جبهة الإنقاذ و30 يونيو.. إن نفعت الذكرى

منشور الثلاثاء 7 تموز/يوليو 2026

رغم أن الذكرى الحالية لـ30 يونيو هي الـ13، وهو رقم مماثل لـ11، 12، 14، وليس مثل الأرقام الموسمية؛ الذكرى العاشرة أو الخامسة عشر، ولاحقًا العشرون والخمسون، فإنها حظيت بكثيرٍ من الاهتمام ودار الجدلِ حولها. ما لفت انتباهي علو نبرة من يسعون للتطهر من المشاركة في تلك الأحداث، وتوجيه أصابع الاتهام إلى جبهة الإنقاذ الوطني بزعم "تحالفها" مع المؤسسة العسكرية وتخليها عن مطالب ثورة 25 يناير، فقط لرغبتها في التخلص من جماعة الإخوان المسلمين.

لن أعلق هنا بوصفي مراقبًا أو محللًا سياسيًّا، إنما مشاركًا في أحداث تلك الفترة العصيبة، بصفتي المتحدث السابق باسم "جبهة الإنقاذ الوطني" وشاهد عيان على كل اجتماعاتها الحاسمة خلال الفترة الممتدة بين إنشائها بعد إصدار الرئيس الراحل محمد مرسي وجماعة الإخوان الإعلان الدستوري سيئ الصيت في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 حتى حل "الجبهة" عمليًّا دون إعلان رسمي بعد فض اعتصام رابعة في أغسطس/آب 2013 واستقالة الدكتور محمد البرادعي من منصبه نائبًا لرئيس الجمهورية في ذلك الوقت ثم رحيله خارج مصر.

نظرة على الماضي

غريبٌ اتفاقُ كافة الأطراف الآن، رغم اختلافها، على رغبة وأد دور جبهة الإنقاذ الوطني وتجاهله، أو مهاجمتها وتحميلها مسؤولية تطورات لم يكن لها فيها أي دور. الأدوات الإعلامية المؤيدة للنظام الحالي تتجاهل ولو مجرد ذكر اسم جبهة الإنقاذ والدكتور البرادعي تحديدًا، رغم أن هذه الجبهة ومشاركة البرادعي في اجتماع 3 يوليو 2013 كانتا الحجة الرئيسية التي استخدمت وقتها لنفي صفة "الانقلاب" عن الإطاحة بمرسي وجماعة الإخوان والتأكيد على أن ما حدث كان استجابة لرغبة شعبية بعد مظاهرات شارك بها الملايين من المصريين.

أما رفاق "ثورة" يناير، التي انتهى الأمر بغالبية رموزها وداعميها في السجون، الذين يتحسرون بالطبع على ما آلت إليه الأوضاع بعد 30 يونيو وابتعادها عن مطالب الميدان، فيبدو أنهم فقدوا الذاكرة، أو وجدوا في "جبهة الإنقاذ" شماعةً يسهل تحميلها مسؤولية كل ما وصلت له الأمور.

واجهنا انقسامًا حادًا وحقيقيًا في الشارع وصل لحافة الاقتتال الداخلي

 منذ تشكيل جبهة الإنقاذ، حرصت الأحزاب والشخصيات العامة المؤسسة على تأكيد أن هدفها هو استكمال تحقيق أهداف "ثورة 25 يناير" وأنها تستمد شرعيتها ومبرر وجودها من تلك الثورة وأهدافها. كما أن أحزاب الجبهة مثل الدستور والمصري الديمقراطي الاجتماعي والتحالف الشعبي الاشتراكي والكرامة والمصريين الأحرار وغيرها، أغلبها نشأت عقب 25 يناير، وجمهورها تحديدًا كان يقف بقوة خلف قيام دولة مدنية حديثة وانتخابات حرة تؤكد حدوث تغيير في نمط إدارة البلاد مقارنة بما عهدناه منذ 1952، وليس "التحالف" مع المؤسسة العسكرية التي دعمت رحيل مبارك لأسبابها ولكن لم تكن ترغب بالتأكيد في تغيرات جذرية.

شخصيًا شهدت عدة اجتماعات كنا نفاجأ فيها بحضور شخصيات غير مدعوة لحضور اجتماعات قيادة جبهة الإنقاذ، بما في ذلك بعض المحسوبين على نظام مبارك أو ممن أرادوا الظهور في الصورة بصفتهم معارضين لحكم الإخوان. لكن البرادعي كان يرفض حضورهم، ويطلب من منظمي الاجتماع الانتقال إلى غرفة أخرى لعقد اللقاء، خاصة وأنه كان يمقت الاجتماعات الموسعة الممتدة لساعات دون جدوى.

تحالف حذر

المحيّر أن أحداث يونيو لم تمض عليها عقود، وغالبية من شاركوا فيها على قيد الحياة ولا شك يتذكرون جيدًا الأجواء شديدة الصعوبة في مصر عقب تولي الإخوان الحكم، وكيف واجهنا انقسامًا حادًا وحقيقيًا في الشارع وصل لحافة الاقتتال الداخلي. وكثير ممن يسعون للتنصل من جبهة الإنقاذ الآن شاركوا مع قيادتها في مظاهرات الاتحادية الشهيرة في ديسمبر/كانون الأول 2012، التي استشهد فيها الزميل الصحفي الحسيني أبو ضيف وكانت نقطة تحول في رؤيتي لجماعة الإخوان، وكيف أن أنصارها مستعدون لقتل من يعارضهم أو يهدد استمرار بقائهم في الحكم.

لم يعتمد الإخوان على قوتهم في الشارع وثرائهم فقط، بل علقوا الآمال على تدخل إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لمنع المؤسسة العسكرية من التدخل في الانقسام الداخلي والإطاحة بحكمهم، فقبل أيام من 30 يونيو التقى عمرو موسى بقرارٍ منفردٍ خيرت شاطر صانع القرار الحقيقي في الجماعة في تلك الفترة، محاولًا حثهم على الاستجابة للشارع وعقد انتخابات رئاسية مبكرة كمخرج سلمي يجنب الجميع الفوضى أو مستقبل مجهول. لكن وفقًا لما نقله موسى لنا كان رد "الشاطر" قاطعًا وتلخص في نقطتين: الأولى أن مظاهرات 30 يونيو ستكون محدودة وشبيهة بـ"المليونيات" التي اشتهرنا بها في ذلك الوقت وستنتهي من دون تحقيق أي نتائج، والثانية أن الولايات المتحدة تحديدًا لن تسمح بإنهاء حكم جماعة الإخوان.

لم يكن مطروحًا تحت أي عنوان عقد "تحالف" مع المؤسسة العسكرية

ما يدفعني للحديث هو الاجتماعات التي حضرتها مع تجمعات مختلفة، وكلها عبرت عن القلق من المستقبل بعد التخلص من حكم الإخوان الفاشل، والضمانات التي يجب الحصول عليها من المؤسسة العسكرية للعودة إلى المسار الديمقراطي وعقد انتخابات رئاسية مبكرة والتمسك بأهداف ثورة يناير. والمؤكد أنه لم يكن مطروحًا في أي منها تحت أي عنوان عقد "تحالف" مع المؤسسة العسكرية، بل اتفقت على ضمان عدم تكرار تجربة مرحلة المجلس العسكري في أعقاب "ثورة" يناير وما سادها من فوضى.

أحد أهم الاجتماعات كان في مقر حزب المصريين الأحرار في اليوم التالي مباشرة لمظاهرات 30 يونيو وما تلاها من بيان القوات المسلحة الشهير الذي منح الإخوان مهلةً نهائيةً مدتها ثلاثة أيام للاستجابة لمطالب المتظاهرين. بدأ الدكتور البرادعي ذلك الاجتماع بقراءة نص رسالة وصلته من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تؤكد عدم رغبة قيادة الجيش في لعب أي دور سياسي، وأن همه الأول هو استعادة الأمن والاستقرار ومنع تدهور الأوضاع.

طلبت الرسالة من جبهة الإنقاذ تفويض شخصية منها للتواصل مع القوات المسلحة للتباحث بشأن الخطوات المقبلة. جرى جدل قصير وحاد بشأن الشخصية التي ستمثل الحركة وكان هناك إجماع شبه كامل على شخص الدكتور البرادعي مقابل انحياز فرد أو اثنين لاختيار السيد عمرو موسى.

نهاية التحالف

من المفترض أن الجميع يعرف جيدًا كل ما توالى في تلك الأيام العصيبة من تطورات وتولي عدلي منصور رئاسة الجمهورية لعام، وتشكيل حكومة برئاسة حازم الببلاوي ضمت العديد من شخصيات جبهة الإنقاذ الوطني، ثم طلب وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي تفويضًا "لمحاربة الإرهاب" في 26 يوليو/تموز 2013، الذي كان البداية في ترشحه لاحقًا للرئاسة، ثم استقالة الدكتور البرادعي بعد فض اعتصام رابعة، ثم إطاحة حكومة ما عُرف بتحالف 30 يونيو بعد نحو 7 شهور بما فيها من شخصيات تمثل جبهة الإنقاذ.

بين كل الانتقادات التي وجهها "المتطهرون" الذين يحسبون أنفسهم على تيار ثورة 25 يناير، يبدو غريبًا ليس فقط التعامل بذاكرة السمكة مع تلك الأحداث غير البعيدة، لكن تجاهل الواقع الذي كان قائمًا في الشارع المصري عمومًا في ذلك الوقت، والرعب والخوف الحقيقيين على مستقبل البلد والرغبة القوية في استعادة الأمن والاستقرار بعد نحو عامين ونصف العام من الفوضى والأهم التدهور الاقتصادي الحاد.

كان يستوقفني مواطنون عاديون في الشارع لمهاجمتي واتهامي بالسعي للعودة للفوضى وانعدام الأمن

هذه الحالة دفعت عددًا من قادة جبهة الإنقاذ، بما في ذلك بعض قيادات الناصريين واليسار، إلى الانحياز لما بدا أنه رغبة شعبية في تولي السيسي مسؤولية الحكم والترويج لما شاع في ذلك الوقت من أن مصر تحتاج شخصية عسكرية قوية لاستعادة الأمن. ولكن لم يكن هذا هو موقف "كل" قادة جبهة الإنقاذ، والمؤكد أنه لم يكن موقف البرادعي الذي أكد دائمًا التمسك بأهداف ثورة يناير، وأن ما تدعو له الجبهة من دولة مدنية ديمقراطية حديثة يمثل البديل الثالث بين رفض الدولة الإخوانية الدينية الطائفية، وعودة الدولة السلطوية والرئيس الفرد كما عهدناها منذ 1952.

بعد رفضي ترشح الرئيس السيسي عام 2014 ودعمي لحمدين صباحي وتمسكي بالدفاع عن ثورة 25 يناير في وسائل الإعلام، أتذكر جيدًا كيف كان يستوقفني مواطنون عاديون في الشارع لمهاجمتي واتهامي بالسعي للعودة لحالة الفوضى وانعدام الأمن التي كرهها الناس. لم يدم ذلك طويلًا ، فسرعان ما تغيّر المزاج الشعبي بعد موجات التعويم المتتالية والارتفاع الصاروخي في الديون والأسعار وكذلك في أعقاب التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة السعودية.

لكن المؤكد أن جبهة الإنقاذ كما عرفتها وشاركت في تأسيسها وكل اجتماعاتها لم تقم على أساس إقامة تحالف مع المؤسسة العسكرية فقط للتخلص من الإخوان. وأكبر دليل على ذلك أن من بقي من قادة الجبهة متمسكًا بأهداف ثورة 25 يناير وشعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تم تهميشه واستبعاده بعد شهور قليلة من 30 يونيو وانتهى الأمر بتوجيه الاتهامات للكثير منهم بـ"مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها مع العلم بأغراضها" رغم أنهم كانوا في مقدمة صفوف المظاهرات التي دعت للتخلص من حكم تلك الجماعة بل وكادوا يفقدون حياتهم على يد أنصارها.

هذه ذكريات يختلط فيها الشخصي بالعام، ورأيت سردها للتذكير، إن نفعت الذكرى. وغالبًا لن تنفع وسيظل البعض مصممًا على ترديد أسطوانات مشروخة ومزاعم وهمية لا صلة لها بحقيقة ما جرى من أحداث قريبة شهودها أحياء.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.