لماذا لم يخلقني الله بطريقًا؟
هل كان بإمكان نصائح أبي أن تُغيِّر سيناريو 3 يوليو؟
"مصر حرة.. الجماعة برة"
يسمع أبي الهتاف بمجرد اتصالي به بعد بيان القوات المسلحة مساء 3 يوليو/تموز 2013، وأنا أقفُ في صفوف الفَرحين بسقوط حكم الإخوان أمام قصر الاتحادية. وعبر الموبايل، تصلني مع صوته أصواتُ الحشود الغاضبة المعتصمة في رابعة العدوية وهي تحاول استيعاب صدمة السقوط. "يسقط يسقط حكم العسكر".
أسألُ أبي: ايه الموقف عندك؟
يجيب: الغضب لا يبشر بخير.. وأنتِ؟
أرد: الفرحة لا توصف. ثم أسأل: ألا يشعر قادة الجماعة بالندم لأنهم لم يستمعوا لك ولا لأي صوتٍ عاقلٍ حاول إبعادهم عن هذا المصير؟
يجيب مجددًا: واجب الوقت ليس الحساب، بل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه فلا تكون سوادًا على الكل. وواجب اللحظة إيجاد طريقة لإقناع المسؤول عن المدرعات والسيارات التابعة للجيش والشرطة المحيطة بالمعتصمين في رابعة العدوية بالابتعاد مسافة كافية تضمن عدم الانجرار لاشتباكات مع المعتصمين، فالغضب في هذه اللحظة يمكن أن يخرج عن السيطرة.
أَنهى الاتصال وذهب ليبحث عمَّن يمكنه التفاوض معه لإقناعه بالتراجع حتى تمر الصدمة الأولى. وبحسب رواية أبي وصديقه الذي رافقه في سعيه، وجد ضالته ونجحت محاولته لحقن الدماء حينها.
لكنَّ هذه المحاولة الناجحة ستكون الأخيرة، لأن دفع أبي حياتَه ثمن محاولته التالية لمنع نزيف الدماء والحفاظ على الأرواح. تحوّل وجهه إلى أشلاء جمعتُها بيدي ليُعيد الطبيب رسم ملامحه، لتتمكن أمي من تقبيل وجهه في وداعها الأخير قبل أن يغيب عنا إلى الأبد.
أسئلة الذكرى
مات أبي، لكنَّ الأسئلة عن احتمالات أخرى لمصيره لا تموت. أسأل نفسي قبل كتابة هذه السطور عن ذكرى 3 يوليو: هل كنت سأكتبها بينما والدي على قيد الحياة؟ لو أن أحدهم استمع له أو لأي صوت عاقل، هل كنا سنصل إلى 30 يونيو؟
كان أبي، محمد علي، واحدًا من المسؤولين في جماعة الإخوان المسلمين عن إعداد وتقديم الدراسات والرؤى وتقديرات الموقف التي تدعم التنظيم في اتخاذ قراراته، كما تولى مع آخرين تدريب وتأهيل قواعده وقادته، لا يظهر للإعلام إلا باعتباره خبير تنمية إدارية، ودوره المشاركة في البناء الفعلي للتنظيم وضمان ثباته.
الآن، عندما أستعيد تفاصيل أيام هتافي مع الغاضبين "يسقط حكم المرشد" تمامًا، كما هتفت من قبل "الشعب يريد إسقاط النظام"، لا أعلم يقينًا هل كنت أرفض حكم التنظيم بوعيٍّ سياسي خوفًا على الوطن، أم بسبب غضب متراكم منذ تفتح وعيي طفلةً في عالمٍ أنا مجبرة على الوجود فيه، لأن أبي اختار الانضمام إلى الجماعة في مراهقته، أم لعلمي بكل ما أراه من حماقات ارتكبها التنظيم منذ إسقاط حكم مبارك، واطّلعت على تفاصيلها بحكم دور أبي، أم كانت الأسباب كلها مجتمعة؟
هل أندم على مشاركتي في 30 يونيو؟ لا يمكنني تحديد مشاعري الآن. ما أعرفه أني لم أرِد أبدًا أن يحكمني تنظيم ديني سياسي، لكني بالتأكيد أيضًا لم أتمنَّ يومًا العيش في وطن يقضي فيه أخي عامه الثاني عشر في السجن دون معرفة سبب نزيف السنوات بين جدران زنزانة، بعد إلقاء القبض عليه عن طريق الخطأ، ولم آمل أن يُقتل أبي.
لم أتخيل أنني سأتعرّض، بعد عشر سنوات من مشاركتي في الهتاف ضد التنظيم، لاضطراب كرب يفقدني ذاكرتي، وأعيش سنوات مع فريق طبي يحاول علاجي، من آثار صدمات ابتلاني بها تنظيم استباح حياتي واعتبرني منذ ميلادي ملك يمين له، وأخرى قدمها لي وطني وهو يحاسبني على كوني ابنة الرجل الذي قُتل في رابعة.
لم أحلم بوطنٍ يمنعني من العمل في مؤسساته بينما يستدعيني إلى وسائل إعلامه كلما أراد مهاجمة الجماعة لأحكي عن مرارة العيش في ظلها، وعن خطورة الانتماء لتنظيمٍ ديني/سياسي. ثم سرعان ما ينتهك هذا الإعلام نفسه حياتي الخاصة بحجة أنها تشتبك مع التنظيم، فأفقد حق الاحتفاظ لنفسي بأي مساحات شخصية، ولا أملك حتى الاعتراض على سرقة صور بدون إذني أو رفض نشر شيء خاص بي. لا أملك حتى حماية كلامي من التحريف والاقتطاع والتقوّل عليَّ بما لم أقُل.
أزور أبي في المقابر وأخي في السجن ويزداد شعوري كل صباح أني رهينة في بلدي، لكني لا أسامح الجماعة أبدًا
لذلك عندما أحاول الآن البحث عن إجابةٍ صادقةٍ داخلي عن مدى فخري أو ندمي على المشاركة في 30 يونيو، لا أجد إلا صوتًا واحدًا يردد في رأسي: لماذا لم يخلقني الله بطريقًا؟ "أنا عاوزة أعيش مع البطاريق"، هناك لا مكان لتلك الأسئلة التي تُنهك الروح والدماغ.
أزور أبي في المقابر وأخي في السجن، ويزداد شعوري كل صباح أني رهينة في بلدي، لكني لا أسامح الجماعة أبدًا؛ لا على عمري الذي سُرق بين أسوارها ولا على موت أبي وسجن أخي. لا يعني ذلك أني أسامح من انتهكوني باسم الوطن، لكني لا أعرف كواليس ما يدور في غرفهم المغلقة بينما شهدت على ما كان يدور خلف أسوار الجماعة ونظامها الحاكم آنذاك.
ربما لا أملك إجابة قاطعة لسؤال: ماذا لو استمعوا لأبي الذي أخبرني عن ألف فرصة أهدرها التنظيم بإرادته، ربما كان يمكن تغيير ملامح هذا الفصل في حكاية الوطن وحكاية عائلتي.
أيام الفرص المهدرة
غزوة الصناديق التعبير الأشهر الذي يظهر في محركات البحث عندما تبحث عن التعديلات الدستورية عام 2011. صحيح أن قائلها الداعية السلفي محمد حسين يعقوب ليس عضوًا بجماعة الإخوان، لكنه كان من المتحالفين معها حينها لحشد التصويت لـ نعم، بعكس أغلب الأحزاب والحركات الأخرى والكثير من السياسيين والمفكرين.
كان رأي أبي الذي أخبرني وإخوتي به، وأَبلَغَنا أنه قدمه لقادة الجماعة حينها، هو الحفاظ على حالة الوحدة المجتمعية التي حققها ميدان التحرير في أيامه الأولى، وأن يتمسك التنظيم أيضًا بخيار كتابة دستور جديد، لا مجرد تعديلات، وتُجمع مقترحات الدستور الجديد من ممثلين عن كل الشعب.
رأى في ذلك تعزيزًا لوجود الجماعة في الشارع وفرصة لبناء قاعدة سياسية وحاضنة شعبية أكبر لها، وشاركه في رأيه أعضاء معه في نفس القسم التنظيمي الذي يعد تقديرات الموقف ويقدم المشورة، لكن لم يستجب قادة الإخوان لرأي من عينوهم لمدَّ الجماعة بالرأي الأسلم!
أتت انتخابات مجلس الشعب نهاية عام 2011، ونصح أبي الجماعة حسب روايته لي بالتزام مبدأ "مشاركة لا مغالبة"، وعدم المنافسة على عدد كبير من مقاعد البرلمان، وفتح مساحة للأحزاب والمستقلين الذين لا يملكون ما لدى الإخوان من حشود تنظيمية وأدوات وأموال لا يملكها غيرها، لكن الاختيار كان عكس ما نَصح به.
ثم دعا لعدم دخول الجماعة انتخابات الرئاسة، وحذر من الإعلان الدستوري، وطرق كل الأبواب لمحاولة منع نزول قواعد التنظيم للمشاركة فيما عُرف بعد ذلك بـ أحداث الاتحادية، لكن قادة التنظيم صمّوا آذانهم.
"إخواننا اللي فوق"
وقّعت على استمارة تمرد بمجرد تدشين الحركة. كان أبي يتابع باهتمامٍ إلى أي مدى تتسع مساحة الحركة، ويسألني عن حقيقة أعداد الموقعين على الاستمارات، ويحاول إقناع قادة التنظيم بأن الغضب حقيقي، لكن من يُسمَّون داخل التنظيم بـ"إخواننا اللي فوق"، ودائمًا يتبع ذكرهم وصف "عارفين كل حاجة وفاهمين بيعملوا إيه"، أجابوه حسبما نقل لي ولأخي بأن لديهم معلومات مؤكدة أن الحركة لا تتجاوز "شوية عيال" وفلول وحشدًا كنسيًا وأهالي ضباط وعساكر، وأكدوا أن الجيش سوف يتدخل لإجهاضها ما إن تمثل خطرًا حقيقيًا على ثبات الحكم.
استمر التنظيم في عناده حتى ليل 26 يونيو/حزيران 2013، وألقى الرئيس التنظيمي محمد مرسي خطابه الشهير، الذي عُرف بخطاب "فودة وعاشور والراجل اللي بياخد عشرين جنيه وينزل سكينة الكهربا". هكذا لخص حينها أسباب أزمات البلد.
كنت أستمع إلى خطابه بينما أشارك المعتصمين ضده في وزارة الثقافة. اتصلتُ بأبي الذي كان في مهمة عمل باليمن، وسخرتُ من الخطاب، لكنه لم يهتم بأي شيء إلا نظرة وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي. رأى أبي في حركات وجهه دلائل عدم رضا، واستبعدَ ما كان يردده قادة الجماعة بأنه سيتدخل لحماية حكم مرسي، مرجحًا أن يدعم الشارع إذا تحرك في 30 يونيو.
ترك أبي عمله وعاد في الصباح التالي إلى مصر ليلتقي قادة الجماعة لإقناعهم بأن الأمر قُضي، ويجب، حسب نص قوله، "قلب الترابيزة"، عبر إعلان إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أو على الأقل استفتاء شعبي على إكمال مرسي لفترته الرئاسية أو انسحابه، لكن أحد القادة، لن أذكر اسمه لأنه في السجن الآن لا يملك حق الرد، قال: لا تقلق.. الجيش خاتم في صباعنا!
محاولة الإمساك بالفرصة الأخيرة
صباح 30 يونيو/حزيران 2013 كنتُ مع المتظاهرين المنطلقين من أمام وزارة الثقافة، وكان أبي وبعض المعنيين مثله بدعم التنظيم بالمشورة يتصلون بي بانتظامٍ لسؤالي عن الحشود في الشوارع: هل هي حقيقية وتمثل الشعب بالفعل، أم أنها كما يخبر آخرون الجماعة مجرد حشود من الكنيسة والأمن المركزي؟
أجيبهم بتأكيد قاطع أن الشعب غاضب بالفعل. تعلن القوات المسلحة في بيان رسمي مهلة الـ48 ساعة، وإلا ستضطر للتدخل. يحاول أبي ورفاقه إقناع قادة الجماعة بأنها الفرصة الأخيرة للخروج من الحكم بسلام وضمان الوجود في القادم، أو الخروج مرغمين خاسرين كل شيء في الوقت الحالي والمستقبل القريب.
تمسك التنظيم بالعناد ورفض التنازل، وراهن على أن اعتصامي رابعة العدوية والنهضة والمجتمع الدولي أدوات كافية لتضمن استمرار حكم الجماعة.
انتهت المهلة التي حددتها القوات المسلحة، وحل مساء 3 يوليو/تموز 2013، وأُعلن بيان القوات المسلحة لتدشين مرحلة ما بعد انتهاء حكم محمد مرسي وتنظيم الإخوان.
لم يكن ذلك كافيًا لإنهاء عناد القادة. ظل والدي ينصح، والتنظيم يصم الآذان، حتى كان خلافه معهم قبل فض الاعتصامين بثلاث ليالٍ. حسب روايته، أخبرَتْ الأجهزة الأمنية الجماعة بموعد الفض، وبأنها لن تتراجع قبل إتمامه تمامًا مهما كان الثمن. حاول أبي إقناع القادة الذين لم يُقبض عليهم بعد باتخاذ قرار فض الاعتصام حقنًا للدماء، لكن لم يستجب أحدٌ واتهمه بعضهم بالعمالة لأجهزة الأمن.
آخر شهادة أعرفها عن أبي كانت من صديقٍ له رآه يوم فض رابعة يبدي انزعاجه من خطاب القائمين على منصة الاعتصام، الذين ظلوا يرددون على المعتصمين "يا آل بدر اثبتوا، هذا يومكم"، ويقنعونهم بأنهم مثل المسلمين الأوائل المشاركين في غزوة بدر، بينما كان يرى أبي أنه وقت ذكر "مؤتة"، عندما سُمي خالد بن الوليد بسيف الله المسلول بعدما انسحب بجيش المسلمين حقنًا للدماء في معركة كانت محسومة الهزيمة بالنسبة له. حفظه للأرواح هو ما منحه اللقب، لا استمراره في القتال في معركة لا يملك أدوات الاستمرار فيها. ذلك ما علمني إياه والدي عندما كان يحكي عن "غزوة مؤتة" ضمن دروس السيرة من الكتب الخاصة بمناهج التنظيم، وهكذا أراد أن يكون خطاب منصة رابعة يوم الفض، لكن لا حياة لمن ينادي.
سمع أخي في سجنه حكايةً من مسجونين آخرين حضروا فض اعتصام رابعة العدوية، مفادها أن أبي حاول فتح ممر آمن بعد احتدام الاشتباكات أثناء الفض وصعوبة الوصول إلى الممرات التي حددتها قوات الداخلية مسبقًا.
حسب شهادتهم، أقنع أبي بعض القيادات الأمنية التي تشارك في فض الاعتصام بفتح ممر إضافي للنساء والأطفال، وأفلح في ذلك بالفعل، ووقف بنفسه يشرف على عبورهن سالمات، لكنَّ اثنين من رفاقه في الشعبة التنظيمية أعادا النساء إلى داخل الاعتصام مرة أخرى وأغلقا الممر، وهي رواية تحققت من صدقها من خلال ثلاث عضوات بالجماعة حاولن الخروج من الاعتصام تحت رعاية أبي.
لكن أيضًا، وفق نفس الشهادات، لم تكن الممرات الآمنة الأخرى التي أعلنت عنها وزارة الداخلية قبل بداية فض الميدان آمنة بالفعل، وكان يتم إلقاء القبض وإطلاق الرصاص على العابرين منها، بينما نفت وزارة الداخلية عبر بياناتاها الرسمية وتصريحات مسؤوليها التعرّض لأي من عابري هذه الممرات.
في النهاية سَال دم أبي ضمن الدماء التي حذر من نزيفها. اختفى جثمانه يومين وظهر فجأة في شارع جانبي بجوار مشرحة زينهم. ومنذ ذاك، كلما حلت ذكرى 30 يونيو و3 يوليو و14 أغسطس/آب، تعود أسئلة موت أبي وحياته تحاصرني، ومعها سؤال: ماذا لو استمع له التنظيم؟
يجيب دائمًا معظم قادة التنظيم بأن النتيجة كانت واحدةً، وأن الثورة ضدهم كانت ستحدث ضد أي رئيس يتم انتخابه، وأن أي خطوة تراجع كان يمكن للجماعة اتخاذها ما كانت لتغير شيئًا في المصير المحتوم.
لكنها إجابات لا ترضيني ولا تُوقف تتابع الأسئلة في رأسي. أعود لأسأل نفسي: هل لو استمع التنظيم لأبي كانت ستصبح مصر جنة الآن؟ وهل لو لم أهتف "يسقط حكم المرشد" كان أبي سيبقى معنا على قيد الحياة وأخي خارج أسوار السجن؟
أشعر أن الأسئلة المتلاحقة وتخيل السيناريوهات المختلفة تعبث برأسي حد الاقتراب من فقدان الذاكرة مرة أخرى. حينها يفعّل عقلي وضعية النجاة عبر إيقاف كل التساؤلات واختصارها في سؤال واحد يفوق كل ما يدور في دماغي من جنون: لماذا لم يخلقني الله بطريقًا؟
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.


