش قبل مواجهات مارس 54، بما في ذلك العزل والنقل لمناصب مدنية والإحالة إلى مناصب ذات طابع إداري في الجيش. ويضيف أن 71 ضابطًا بالجيش تعرضوا للقتل في حوادث غامضة خلال الفترة السابقة على صدامات مارس 54.

كان الصراع الرئيسي يبدو كما لو كان حول قضية الديمقراطية، بينما كان في جوهره، مثلما سيتضح لاحقًا، يتجاوز شكل الحكم ويمتد إلى موقع العسكريين، ليس في السياسة والحكم فقط، بل في كل شؤون البلاد المدنية، بما في ذلك الاقتصاد والثقافة والإعلام والمحليات. الأمر الذي سيرسم لاحقًا ملامح مصر في كافة مجالات الحياة قبل وبعد هزيمة يونيو 1967، بل وأيضًا خلال إدارة الجيش لأحداث يناير 2011.

ما جرى في مصر عام 2013 يجد جذوره في ذلك الصراع الضاري الذي دار في مارس 1954، وليس في 30 يونيو 2013. كان انقلاب 3 يوليو سيحدث حتى لو كان علمانيون مدنيون يحكمون مصر عام 2012. شرعية الحكم الحالي في مصر تستند لانقلاب 54، وليس انقلاب 1952.

إرهاب أحمر

حسم انقلاب مارس 1954 الصراع لصالح تسييد العسكريين على الدولة وعلى المدنيين. ذلك التطور المحزن سيكون له آثار وخيمة مبكرة على الصناعة ومستقبل اقتصاد مصر، الذي سيخطط له ويدار بعقلية فئة غير مؤهلة، وليس الصناعيين، مثلما كان يأمل وحيدة وآخرون. أول مؤشر سلبي لافت كان صدمة فشل الخطة الخمسية الأولى في تحقيق أهدافها.

في عام 1949 كتب عباس العقاد في أخبار اليوم متوقعًا أن "مصر خلال 50 سنة ستصبح في عداد الأمم الصناعية الكبرى". ثم بعد عام واحد يكتب وحيدة منوهًا بمقال العقاد، ولكن محذرًا من "أن الفرق بين السرعة التي نسير بها لتغطية الفروق بيننا وعامة الشعوب الأخرى والسرعة التي تسير بها هذه الشعوب؛ هو إلى حد بعيد الفرق بين حكامنا وحكامهم".

بعد عامين يجري انقلاب عسكري في  23 يوليو 1952 ويتخذ ستة أهداف، ليس بينها "الصناعة". دون أن يقصد؛ سيؤكد ناصر في مارس 1954، بعدما صار حينها حاكمًا أوحد، أكبر مخاوف وحيدة حول "سرعة الحكام"، حين يشرع في تهميش المدنيين وتمكين العسكريين غير المؤهلين من مفاصل الحكم. ثم يمكنهم لاحقًا من الاقتصاد والصناعة، بعد أن دخل في صدامات ذات طابع استئصالي مع الصناعيين الفعليين والمحتملين، من خلال موجة تأميمات ومصادرات تستهدف القضاء على تعددية القوى الاقتصادية في المجتمع المصري، وذلك كوسيلة لإحكام خنق التعددية السياسية والفكرية.

يقول جمال حمدان إن الاشتراكية لم تكن سوى "اسم وواجهة"، أما الجوهر فهو "الطغيان والحكم المطلق والشمولية"، لتنتقل مصر بذلك "من إقطاع مدني إلى إقطاع عسكري.. ودولة بوليسية يحكمها الجيش" و"عهد إرهاب حقيقي". أو "إرهاب كاسح"، بتعبير سعد زهران؛ المناضل الشيوعي الذي كان يُلخص حقبة الخمسينيات والستينيات في مصر. بينما ينفي المفكر فؤاد زكريا، الذي يعتبر نفسه نصيرًا للاشتراكية، الطابع الاشتراكي للحكم الناصري: لا يمكنني أن أتصور تجربة اشتراكية تكون فيها إساءة استخدام السلطة هي القاعدة والنزاهة هي الاستثناء، وازدياد عدد الأسياد.

مسيرة نصف قرن نحو الفقر

يكاد أسيموجلو وروبنسون يلخصان مسيرة مصر نحو الفقر خلال 70 عامًا حين يقولان "يساعد الحصول على الاستقلال على فتح الباب أمام القادة المجردين من المبادئ ومنعدمي الضمير أن يعمقوا من طغمة الاستبداد التي كان يتزعمها المستعمرون الأوروبيون... فالمؤسسات الاقتصادية التي استحوذوا عليها مكنت هذه النخب من بناء الجيوش وقوات الأمن التي تساعدهم في الدفاع عن احتكارهم المطلق للسلطة السياسية".

بعد 50 عامًا من مقال العقاد سيُشرف الأكاديمي الحقوقي محمد السيد سعيد على مشروع بحثي جماعي بمشاركة تسعة من أبرز الأكاديميين والكتاب المصريين تحت عنوان "حكمة المصريين". يقول سعيد في مستخلصاته الختامية في الكتاب الذي صدر عام 1999، إن المركز الاقتصادي لمصر قد تدهور بسبب تقدم الآخرين خلال العقود الخمسة الأخيرة بمعدلات أسرع، والتي سجلت فيها مصر معدلات نمو منخفضة وأحيانًا سالبة. وأن ذلك أدى إلى أن تندرج مصر بين أقل دول العالم تطورًا في نوعية الحياة ومستوى التقدم الاجتماعي والبشري. بل إن حجم الاقتصاد الإسرائيلي في 1995 قد بلغ نحو ضعف المصري، بالرغم من أن عدد سكان مصر 10 أضعاف إسرائيل.

فَسَّر سعيد تدهور مصر الاقتصادي الحاد في تلك العقود الخمسة بالقصور في مجال التصنيع، وتخلف مصر عن الشروع في ثورتها الصناعية. ثم حَذَّر من أن العالم يتجه إلى "ثورة ما بعد الصناعة" انطلاقًا من الثورة التكنولوجية الجارية، وأن على مصر أن تتخلى سريعًا عن السياسات والممارسات التي أدت لضياع نصف قرن من التنمية على شعبها، وأن عليها أن تُضاعف الجهد وتَحرق مراحل التطور التكنو-صناعي. كما نعرف؛ فإن تلك الاقتراحات -وغيرها من آخرين- لم ولن تجد آذانًا حاكمة تصغي، لتصادف ذات مصير توصيات صبحي وحيدة وآخرين.

في المقابل انتقلت إسرائيل في القرن 21 من مرحلة المجتمع الصناعي إلى ما بعد الصناعة، وبدأت مبكرًا في إدماج الذكاء الاصطناعي. لذا فإن الفجوة في عام 2026 بين الدولتين تتسع ولا تضيق، فضلًا عن أن إسرائيل أعلنت اعتزامها التخلي عن المنحة المالية السنوية الأمريكية، بينما تتطلع مصر لمزيد من المنح والقروض من أطراف شتى. 

أولويات حروب الجبهة الداخلية

على غير المتوقع؛ جرت مواجهات ضباط انقلاب يوليو الصدامية والأكثر عنفًا مع "الرفاق" في التيار الراديكالي، وليس مع التيار الإصلاحي الليبرالي، الذي اقتصرت المواجهة معه على تهميش وعزل سياسي وحملات سياسية ومحاكمات وسجن. بينما اتسعت المواجهات مع الرفاق في التيار الراديكالي لتشمل، إلى جانب أحكام بالإعدام وحملات التشهير السياسي، اعتقالات مفتوحة لعدة سنوات دون حكم قضائي أو سقف زمني، وألوانًا من التعذيب الوحشي، حتى لو أدى إلى مقتل هؤلاء "الرفاق".

يقول المناضل الشيوعي سعد زهران في كتابه الأوردي مذكرات سجين أنه لم تكن أمام أجهزة القمع مشكلة انتزاع اعترافات من الشيوعيين، فلم يكن لديهم أسرارٌ يخفونها عن "حلفائهم في الدولة الناصرية"! ومع ذلك كان التعذيب "أشد قسوة وهمجية. كان يهدف إلى تحطيم اللياقة الإنسانية". كما يؤكد زهران أن تعذيب الإخوان المسلمين كان "أشد قسوة".

يقول زهران في كتاب آخر عنوانه في أصول السياسة المصرية إنه في أوائل الخمسينيات "تطور الحزب الاشتراكي (حزب مصر الفتاة سابقًا) في اتجاه تمثيل ائتلاف اجتماعي من نوع جديد، يتشكل من طبقة متوسطة صاعدة، متعاظمة العدد، محمومة النشاط، تستولي على الشارع السياسي ... وهو الائتلاف الذي شاءت الأقدار أن تكون الناصرية هي التي عبرت عنه". لكن ناصر لا يطيق شريكًا له، حتى لو كان مُعلمه. إذ يقول المؤرخ شريف يونس في كتابه "نداء الشعب.. تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية" إن جمال عبد الناصر أمر بالقبض على مؤسس مصر الفتاة وزعيمها أحمد حسين، وقال حينذاك "لقد علمني السياسة، ولكني سأجعله يكف عن ممارستها".

يُلاحظ زهران أن الشيوعيين المصريين لم يتعرضوا لتعذيب بتلك الوحشية منذ عرفت الشيوعية طريقها للمصريين في عشرينيات القرن الماضي. أي في زمن الاحتلال البريطاني!

ذلك ما أبدع في تصويره وتأمل دلالاته أدباء مثل نجيب محفوظ، خاصة في مجموعته القصصية "صباح الورد"، وما تناوله توفيق الحكيم بالتحليل في "عودة الوعي". كلا الأديبين العظيمين ينتميان للتيار الليبرالي الذي هُزم في 1952.

تزاوج مشين

لم يكن هذا التدهور المشين (تعذيب الحلفاء والمخالفين في الرأي بهذه الوحشية) ممكنًا لولا التزاوج المبكر بين قادة انقلاب 52 وخبراء النظام النازي الذين استعانوا بهم بعد فرارهم، عقب انتحار هتلر، إلى إسبانيا الفاشية وبعض دول أمريكا اللاتينية. إذ قرر الضباط الأحرار في مصر الاستعانة بهم في مهمتهم التاريخية. هذا ما يوثقه أوين سيرز في كتابه تاريخ جهاز المخابرات المصرية. 

يقول سيرز إن المستشارين النازيين الذين اختيروا لهذه المهمة "لم يكن ممكنًا أن يكونوا أكثر بشاعة". إذ كانوا من المعروفين بتمرّسهم في التعذيب وارتكابهم جرائم بالغة الوحشية ضد عشرات الألوف من المدنيين العزّل بقلب بارد، بما في ذلك عدم تورع بعضهم عن تدمير مبانٍ سكنية وحرقها بسكانها.

يذكر سيرز أن التفكير في إنشاء جهاز المباحث العامة (الذي صار لاحقًا مباحث أمن الدولة، ثم جهاز الأمن الوطني) بدأ في أعقاب إضراب عمال كفر الدوار وإعدام اثنين من العمال الشيوعيين بعد نحو شهرين من انقلاب الضباط الأحرار. لكن هؤلاء "الأحرار" لن يخجلوا من التوجه للسفارتين البريطانية والأمريكية لاستشارتهما في أنجع السبل لمجابهة الشيوعيين، وهم الذين كانوا "رفاق الكفاح" ضد الاحتلال البريطاني قبل أسابيع قليلة!

تولى مهمة الإشراف على إنشاء ذلك الجهاز الأمني جمال عبد الناصر وزكريا محيي الدين، اللذان تعاقبا على منصب وزير الداخلية بعد إعلان "الجمهورية" في  18 يونيو 1953. يقول عبد الفتاح أبو الفضل إن المذكرات التي تركها الخبراء النازيون بعد انتهاء مهمتهم في مصر، ترجمت وحللت واستخدمت دليل عمل ومنهجًا تدريبيًا بعد الاستعانة بالمراجع ذات الصلة. جدير بالذكر أن أبو الفضل كان عضوًا بتنظيم الضباط الأحرار، وتولى عام 1966 منصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة.

أكاد أرى أشباح ضحايا مذبحة رابعة في ثنايا تلك الوصايا النازية المشؤومة؟

تُرى هل هناك علاقة أيضًا بين خلاصات هذه المذكرات والمنهجية التي جرت بها مذابح ماسبيرو والنادي الأهلي ببورسعيد ومذبحة الدفاع الجوي؟ لن نعرف!

في عام 1956 يُقتل صبحي وحيدة طعنًا بالسكين، وسيشكك أنور عبد الملك في الرواية المتداولة عن قتله، ويعتبره شهيدًا. وفي عام 1993 يفقد جمال حمدان حياته إثر حريق اندلع في شقته، وسيسود بين أوساط المثقفين والسياسيين المصريين الشكوك في أسباب الوفاة، خاصة أن حمدان كان عبّر في طبعة تالية من كتابه "شخصية مصر" عن قلقه على سلامته وحياته، وأوضح أنه اضطر بسبب قلقه إلى حجب بعض آرائه التي كان طورها بعد صدور طبعته الأولى عام 1967. 

القائمة طويلة ولا تنتهي، وربما لا يمكن الإلمام بها، توقفت فقط عند أسماء ورد ذكرها في هذا المقال. لكن القراء يستطيعون استدعاء عشرات "الوفيات" المريبة لمدنيين وعسكريين تقاطع طريقهم بعد يوليو 1952 مع السياسة في مصر (أحيانًا دون قصد منهم)، ليسوا كلهم ممن انخرطوا في المجال السياسي أو الأكاديمي أو تولوا مناصب مهمة في الدولة، بعضهم فنانين.

الجيش كقربان

هذا ليس حديثًا عن الماضي، بل أوثق علاقة بالمستقبل. صحيح أن ناصر رحل قبل 56 عامًا، ولكن ركائز نظامه منذ 1954 مازالت في مكانها، وخاصة الطابع الأوتوقراطي الديكتاتوري القائم على حكم الفرد المتحالف مع المؤسسة العسكرية، والقمع المنهجي للمجتمع وتقييد الحريات السياسية والمدنية والاقتصادية، بالاستناد إلى مؤسسة أمنية أخطبوطية لا تخضع لرقابة شعبية أو مساءلة، وتستلهم دستور عملها اليومي من وصايا نازية.

الذي تغير هو تفاصيل كان يتبدل بينها ناصر ذاته خلال سنوات حكمه؛ من اعتزام اقتحام تل أبيب إلى التسليم بقوة إسرائيل واستجداء "إزالة آثار العدوان". من العداء للشيوعية إلى معاداة الأمريكان أو العكس. من مهاجمة ملوك "الرجعية العربية" إلى السخرية من رؤساء موصوفين بالتقدمية في سوريا والعراق، وتوتر العلاقة مع تقدميين آخرين في ليبيا والجزائر.

مشروع ناصر الوحيد الذي استثمر فيه أقصى طاقاته الذهنية دون هوادة، هو شخصه. هو بناء وتكريس زعامته كفرد بأي ثمن. بما في ذلك التضحية بحياة مدنيين وعسكريين وقفوا في طريقه، أو تخيل هو ذلك. لم يطرأ على هذا المشروع أي تغيير منذ فجر 23 يوليو 1952، ولم يتوار ذلك المشروع خجلًا بعد الهزيمة الصاعقة في 1967. لذا لم يتردد نظام ناصر في أن يطلب من قائد سلاح الجو، الذي حطمته إسرائيل، إطلاق النار على المتظاهرين من الطائرات المروحية لأنهم خدشوا صورة "الزعيم". لم تتغير نظرة ناصر الاحتقارية للمصريين، حتى بعدما تغيرت نظرته لإسرائيل!

"كل ما أنتم عليه، تكونونه عبري، وكل ما أنا عليه، أكونه من خلالكم". قائل هذه العبارة هو الزعيم النازي أدولف هتلر. لم يقلها ناصر، لكنه كان على الأرجح يرددها لنفسه في لحظات الإلهام وجنون العظمة. فضلًا عن أن هذه المعاني تتردد بين ثنايا خطبه الحماسية، وخاصة صيحته الشهيرة "كلكم جمال عبد الناصر" بعد محاولة اغتيال مشكوك فيها. بل بلغت به الوقاحة أن يقول للمصريين "أنا من علمتكم الكرامة!".

لم يُهزم الجيش المصري في يونيو 1967، فهو في حقيقة الأمر لم ينخرط في الحرب نتيجة إصدار أمر أهوج له بالانسحاب. الذي تعرض للهزيمة هو نظام الحكم الذي أضعف الجيش وشل قدرات المجتمع المصري المعنوية والسياسية والاقتصادية. لكن ناصر قرر تقديم الجيش كقربان لتفادي عزله وربما محاكمته. حرب أكتوبر 1973 هي أفضل برهان على أن الخلل لم يكن في الجندي بحد ذاته، بصرف النظر عن تواضع الإنجازات العسكرية، وبالتالي السياسية، لحرب أكتوبر. فجوهر نظام الحكم لم يتغير.

الانتصار الوحيد

يبقى أن الأهم من استمرار نظام ناصر حتى اليوم من عدمه، هو استمرارية السيكولوجية السياسية المريضة التي رجحت كفة المحور الراديكالي الاستبدادي في أوائل الخمسينيات، ثم انقلاب 1952، ثم رجحت كفة ناصر في مارس 1954 خلال صراعه الدامي مع باقي "الضباط الأحرار" وبقية أطراف التيار الراديكالي.

وهي السيكولوجية نفسها التي دعمت عسكرة الإدارة المدنية والاقتصادية، وخطاب المراهقة السياسية وضجيجها الإعلامي الفارغ، والمعارك السياسية الدونكيشوتية والمغامرات العسكرية، وذلك على حساب إيلاء أولوية قصوى للتنمية وإطلاق ثورة صناعية يقودها الصناعيون، وتمكين المدنيين المصريين في كل مجالات الإدارة.

وفي 9 و10 يونيو 1967 أدت تلك السيكولوجية لإعادة مبايعة المسؤول عن تكبيد مصر أبشع هزائمها العسكرية، والذي مارس ألوانًا من القهر والإذلال بحق المصريين لم يختبروا مثلها على يد الاحتلال البريطاني، وحولهم "لقطيع سياسي" بتعبير جمال حمدان.

يلخص شريف يونس المغزى المزدوج المُحزن لمشهد تلك المبايعة الذليلة: "كان المصريون فيه فاعلًا مباشرًا، ومفعولًا به غير مباشر على مدى تاريخي".

الانتصار الوحيد الذي حققه جمال عبد الناصر ومازال أثره ساريًا حتى اليوم، هو انتصاره الساحق على المصريين كشعب ودولة، كانت في طور النقاهة في 22 يوليو 1952، فأصابها بحالة كساح ووهن شامل من المشكوك أن تشفى منه في أفق منظور، خاصة أنه أورثها نظامًا للحكم منذ مارس 1954 تجهض آلياته -في المهد- أي محاولة لعلاج حقيقي. نتيجة لذلك؛ كان جمال حمدان يخشى على مصر من "موت بالتسمم البطيء".

يفسر لويس عوض في أقنعة الناصرية السبعة هذا الدمار الذي ألحقه النظام الناصري بأسس المجتمع التي شيدها المصريون "نتيجة احتكاكهم المباشر بالحضارة الأوروبية" قبل 1952. هذا ربما يفسر النغمة السائدة في الخطاب السياسي الحاكم، والتي لا تقارن مصر إلا بدول جنوب المتوسط (سوريا وليبيا والسودان)، رغم أن المصريين لا يغامرون بركوب قوارب الموت إلا إلى أوروبا/شمال المتوسط، حيث تضاعف عددهم أكثر من ثلاثين مرة خلال خمس سنوات 2018/ 2023. 

موائمات الشخصية المصرية

يندهش بعض المراقبين من عدم وجود معارضة حقيقية ذات وزن تقاوم نظام عبد الفتاح السيسي رغم فقر أداء كل منابر الحكم دون استثناء وتفاقم فقر المصريين. لماذا؟ الإجابة قد تكون في السطور السابقة.

لكن لأنور الهواري رأي آخر، إذ يعتقد أن المصريين غير معنيين بمسألة التغيير، فالتغيير في مصر في كل مراحل تاريخها لا يحدث إلا من خلال الدولة.

لست متأكدًا من قطعية ذلك الاستنتاج القاسي، رغم أن الهواري يعدد وقائع تاريخية عديدة تُرجحه، ولكن هناك وقائع أخرى تنقضه، على رأسها ثورة 1919، لكنه يقلل من مغزاها.

للأكاديمي أحمد زايد وجهة نظر تلتقي مع الهواري، ولكن من منظور آخر، عبّر عنها في كتابه خطاب الحياة اليومية في المجتمع المصري إذ يقول إنه رغم أن الطبقة الوسطى هي المخزن الفعلي لأفكار المقاومة، إلا أنها ليست بالضرورة المخزن الفعلي "لفعل المقاومة"، لذا فإن سلاحها في المقاومة هو الاكتفاء بالتعبير عن "الامتعاض والقرف". زايد لا يشير إلى وجود طبقة أخرى مقاومة.

هل من الدقيق تعميم وجهتي نظر الهواري وزايد على المصريين في جميع مراحل تاريخهم؟ يبدو أن الهواري يتبنى ذلك بوضوح. ولكن كيف نفسر الحيوية والصلابة الاستثنائية التي جسدتها كفاحات المصريين في جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في النصف الأول من القرن العشرين، رغم الاحتلال والتي لم تكن في مواجهة المحتل فقط.

كيف نجح المصريون في الطفو على سطح الحياة من جديد بعد نحو ثمانية قرون في الكهف المملوكي العثماني إذا لم يملكوا إرادة ورغبة في "التغيير"؟ كيف كان المجال العام في مصر يضج بالحيوية في كافة مجالات السياسة والنقابات والجمعيات الأهلية والنسوية والصحافة والفنون والجامعات بالتوازي مع شارع يفور بالعداء للاحتلال والقصر الملكي؟

أظن أن شهادة لويس عوض تجيب عن السؤال بتسليطها الضوء على الانقلاب الموازي بعد يوليو 52 بوصفه مسؤولًا عن "تدمير أسس المجتمع الذي شيّده المصريون" قبل ذلك. كذلك شهادة حمدان وزهران عن إعصار الإرهاب المنظم الذي اجتاح مصر بعد يوليو 1952.

من ناحية أخرى؛ أود أن ألفت إلى أن ما يشير إليه ضمنيًا الهواري وزايد من شيوع روح الخنوع بين النخب السياسية والثقافية المصرية، هو وجه واحد فقط. الوجه الآخر المكمل هو الراديكالية اللفظية الفارغة (التي لا تكتمل بفعل مثلما يمكن استخلاصه من الهواري، أو أنها ممزوجة بتعبير عن الامتعاض وفقًا لزايد). كلا الوجهين يكملان بعضهما؛ فالاستنكاف عن الفعل يعوضه خطاب راديكالي أجوف لا يستند لوقائع الحياة وموازين القوى. والخطاب عالي الصوت يوازن شلل الفعل.

يجسد موقف النخب السياسية والثقافية من القضية الفلسطينية هذه الازدواجية بشكل مثالي. فرغم أنها تعتبرها القضية المركزية التي تعلو كل القضايا، إلا أنَّ عجزها عن الفعل بلغ حد التطبيع مع اعتقال مئات المصريين لثلاث سنوات متصلة بسبب تضامنهم مع الأبرياء من ضحايا حرب الإبادة. ولكن يُلاحظ أن هذه النخب تعوض العجز عن الفعل بخطاب صاخب وحاد (غير مؤثر) ضد التواطؤ الدولي (بصرف النظر عن مشروعية هذا النقد). المقارنة قد تكون أكثر إيلامًا، إذا أجريت مع حيوية نخب سياسية وثقافية وإعلامية وفنية في إسرائيل، وكيف نجحت في تجسيد موقفها من حرب الإبادة، وكيف كان لها صدى دولي مؤثر!

بل إن المصريين كانوا قادرين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي على تجسيد تضامنهم مع الشعب الفلسطيني رغم الاحتلال البريطاني، ونجحوا في تنظيم أول مؤتمر تضامني شعبي عربي في القاهرة، لكنهم باتوا مشلولين في القرن 21، في الوقت نفسه الذي تحولت فيه ميادين وجامعات أوروبا وأمريكا لساحات تشتعل بالتضامن وتغير توجهات حكوماتها.

هذا النمط المصري مزدوج الوجه هو ما يمكن توصيفه كوطنية بدائية كما وصفها جورج أورويل. وطنية ذات طابع قَبَلي لا تكترث بحرية الفرد ولا بتمكين المجتمع، تكتفي بالامتعاض أو بخطاب أجوف حاد. وهذه كانت أفضل تربة لاحتضان المشروع الناصري، وكل مشروعٍ فاشيٍّ تالٍ.

من ناحية أخرى؛ كان جمال عبد الناصر أفضل تجسيد ملموس في شخص واحد لازدواجية تلك النخب السياسية والثقافية. فهو صوت هجومي صاخب بخطاب راديكالي أجوف، مع عجز شبه كلي عن خلق حقائق مادية على الأرض تخلق دولة قوية عسكريًا وتنمويًا. الاستثناء الوحيد هو قدرته اللامحدودة على تحطيم قدرات شعبه على التفكير الحر والفعل.

لقد ترك خلفه "جثة شعب"، لذا لم يؤد رحيل ناصر إلى انقشاع "المراهقة السياسية" ولا "الضجيج الفارغ" والمنظور الراديكالي السطحي لمصر وللمنطقة العربية وللعالم الذي كان يثير قلق وحيدة. يبدو أنه مازال مهيمنًا على السيكولوجية السائدة لدى أغلبية النخب السياسية والثقافية (علمانية وإسلامية) في مصر.

على سطح الجدال العام بين المصريين يبدو كما لو كان هناك هُوَّة يستحيل تجسيرها بين من يُصنّفون إسلاميين وعلمانيين (قوميين وماركسيين). بينما بمزيد من التأمل يتضح أن مظلة السيكولوجية السياسية التي تؤطرهم ليست أقل صلابة مما كانت عليه في أربعينيات القرن الماضي، بصرف النظر عن أنهم صاروا فعليًا أضعف عشرات المرّات عما كانوا عليه قبل 80 عامًا.

لنحاول تأمل أين تقف أغلبية المنتمين لهذه التيارات من:

*جماعة الحوثي في اليمن وحزب الله في لبنان والميلشيات الشيعية في العراق.

*حق شعوب اليمن ولبنان والعراق وإيران في حكم نفسها بنفسها دون وصاية قمعية مسلحة داخلية أو خارجية.

*قصف إيران لدول الخليج وفرض وصايتها على لبنان والعراق واليمن من خلال ميليشيات مسلحة تمولها وتديرها.

*أولويات هذه النخب لفلسطين؛ بين خيار البناء التراكمي المجتمعي لمقومات دولة فلسطينية مستقلة، وخيار الانتقام المسلح من الممارسات الإجرامية الإسرائيلية؟ التضامن مع الفلسطينيين أم كراهية "اليهود"/إسرائيل؟

*التضامن مع أوكرانيا أم دعم الغزو والاحتلال الروسي لها.

*ما هو نموذج "مصر" الغد الذي تحلم هذه النخب بتجسيده مستقبلًا؟ هل هو نمط مشابه لروسيا أم الصين أم إيران أم أوروبا أم كوريا الشمالية؟

إدراج نمط كوريا الشمالية ليس إفراطًا في الخيال، في ضوء أن قطاعًا ذي وزن بين هذه النخب (ماركسيين وقوميين وإسلاميين) يتبنى توجهًا فيما يتصل بنمط النظام الاقتصادي يقع على يسار الصين الشيوعية وفيتنام الشيوعية اللتين تقران بأهمية حيوية للاستثمار الخاص، بل تمنحه فيتنام الدور القيادي فوق القطاع العام. من ناحية أخرى طرح خيارات لمستقبل مصر من بين أنماط دول أخرى، هو مخرج اضطراري، نظرًا لغياب مشروع متبلور قابل للحياة لمصر الغد لدى إسلاميي مصر وعلمانييها.

تبخُّر انتفاضة يناير ليس مصادفة

لم يكن صدفة ذلك التبخر السريع خلال بضعة أسابيع للآمال التي توهجت خلال انتفاضة 25 يناير. هذا الإفلاس هو ثمرة الحرمان الهمجي للمجتمع المصري من الحوار والجدال الفكري والسياسي الحر لنحو 75 سنة متصلة.

إفلاس قريحة النخب السياسية والثقافية قد يكون خبرًا جيدًا للرئيس عبد الفتاح السيسي، لكن الانهيار المتسارع لقدرات الاقتصاد المصري والتصاعد المتسارع لمعدلات إفقار المصريين، بالتوازي مع تفاقم عُقم الحوار المجتمعي الفكري والثقافي والسياسي، يعيد تزكية السيناريو الكابوسي الذي حذر منه سبرنجبورج.

ذلك ربما يفسر لماذا يبدو وكأن الرئيس السيسي يرى ذلك السيناريو في أحلامه، حتى إنَّه بات يُحذّر من هذا السيناريو الكابوسي مؤخرًا بشكل متواتر وشبه يومي.


(*) الصول الطيار محمد رضوان وصل إلى القوات الألمانية وتعاون معها، حتى اعتقله الحلفاء في برلين وحُكم عليه بالسجن 15 عامًا، ثم أُفرج عنه بعد انقلاب يوليو وعمل في إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة - أحمد حمروش، "قصة ثورة 23 يوليو".

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.