تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
جمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي

الزعيم عريس والأمة عروسه: الوطنية الذكورية عبر الأنظمة

منشور الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026

بين "جانا نهار ماقدرش يدفع مهرها" التي كتبها عبد الرحمن الأبنودي وغناها عبد الحليم حافظ عقب هزيمة 1967، و"مصر للسيسي: زوجتك نفسي" التي كتبها محمود الكردوسي عقب انقلاب 2013، نصف قرن ظلت فيه صورة الوطن امرأةً تنتظر زعيمها، أو عريسها، لينقذها.

لكن شيئًا ما تغيّر في الطريق، فبحسب عبد الفتاح السيسي، "البلد كشفت ضهرها وعرّت كتفها" في يناير 2011. فبين "ثورة" 1952 وثورة 2011، لم تعد الأمة عروسًا مخلصة لعريسها، بل صارت امرأةً منحلَّة دعت الغرباء إلى اغتصابها، وعلى زعيمها وبعلها أن يكبت انتفاضاتها.

بعد 25 يناير 2011، شهد المجال العام في مصر طفرةً في الخطاب القومي. انخرطت وسائل الإعلام والمجلس الأعلى للقوات المسلحة والحكومة المؤقتة التي عيّنها الجيش وشخصيات عامة كثيرة في إنتاج خطاب يحدّد ما في مصلحة مصر، ومن هو الوطني الحق، ومن هو عدو مصر. واشتدت وتيرته وصولًا إلى 30 يونيو 2013.

استند الخطاب الوطني عقب 3 يوليو/تموز 2013 إلى مفهوم للوطنية والأمة يتسم بطابع جنساني/gendered ملحوظ. يجسّد الجيش في هذا المفهوم التضحية والوطنية المعبَّر عنها بـ"الرجولة"، على النقيض من الشعب/الأمة الموصوف بالأنوثة والتبعية. وانتشرت مظاهر الولع بالزعيم العسكري الأب الذكر المحبوب المبتغى، وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، في محاولة لإحياء الولع الجماهيري بشخصية الرئيس الكاريزمي جمال عبد الناصر (1954-1970)، الذي كان واحدًا من الضباط الذين نفّذوا انقلابًا عسكريًا على الملك في يوليو 1952.

أسعى هنا إلى تحليل الخطاب القومي المهيمن في عهدَي عبد الناصر والسيسي، من حيث أوجه التشابه والاختلاف، مستعينة بمختارات من الأفلام والأغاني في عهد عبد الناصر، والأغاني والرسوم الكاريكاتورية والمقالات والتصريحات التي انتشرت قبل انقلاب 2013 وبعده.

تباينت الوسائط التي وجّهت عبرها الدولة دعايتها في العهدين. ففي عهد عبد الناصر لعب الراديو والتليفزيون دورًا مركزيًّا في إنتاج خطاب سياسي شعبي، بسبب ارتفاع معدلات الأمية، إلى جانب الأغاني والأوبريتات الوطنية التي أُنتِجت للتعبئة الجماهيرية، وكانت السينما وسيطًا فعالًا للدعاية والإنتاج الأيديولوجي. 

أما اليوم فتحتل وسائل الإعلام الرسمي مكانة أقل مركزية مقارنة بالسوشيال ميديا، لذلك ينبني هذا التحليل على مقالات نُشرت على مواقع صحفية، وصور ورسوم ونصوص متداولة، إضافة إلى أغانٍ وبرامج حوارية بُثّت على الفضائيات وأعيد نشرها على "يوتيوب".

هدفت الصور والرموز المجندَرة في الخطابين الوطنيين الناصري والسيساوي إلى شرعنة الحكم العسكري الاستبدادي وتعزيزه. لكن الأخير تميّز بالميزوجينية/misogyny، أي بنظرة سلبية إلى الأنثى بوصفها مصدر تهديد أخلاقي واجتماعي ينبغي التحكم فيه وتهذيبه، وبإسقاط تلك النظرة على الشعب لتبرير مزيد من السيطرة والإقصاء السياسي والاقتصادي.

ولا يدل لفظا "أنثوي" و"ذكوري" هنا على صفتين لهما وجود طبيعي أو أحيائي، بل على فئتين جرى بناؤهما وتخيّلهما اجتماعيًا لأغراض سلطوية. فالصفات التي يُتعارف على اقترانها بالذكر (الشجاعة، الإقدام، الحماية، المبادرة) وتلك المنسوبة تقليديًا، وبالتضاد، إلى الأنثى (الحنان، الأمومة، التبعية، الحياء) لا أساس فسيولوجي لأي منها، ولكنها نُسبت ثقافيًا إلى الذكر والأنثى لترسيخ وإدامة الهيمنة الذكورية وتوزيع الأدوار التقليدي بين الجنسين. 

ومن ثم جاء مصطلح جنساني، أي المصطبغ بذلك التضاد المتخيَّل، الذي يضع الرجل في مكانة العقل والتفوق والحرية والاستقلال، والمرأة في مكانة الانفعال والتبعية والاحتياج والعجز.

الأمة امرأةً: جذور استعارة قديمة

بيّنت دراسات الجندر وما بعد الاستعمار، منذ ثمانينيات القرن العشرين، أن الأيديولوجيا القومية جنسانية بطبيعتها، رغم تفاوت السياقات الجغرافية والتاريخية. فهي من ناحية تستدعي أشكالًا قائمةً من علاقات القوة بين الجنسين، لتصنع منها رموزها، ومن ناحية أخرى تخلق القومية الفروق بين الجنسين في المجال الاجتماعي وتعززها.

وتخيُّل الأمة المصرية امرأةً واستخدام الاستعارات الأسرية في الخطاب القومي ليسا بالأمر الجديد. فقد أظهرت المؤرخة بيث بارون أن ذلك بدأ مع أول تجليات القومية المصرية في أواخر القرن التاسع عشر. بالطبع لا تقتصر الظاهرة على مصر. لكن ثمة تنوعًا في توظيفاتها ودرجات تقبّلها. ومن هنا تأتي أهمية استكشاف الطرق التي تستحضر بها القومية الاختلاف بين الجنسين، والأغراض التي تخدمها.

أشارت دراسات ما بعد الاستعمار إلى وظيفة الاستعارات الوطنية ذات الطابع الجنساني في حشد الجماهير، خاصة في أوقات الحرب. فيُحشد الرجال للقتال والتضحية بالنفس وفاءً بدورهم الذكوري كحماة، ودفاعًا عن شرفهم المتجسد في الأرض أو الوطن الأنثى المهددة بالاغتصاب.

رأت الدراسات مشروع هيمنة يقوده مثقفون مستعمَرون لإخضاع الجماهير المحلية. فقد بُرّرت الهيمنة الاستعمارية بثنائيات استشراقية تُترجم إلى ثنائيات جندرية: غرب ذكر فحل في مقابل شرق أنثوي منحط، أو الرجل الإنجليزي الرجولي المقدام في مقابل الرجل المستعمَر المتأنّث المخنّث. وبدل رفض هذه الثنائيات، أسقطتها النخب المثقفة المحلية على علاقتها بجماهير بلدانها. فكان في أداء ذكورتها محاولة لإثبات أهليتها لتشكيل رعية وطنية حديثة وقيادتها، وبالتالي إثبات قدرتها على الحكم الذاتي.

الخطاب نفسه يمكن أن يُستخدم لغرض معاكس، هو تدجين المجتمع ومقاومة تسيّسه وإخضاعه للحكم الاستبدادي. يحدث ذلك خاصة حين يصعد إلى سدة الحكم نظام عسكري بعد حراك جماهيري ثوري، كالذي شهدته مصر قبيل انقلابي يوليو 1952 ويوليو 2013، وتكون الأداة إسقاط الثنائيات الجنسانية على العلاقة بين الدولة والمجتمع.

بالفعل اتسمت صيغ الوطنية المصرية المناهضة للاستعمار بصور وسرديات ذكورية. فطوال فترة ما بين الحربين العالميتين وما بعد الحرب، صوّر الخطاب الوطني المهيمن الشباب المتعلمين ذكورًا مقدامين، على النقيض من الأجيال الأكبر سنًا والفقراء وغير المتعلمين الذين صُوّروا إناثًا تابعات خانعات.

وواكب هذه السردية التصوُّر الأبوي للأمة كعائلة، أي كوحدة بيولوجية يعمل فيها الاختلاف بين الجنسين على تعزيز مصالح المجموعة ككل. ما يعني أن التطرق إلى الاستغلال الداخلي كان يُنظر إليه بطبيعة الحال بوصفه مثيرًا للانقسام وغير وطني. فأعربت النخبة الوطنية الشابة آنذاك عن نفورها من السياسة البرلمانية والتعددية الحزبية، وعن تفضيلها العسكرة باعتبارها الشكل الحقيقي للوطنية.

إذًا تعود جذور الأيديولوجيا الناصرية إلى روح ومنظور الأفنديّة في تلك الحقبة السابقة على انقلاب يوليو 1952. ورغم الاهتمام المتجدد بتحليل الأسس الأيديولوجية للنظام الناصري والقومية العربية وعبادة عبد الناصر، لم ينل الطابع الجنساني الملحوظ للسردية القومية في عهد الضباط الأحرار، وأثره في إضفاء الشرعية على هرمية السلطة، اهتمامًا كافيًا من الباحثات والباحثين.

يمكننا أن ننظر إلى أبوية القومية الناصرية، تجاه النساء والرجال الرعية التابعين على السواء، بوصفها استمرارًا للروح الاجتماعية والسياسية للنظام السياسي الليبرالي-القومي الذي سبقها. ومع ذلك فإن خصوصيات الخطاب الجنساني في عهد عبد الناصر يجب أن تُحلَّل في حد ذاتها، باعتبارها مجموعة من الصور والرموز التي شرعنت القضاء على التعددية السياسية، وعززت الحكم الاستبدادي وعبادة القائد العسكري. وقد تركت أثرًا غائرًا في الذاكرة الجمعية والمخيلة الوطنية إلى حد مكّن من استحضارها مجددًا بعد ستة عقود، في عهد السيسي، على ما ترصد داليا سعيد مصطفى في دراستها عن الجيش في الثقافة الشعبية.

لكن الخطاب القومي بعد انقلاب 2013 قام على ثنائية أبوية مستجدة، تفصل بين أمة نقية مخلصة أنثوية مجردة في جانب، وشعب أنثوي أناني عقيم جامح منحط في الجانب المقابل. فتأنيث الأمة صميم منطق الحماية الذكورية الذي هو عماد القومية، لكنه يزداد حدة وعدوانية في أوقات الشروع في شرعنة الديكتاتوريات العسكرية. إذ تُقدَّم صورة الأمة في إيجابية ترغيبية، أمًّا كريمة حكيمة مضحية بنفسها، وحبيبة عفيفة متفانية في مساندة الزعيم الذكر الأب الحبيب.

صيرورة فصل مصر عن المصريين، التي تجلّت بعد 2013 في مصطلحات جنسانية معادية للشعب المرأة الجامحة المنحطة أخلاقيًا، كانت قد ظهرت بوادرها في قومية عصر الانفتاح الإقصائية للطبقات الأدنى. ففي الفترة التي تلت حرب أكتوبر 1973 تراجعت مفردات الذكورية العسكرية في الخطاب الوطني، وركّزت القومية في المقابل على قضايا الأصالة والحداثة والهوية الوطنية.

يمكن تفسير ذلك بطبيعة الاقتصاد السياسي في ذلك العهد. فقد أضرّ الانفتاح الاقتصادي بوضع المثقفين الاجتماعي، فسعوا إلى تعظيم قيمة رأسمالهم الثقافي الذي يتميزون به، أي التعليم، لمواجهة الصعود الطبقي للشرائح الأدنى، وعدّوا ذلك الصعود تهديدًا للهوية والثقافة المصرية، سواء لتقاليدها أو لآفاق تحديثها.

لكن الحراك المجتمعي الذي انفجر في 2011 هدّد الوضع القائم وامتيازات الطبقات الحاكمة، فدفعها إلى استدعاء الوطنية الذكورية من جديد، بل والميزوجينية، تعويضًا عن افتقارها إلى مشروع اقتصادي سياسي عدا المزيد من "الانفتاح" وانحسار دور الدولة الاجتماعي.

من أمة مُهانة إلى عروس سعيدة

فور وصول الضباط الأحرار إلى السلطة في يوليو 1952 سعوا إلى القضاء على سبل المشاركة السياسية. ألغوا نظام التعددية الحزبية، وقمعوا الإخوان المسلمين والشيوعيين والمنظمات الطلابية والعمالية المستقلة. وبُرِّر تجريد الشعب من إرادته السياسية بخطاب أسقط عليه الصفات المحمودة للأنوثة، كالتبعية والإخلاص، في مقابل الإرادة الذكورية للقيادة العسكرية التي انفردت بحق تفسير إرادة الشعب ومصلحته وممارستهما.

وصُوّرت محاولات ممارسة الإرادة الثورية من خارج القيادة العسكرية خيانةً للشعب، الذي قيل إنه عَهِد إلى القائد بالتصرف نيابة عنه. فاختُزل الشعب إلى مجرد مؤيّد محب في علاقة قوة أحادية. ووُصف بالأنثوية في مقابل ذكورة القيادة، لا في خطاب النظام ودعايته فحسب، بل في الثقافة الجماهيرية والخطاب العام أيضًا.

صوَّرت الأغاني والأفلام الشعبية في تلك الحقبة الأمة في حالة اعتماد كلي على الجيش، لا إرادة لها إلا من خلاله. فأغنية ع الدوار (1952)، التي غناها محمد قنديل، من أوائل تلك الأغاني. احتفت بالانقلاب وبتولي الضباط الأحرار السلطة بوصفه خبرًا سارًا ورد عبر الراديو، أي أن الخبر وصل إلى الشعب، وهو موضوع "الحركة المباركة"، في غياب تام للشعب نفسه كفاعل.

في الأداء الخطابي لهذه القومية الذكورية تحتل لغة الشرف والعار والاغتصاب والانتقام مكانة مركزية. فيُشار إلى سلامة الأمة بـ"العِرض"، أي بحصانة الجسد الجنسي للمرأة التي يعتمد عليها شرف الرجل. وقد حفلت أغنية عبد الوهاب نشيد الحرية (1952)، من كلمات كامل الشناوي، بهذه الاستعارات، وكانت النشيد الوطني من 1952 إلى 1960. تروي العار والإذلال اللذين قاستهما الأمة قبل أن يخلّصها الوطني العسكري، وتخاطب الرجل الذي يكمن شرفه في امتلاك مصر بالكامل والحفاظ على حصانتها الجسدية/الجنسية:

"عرضك الغالي على الظالم هان و مضى العار إليه وإليك

أرضك الحرّة غطاها الهوان و طغى الظلم عليها وعليك"

رددت أفلام كثيرة من زمن عبد الناصر تلك الإسقاطات الثنائية، لتعبّر النزعة العسكرية فيها عن الرجولة المثالية للبطل الذي تقع في حبه الفتاة مثالية الأنوثة التي ترمز للشعب. مثلًا في أفلام في بيتنا رجل (1961) ولا وقت للحب (1963) والباب المفتوح (1963) تقع البطلة في حب فدائي، ويظهر في الفيلم رجال آخرون يفتقدون إلى رجولته، تأكيدًا لما يميزه عن نقيضه: أولئك غير المستعدين لحمل السلاح ضد الاحتلال البريطاني. ويُصوَّر الفدائي دائمًا شابًا مثقفًا، عادةً ما ينظّم الوطنيين من الطبقات الفقيرة ويوجّههم. والأهم أن النزعة العسكرية والتضحية الوطنية جانبان أساسيان من ذكورته وجاذبيته الجنسية.

في "لا وقت للحب" نرى الفدائي حمزة رجلًا جذابًا تقع في حبه البطلة فوزية، رغم أنه لا يحاول كسب حبها لانشغاله بالقضية الوطنية، كما يوحي عنوان الفيلم. ويتباين الفدائي جسديًا وأخلاقيًا عن الرجال الآخرين غير المستعدين للقتال أو للتضحية براحتهم ومصالحهم الأنانية. فصديقه بدير رجل بسيط ممتلئ الجسد كسمة الإناث، منشغل بالأعمال المنزلية، حتى إنه يحب خبز الكعك، ونراه أنانيًا عاجزًا عن تقدير أهمية تضحية الفدائي بنفسه. لكن الأهم أنه يُصوَّر ناقص الرجولة، فلا يلقى حبه للبطلة تجاوبًا. يجسّد بدير الرجل غير الذكوري، بينما يمثّل حمزة الفدائي الوطني الذكوري المثالي، وتُبرز هذه التناقضات طوال الفيلم.

ومن ناحية أخرى، تكتشف فوزية معنى الوطنية من خلال حبها لحمزة وعزمها على دعمه في خططه العسكرية، حتى وإن أخفى عنها تلك الأسرار الخاصة بالرجال. تتجلى وطنيتها في دعمها غير المشروط للوطني العسكري الفاعل، الذي هو أيضًا بعلها على نحو واضح.

تنتج هذه التضادات صورة مثالية للقائد العسكري. فهو يجسّد الذكورة، وهو صاحب المبادرة الأوحد، والأهم أنه مرغوب من نساء الأمة. ومن هنا تأتي عبادة الزعيم أو كاريزماه، الذي صُوّر الفدائي الأمثل: الوطني الذكر المضحي بنفسه، الذي يدين له الشعب المؤنث بحبه ودعمه غير المشروط.

وأدت محاولة اغتيال عبد الناصر في أكتوبر 1954، فيما عُرف بحادث المنشية، إلى ظهور سلسلة من الأغاني تغذّي عبادة الزعيم باعتباره المنقذ الذي ضحّى بحياته وراحته من أجل الأمة. من أبرزها أغنية عبد الوهاب تسلم يا غالي (1954)، من كلمات عبد المنعم السباعي:

"صحّيت بلادك من نوم طويل و كان جهادك مالوش مثيل

كان مُرادك ما تشوف ذليل

تحميك قلوبنا .. أصلك حبيبنا

تسلم تسلم تسلم يا غالي…"

بذلك تصير العلاقة بين الحاكم والمحكومين علاقة عضوية من الحماية والولاء. وتتمادى أغنية إحنا الشعب (1956) في تلك الاستعارات، فتصف كلمات الشاعر صلاح جاهين تلك العلاقة من منظور الحب الزوجي: "يا حلاوة الشعب وهو بيهتف باسم حبيبه… مبروك ع الشعب خلاص السعد هيبقى نصيبه"، أو من منظور الحب الأبوي: "احنا حياتك وابتساماتك وانت حياتنا… احنا بنفرح وانت بتفرح من فرحتنا… كل ما نكبر قلبك يكبر بمحبتنا"، وتشكر الكلمات عبد الناصر على تضحيته من أجل سعادة الشعب: "يا اللى بتسهر لاجل ما تظهر شمس هنانا ".

كما تتجلى استعارة الحب والزواج في أغنية عبد الوهاب والله وعرفنا الحب (1966) كلمات الشاعر حسين السيد:

"أكبر من ده حب ما فيش غير حب الله وحبيب الله… 

وياك انت اتعلمناها… ثورة حب ونور وسلام… 

معنى جديد فى الحب يا بلدي… ياما شقينا علشان نلاقيه"

اشتدت الاستعارات المؤنِّثة للشعب بعد هزيمة يونيو 1967، فصوّرت عبد الناصر عريسًا منشودًا أو زوجًا جديرًا بالإخلاص رغم العثرات والنكسات. فكما في الإخلاص الزوجي، وجب أن يكون الولاء له "في السرّاء والضرّاء"، في الانتصار أو الهزيمة. فكتب الشاعر عبد الرحمن الأبنودي عدّى النهار لعبد الحليم حافظ عقب الهزيمة مباشرة: "و بلدنا ع الترعة بتغسل شعرها… جانا نهار مقدرش يدفع مهرها". أدّى هذا التأنيث وتصوير الأمة كعروس إلى تقليص دور الشعب إلى دور داعِم للزعيم، مثل المرأة التي تحب رجلًا وتتوق إلى أن يتخذها زوجة، حتى لو كان عاجزًا بسبب صعوبة مؤقتة (ماقدرش يدفع مهرها).

وحين أعلن عبد الناصر قراره بالتنحي بعد الهزيمة، خرجت جماهير مؤلَّفة إلى الشوارع للضغط عليه للتراجع. وبهذه المناسبة غنّت أم كلثوم حبيب الشعب، من كلمات صالح جودت، مخاطبةً عبد الناصر في احتجاج:

"قم واسمعها من أعماقي

فأنا الشعب

ابق فانت السد الواقي لمنى الشعب

ابق فأنت الأمل الباقي لغد الشعب" 

تُظهر الاحتجاجات ضد استقالة عبد الناصر، كما يحاجج شريف يونس، مدى القناعة الجماهيرية التي نتجت عن سنوات من الدعاية والأدلجة الدولتية، بأن وجود الأمة المصرية يعتمد على زعيمها، وأن كرامتها وسعادتها هبة منه. وأزعم علاوة على ذلك أن التخيّل الجنساني لعلاقة الأمة الأنثوية بقائدها الذكوري هو ما جعل الولاء والحب للأب/القائد أمرًا طبيعيًا، مهما انهزم أو فشل. كتبت الروائية لطيفة الزيات في مذكراتها أنها بكت عند رؤية جنازة عبد الناصر وصاحت: "لا يحق لفرد أيًا كان أن ييتِّم شعبًا". شعرت الأمة بأنها يتيمة بدون أبيها، بل وشعرت أنها أرملة بدون عريسها ورجلها عبد الناصر.

وطن ولّاد… لشعبٍ جاحد

في أعقاب الانقلاب العسكري ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، قدّمت القيادة العسكرية نفسها منقِذةً مصر من مؤامرة عالمية، ودعت جميع المصريين إلى التوحد خلفها. واعتُبرت المعارضة السياسية وانتقاد القيادة فعلًا غير وطني وغير مسؤول، فئويًا وأنانيًا، خاصة بالنظر إلى حجم المؤامرة العالمية المزعومة ضد مصر، وإلى أهمية الجهود التي يبذلها الجيش لإحباط الخطة الرامية إلى "تركيع مصر".

وصُوّر الجيش مرة أخرى على أنه الكيان الوحيد الوطني المتفاني غير المسيّس، على عكس القوى السياسية المدنية غير الوطنية والانتهازية، التي تُشبَّه بالمرأة التي تعرّض حصانتها الجسدية للخطر وتحتاج إلى رعاية وتأديب وكبح مستمر لنزواتها. استُخدمت الثنائيات الجندرية مجددًا للحفاظ على علاقة القوة بين الجيش والمدنيين وتعزيزها، وإخضاع المدنيين التام للقيادة العسكرية. فالجيش هو السبيل الوحيد للأمة المدنية المؤنثة كي تفعّل إرادتها، وهو الحاجز الوحيد ضد مؤامرات الأعداء في الداخل والخارج.

ووصفت الأغاني والأعمدة الصحفية الإطاحة بمرسي إنجازًا عسكريًا شجاعًا أنقذ الأمة من فوضى تسبب فيها المدنيون الأنانيون. فأوبريت تسلم الأيادي، الذي انتشر على نطاق واسع بعد الانقلاب وغنّته جوقة من مغنين جماهيريين معروفين، صوّر الجيش حجر أساس الوطنية، وشكره على نجدة الأمة وإعادة كرامتها. في المقابل، انخرطت وسائل الإعلام الرئيسية والخطاب الرسمي في تصوير انتفاضة يناير 2011 لحظةَ فوضى وانعدام قانون عرّضت الأمن القومي والسيادة للخطر، وصار من شاركوا فيها ودعموها يجسّدون الأنوثة السلبية، ويُحَطّ من شأن المعارضين، نساءً ورجالًا، فيُصوَّرون "مخنّثين وديوثين" أو منحرفين جنسيًا وساقطين أخلاقيًا.

أوبريت تسلم الأيادي، كلمات وألحان مصطفى كامل (2013)


وكانت هناك محاولات لاستحضار الولع بالقائد العسكري في عهد عبد الناصر، ولو حققت نتائج محدودة. ففي "تسلم الأيادي" تصف كلمات مصطفى كامل الفريق أول عبد الفتاح السيسي بـ"البطل" و"الرجل الجريء" الذي ضحّى بنفسه لإنقاذ الأمة معرّضًا حياته للخطر: "تسلم ياللي رفعت رايتها ان شالله تكون نهايتها حياة أو موت". وشبّهت الأغنية الانقلاب بالعبور في حرب أكتوبر 1973، أي أن الجيش أو القائد العسكري عَبَر بمصر إلى النصر بالانقلاب على مرسي، فكان الوحيد القادر على أن "يعدّينا" وأن "ينصر مصر". والجيش هو "حامي مالي وحامي عرضي".

ومجددًا شُبّه إنقاذ الأمة واعتلاء كرسي حكمها بقرار أحادي الجانب من رجل بطل، بأن يتخذ الأمة عروسًا، يدفع مهرها ويحملها على ذراعيه إلى حياة الهناء: "تسلم ياللي شايلها.. ياللي حلفت لترد جميلها وقلت المايله لازم تعدلها". فالمنقذ العسكري هنا هو من يعدل المائل، ومن يقرر الخير لمصر ويصحح أخطاء الأمة و"يرسم لها الطريق".

للتأكيد على تلك الثنائيات الجندرية، تصف الأغنية المنقذ العسكري بأنه "راجل وابن راجل". وفي المقابل تنعت الأمة أو "مصر" بصفات الأمومة، وتشكرها على ولادة البطل: "تسلم البطن اللي شالت قلب أقوى من الحديد". إذًا يقترن فعل القائد العسكري الوطني الذكوري بأنوثة مصر، التي توصَف بأنها "ست الكل"، وترمز لها الأم والأخت و"القلب النقي". فتصبح الأمة الكيان الأنثوي الداعم للفاعل السياسي الذكر، الذي تكمن قيمتها العليا في دورها منتجةً بيولوجيةً للرجل المصري الوطني، وفي ولائها غير المشروط للذكر القائد.

وتظهر هذه التصورات في رسوم رسام الكاريكاتير مصطفى حسين (1935-2014) المنشورة في صحيفة "الأخبار" الحكومية. ففي أحدها يُصوَّر السيسي في هيئة سوبرمان يرتدي كابًا عسكريًّا، يحمل امرأة ضاحكة ترتدي زيًا ريفيًا أخضر تمثل مصر.

كما تعددت الرسوم التي أظهرت مصر امرأةً واقعةً في حب السيسي. في إحداها تجلس وتنتظر صناديق الاقتراع حتى تتمكن من التصويت له. وفي أخرى تروي لمذيع تليفزيوني أنها لم تستطع تحمّل العيش مع زوجها السابق، مرسي، وأنها تمكنت من الطلاق منه في 30 يونيو 2013، بينما تبدو فخورة وسعيدة إذ وقع عليها اختيار زوج أكثر جدارة.

وفي أعمدة الصحف نجد عناوين تجسّد الاستعارة الزوجية نفسها، كعنوان مقال محمود الكردوسي في مجلة "7 أيام": "مصر للسيسي: زوجتك نفسي".

أما خارج نطاق الصحافة ووسائل الإعلام الرئيسية، فتعددت الصور المتداولة على السوشيال ميديا والملصقات التي انتشرت في المحال التجارية، واصفةً السيسي بصريًا وخطابيًا بمصطلحات الرجولة والجاذبية الجسدية، والوطنَ بالعروس، كامرأة واقعة في حب عريسها. في أحد هذه الملصقات يُصوَّر السيسي ممتطيًا حصانًا، يحمل امرأة ترتدي فستان زفاف أبيض برأس توت عنخ آمون، ويحمل الملصق جملة "ريس دكر، عروسة قمر".

لكن السردية القومية في عهد السيسي تختلف عن سلفها الناصري في نقطة مهمة. فبعد أن أطاح الجيش بأول رئيس منتخب ديمقراطيًا، بعد عامين من أكبر حراك جماهيري من أجل الديمقراطية في تاريخ البلاد، سعى النظام المدعوم من الجيش إلى إضفاء الشرعية على نفسه بتصوير معارضيه أعداءً للأمة وعملاءَ لمؤامرات خارجية ضد مصر لا يعلم بها أحد سوى الجيش وأجهزته الاستخباراتية. أو، على أفضل تقدير، بيادقَ يُحرَّكون في تلك المؤامرات عن جهل منهم وغفلة عن الأمور المعقدة والشؤون الخفية، وهي سمة أنثوية يقابلها فهم و عقلنة الذكور للتعقيد.

علاوة علئى ذلك، دفع تبنّي النظام سياسات اقتصادية فاقمت التفاوتات الاجتماعية وأفقرت معظم السكان، بالإضافة إلى محاولة تشويه مطالب العدالة الاجتماعية التي كانت في صميم حراك يناير. فازداد تصوير منتقدي النظام وسياساته الاقتصادية على أنهم غير وطنيين وجشعون وناكرون للجميل، باستخدام استعارات ميزوجينية معادية للمرأة.

أصبحت مصر، الأم والزوجة الصالحة لرب البيت، كيانًا مجردًا خاليًا من الناس؛ أمة عريقة مجيدة فريدة، كانت عزيزة فيما مضى لكن حالتها الحالية مزرية، ويرجع ذلك أساسًا إلى جشع المصريين وحماقتهم. يستخدم السيسي في خطاباته مصطلح "المصريين" الموضوعي، عوضًا عن مصطلح "الشعب" المفضّل لدى عبد الناصر بما يحمله الأخير من دلالات اشتراكية. وقد صرّح في عدة مناسبات بأن المصريين يطالبون مصر بالكثير، وحثّهم على العطاء لمصر بدلًا من المطالبة، فرسم بذلك صورة لمصر يقع فيها المصريون خارجها ويستغلونها. ففي حواره مع الإعلاميّين إبراهيم عيسى ولميس الحديدي وقت ترشحه للرئاسة في 2014، وبّخ المصريين ردًا على سؤال حول الظروف الاقتصادية الصعبة: "هتاكلوا مصر يعني؟ يعني هتموتوها يعني؟!".

وعندما شنّت الدولة عام 2017 حملة لمصادرة أراضٍ اعتبرتها ملكًا عامًا احتلّه أفراد بطريقة غير شرعية، صرّح السيسي بغضب: "(الأراضي) دي مش بتاعتك. دي بتاعت مصر. مش بتاعتنا. مش من حقي أديهالك". بذلك تصبح مصر منفصلة عن سكانها الحاليين، ويصبح حب السيسي لها شأنًا خاصًا، حيث يظهر المصريون غير الداعمين جشعين وناكرين للجميل ويستنزفون أمهم مصر. 

وكان مصطفى حسين قد عبّر عن هذا التصور للشعب باعتباره عبئًا على مصر، في كاريكاتير صوّر مصر بقرة هزيلة تبكي، والشعبَ أيادي تمسك بأوعية، تطالب بجشع بمزيد من حليبها.

تُسقَط الثنائيات الجنسانية والجنسية على العلاقة بين جيش نبيل وشعب رديء. فأولئك الذين لم يدعموا الجيش والقائد حُقّروا وصُوّروا إما رجالًا منتقصي الرجولة، غير قادرين وغير راغبين في حماية نسائهم، أو نساءً غير شريفات: جامحات، مخزيات، وعقيمات. وتتضح تلك الإسقاطات بقوة في قصيدة نساؤنا حبلى بنجمك للشاعر مختار عيسى، الموجَّهة إلى السيسي والتي تضمنت الأبيات التالية:

"يا كم قصصنا للصغار حكايتكْ… 

نورا يزغرد في الحَلكْ

فتزفنا خضرا إلى أسمائنا الأولى

وتفك أسر أميرتكْ"

تقارن القصيدة بين مخلِّص رجولي فحل أتى ليفك أسر أميرته، وشعب فاشل مخزٍ مخنث، ليس فقط لأن رجاله إناث تحيض، بل لأنه فشل حتى في أن يكون أنثى خصبة منجبة: "رجالهم حاضوا، فما خاضوا". ثم يخاطب الشاعر السيسي باعتذار: "لا تبتئس إن كنت قد ناديتهم فوجدتهم خِرقًا تمسّح وجه خيبتهم".

كذلك أشادت الصحف بفعل السيسي الرجولي في الإطاحة بالرئيس المدني، مشوّهةً في الوقت نفسه صورة الشعب أو المجتمع المدني بتصويره سلبيًا وناكرًا للجميل ومؤنثًا. فذهب الكاتب محمود الكردوسي في أعمدته بصحيفة "الوطن" إلى أن الشعب المصري لا يستحق تضحية السيسي؛ فهو ليس فقط شعبًا يصعب حكمه لحالته المزرية على جميع الأصعدة، بل والأسوأ أنه غير ممتن بما يكفي لمنقذه. فكتب الكردوسي في مقال بعنوان "السيسي مجوّعك؟ اعمل ثورة واشربها على معدة فاضية":

"هذه الخرابة، بفسادها وترهّلها وإعلامها ونخبتها وإخوانها وسلفييها، وَرَثها عبد الفتاح السيسى، مضافًا إليها خراب 25 يناير، الذى فجّر كل عورات المواطن المصرى الكامنة، من فوضى وانفلات وتنبلة وقلة أدب".

اتهم الكردوسي إذًا حراك 25 يناير بكشف "عورة" المواطن المصري، التي تتكون من جميع الصفات المخزية لهذا الشعب، ما يجعله غير مستحق لحكم رجل وطني مثل السيسي. وفي مقال آخر بعنوان "كل 25 يناير وأنت مضحوك عليك"، كتب أنه لم يعد يثق في "هذا الشعب" الذي في رأيه "لا يستحق كل هذا التقديس"، ووصفه بالكائن الغامض المتوحش المنفلت، ثم خلص إلى أن "الشعب كان وسيظل ركوبة الحاكم وبيزنس النخبة وعدو نفسه".

وبينما يُصوَّر المصريون سببًا وراء حالة الركود التي تعانيها مصر، تُمجَّد مصر الأم المجردة أمةً فريدة عظيمة، بل أفضل أمة على الإطلاق. فديباجة دستور 2014، الذي صيغ بعد انقلاب يوليو 2013 بفترة وجيزة، تصف مصر بأنها "هبة المصريين للإنسانية"، و"قلب العالم كله وملتقى حضاراته وثقافاته"، و"أروع آيات الحضارة". لكن هذا التمجيد اقترن في الخطاب نفسه بازدراء المصريين، خاصة المعارضين منهم ممن أمَلوا في نتائج ثورة يناير أو شاركوا فيها، فأصبحوا يتصفون بجميع سمات المرأة منحدرة الأخلاق، إلى حد مقاومة سلطة رب الأسرة.

ويجسِّد هذا التأنيث السلبي تصريح للسيسي في خطاب وجهه إلى الجيش في ذكرى حرب أكتوبر سنة 2019. ففي معرض تعليقه على الصعوبات التي تواجهها مصر في التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا بشأن بناء سد يهدد إمداداتها من المياه، ألقى باللوم على انتفاضة 25 يناير، معلنًا أنه "في 2011 البلد كشفت ضهرها وعرّت كتفها.. فأي حاجة تتعمل بقى… ولو ماخدتوش بالكم هيتعمل فيكم أكتر من كده"، واصفًا الحركة الثورية من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بأنها دعوة من امرأة منحلة للغرباء لاغتصابها.

وكانت رسوم مصطفى حسين قد سبقت هذا التصريح إلى الصورة نفسها. فصوّر أحدها المظاهرات في الشوارع (الوقفات الاحتجاجية) امرأةً تحتج على نوم زوجها، بمظهر يوحي بأنها تطالب بممارسة الجنس.

كما صُوّر حراك قطاعات بعينها في المجتمع لرفع مطالب مهنية أو اقتصادية، وهو ما وُصف في الإعلام بـ"المطالب الفئوية"، على أن أصحابه يجرّدون مصر من ملابسها ويجعلونها عُرضة للاغتصاب، بدلًا من أداء دورهم الذكوري في الدفاع عنها وحماية "عورتها"، كما في أحد رسوم مصطفى حسين لجريدة "الأخبار".

أما تأثير هذا الإطار الجنساني والأبوي، الذي بُنيت من خلاله الوطنية المصرية مرارًا وتكرارًا، وخاصة في تجلياته الأكثر ميزوجينية في عهد السيسي، على الممارسات الأبوية والذكورية اليومية في الحيزين العام والخاص، فذلك موضوع جدير بدراسات أخرى.

لكن المؤكد أنه مع تزايد هزيمة الموجة الثورية وإسكاتها لصالح القومية الأبوية المهيمنة، بلغ التحرش الجنسي في الحيز العام ذروته، خصوصًا الموجَّه ضد الناشطات في ميدان التحرير. وفي مارس/آذار 2011 أجرى الجيش فحوص عذرية لناشطات اعتُقلن في الاحتجاجات، مؤكدًا الربط بين الاحتجاج والرغبة في المشاركة السياسية من جهة، والانحلال الأخلاقي والجنسي من جهة أخرى. وهو ما دافع عنه السيسي حين كان رئيسًا للمخابرات الحربية وقائدًا لأفراد القوات المسلحة الذين اضطلعوا بالفحوصات بناءً على توجيهاته، بحجة "حماية الجيش من اتهامات محتملة بالاغتصاب". أي الرغبة في إثبات عدم عذرية المتظاهرات دليلًا على انحطاطهن، ودفاعًا عن "شرف الجيش"، بغض النظر عما يتضمنه فعل الكشف عن العذرية نفسه من اغتصاب.

بذلك صوّر السيسي كشوف العذرية فعلًا ينطلق من الحرص على شرف الرجال الوطنيين، من خلال انتهاك أجساد النساء المعارضات. ومن الواضح أن الخطاب الوطني الذكوري شرعن كل أشكال العنف الموجه إلى النساء اللواتي طالبن بالتمثيل السياسي والوجود في الفضاء العام، متحديات بذلك أساس القومية الأبوية من ناحية، والسلطة الأبوية في الأسرة من الناحية الأخرى.

هكذا تُنتَج ثنائية جديدة بين الأمة المجردة، كأم وأنثى عفيفة مخلصة مطيعة وداعمة بلا شروط، والشعب المحتج، كامرأة منحلة جامحة مخزية مفرطة النزعة الجنسية، كامرأة تشتهي الاغتصاب، كعدوة نفسها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.