تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
نالت الحركة المدنية الديمقراطية انتقادات كثيرة بعد بيانها الخاص بقصر رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام.

الصراع على يافطة "الحركة المدنية"

منشور الثلاثاء 9 حزيران/يونيو 2026

لا أستطيع مشاركة من ينهالون الآن بالسكاكين على "الحركة المدنية الديمقراطية"، ويعلنون موتها ويَدعُون لدفنها، بعد الجدل الذي أثاره بيانها عن قصر رئيس حزب المحافظين الذي أزالت الأجهزة الرسمية أجزاءً منه بزعم ارتكاب مخالفات. نال الحركة ما يكفي من انتقادات انتهت إلى سحب البيان، وأقرّت بأنه لم يكن موفّقًا، بل إن الأستاذ أكمل قرطام وحزب المحافظين تَبَرَّآ منه، وقالا إنه صدر دون تشاور مسبق.

لا أنفي خلط البيان على نحوٍ فادحٍ بين العام والخاص حتى بدا مجاملةً لا تصح لرئيس حزب في الحركة. لكن أكثر ما أثار استغرابي هو دعوات تأسيس كيان جديد بدلًا من الحركة المدنية، كأن هذا "الكيان الجديد" سيَرِدُ إلينا من الخارج، وليس من الواقع السياسي القائم نفسه والمشكل من أحزاب بعينها تعاني التآكل والتهميش والضعف لأنها اختارت معارضة السياسات الحالية للنظام، في وقت تعاني فيه الحياة السياسية عمومًا حالة جمود تحت وطأة الأحداث الإقليمية المزلزلة المتتالية، بدايةً بالحرب على غزة وليس انتهاءً بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وحلفائها.

بين الهيمنة والحيز المتاح

مظاهرة الحركة المدنية في ميدان مصطفى محمود- 20 أكتوبر 2023

لا يمكن الحديث عن حراك سياسي أو دور للأحزاب عمومًا، موالاةً أو معارضةً، بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2023 التي كان مأمولًا أن تشهد قدرًا من المنافسة..

لكنَّ ذلك لم يتحقق بسبب الحرب في غزة، بالإضافة إلى وأد تجربة ما عُرف بـ"الحوار الوطني"، وتجاهل المطلب الرئيسي لأحزاب المعارضة بتعديل قوانين الانتخابات بما يسمح لها بالحد الأدنى من المنافسة.

ثم جاءت انتخابات 2025 بما أنتجته من برلمان يكرر تجارب 2015 و2020 في هيمنة أحزاب الموالاة، مع منح عدد محدود جدًا لأحزاب المعارضة التي رفعت شعار الحيز المتاح.

ينسى من يشاركون في حملة الهجوم الحالية على الحركة المدنية أنها ليست كيانًا مستقلًا بأجهزة إدارية ومالية خاصة به، وإنما "يافطة" تجمع عددًا من الأحزاب تصف نفسها بالمعارضة، وتطرح مجموعة مطالب متعلقة أساسًا بالإصلاح السياسي وفتح المجال العام وعقد الانتخابات الحرة والنزيهة، مع الوضع في الاعتبار أنها تضم تشكيلة متنوعة من التوجهات السياسية اليسارية والقومية والليبرالية.

بالتالي فإن ضعف الحركة المدنية وفشلها في لعب دور فاعل في الشأن العام يعكس أحوال أحزابها. فلا يُتصوَّر أن تنجح أحزاب تعاني مشكلات داخلية وضعفًا في التمويل وتضييقًا أمنيًا، في بناء تحالفٍ قويٍّ.

ورغم أني لا أرى مبررًا لموجة الهجوم الحالية على "الحركة المدنية"؛ لا يمكنني إنكار أن الصراع على هذه "اليافطة"، واحتكار الحديث باسم المعارضة، كان ضمن العوامل أضعفت الحركة وأدت لانعدام فاعليتها، تحديدًا منذ الخلاف الحاد الذي شق عمليًا صفوفها في أعقاب الانتخابات الرئاسية نهاية 2023.

في ذلك الوقت، قررت غالبية أطراف الحركة في تصويت رسمي عدم التقدم بمرشح رئاسي بعد منع المرشح المحتمل أحمد الطنطاوي من خوض الانتخابات، بينما جمدت أحزاب المصري الديمقراطي، والعدل، والإصلاح والتنمية، نشاطها بعد قرار دعم ترشح فريد زهران رئيس المصري الديمقراطي لخوض انتخابات الرئاسة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تشهد فيه الحركة انقسامًا مشابهًا، فقد حدث سيناريو مشابه تقريبًا عام 2020 بعد أن قررت الأحزاب نفسها؛ المصري الديمقراطي، والإصلاح والتنمية، والعدل، خوض الانتخابات البرلمانية على قائمة تحالف أحزاب الموالاة (دعم مصر)، بينما اختارت غالبية من أحزاب الحركة المقاطعة.

خطأ في السيستم 

بصفتي متحدثًا سابقًا باسم الحركة المدنية لسنوات طويلة حتى استقالتي قبل نحو عامين؛ أعتقد أن بذور الانقسام والتراجع بدأت مع انطلاق جولات الحوار الوطني الذي دعا له رئيس الجمهورية عام 2022.

آنذاك عادت أحزاب المصري الديمقراطي والإصلاح والتنمية والعدل للحركة في إطار مواءمة سياسية لتقوية جبهة المعارضة، في الوقت نفسه سعى حمدين صباحي، الذي برز بدون قرار رسمي كـ"رئيس" للحركة المدنية، غالبًا بسبب تجاربه السابقة مرشحًا رئاسيًّا، إلى توسيع عضوية الحركة المدنية، وانضمت 6 أحزاب جديدة دفعة واحدة معظمها من التيار القومي واليساري.

ستنهض أحزاب الحركة للقيام بمهامها فور وجود ضرورة عاجلة

من ثمَّ بدأ الحديث وقتها عن ضرورة وجود قواعد تنظيمية وهيكلية للحركة، تتضمن للأسف الشديد قاعدةَ التصويت بالأغلبية والأقلية، التي تجنبتها الحركة المدنية منذ نشأتها عام 2017، بل ومنذ كان اسمها "التيار المدني الديمقراطي" الذي تشكل من مجموعة الأحزاب التي دعمت حمدين صباحي مرشحًا رئاسيًّا في مواجهة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في انتخابات 2014.

القاعدة التي سمحت باستمرار "التيار المدني" ثم "الحركة المدنية" هي إصدار القرارات بـ"التوافق" حتى لو بدا ذلك أحيانًا مُعطلًا ومُحبطًا. لكنَّ قادة الأحزاب والشخصيات العامة أدركت أن الضمانة لاستمرار الحركة كتحالف سياسي فضفاض، هو الاتفاق على ما يمكن من قضايا جوهرية تتعلق بضمان الحقوق السياسية الأساسية والانتخابات النزيهة والحريات العامة، بما في ذلك وسائل الإعلام، والتوقف عن ملاحقة المعارضين وحبسهم احتياطيًا، ثم ترك المساحة المطلوبة للاختلاف بشأن بقية القضايا بناءً على التنوع القائم في مواقف أحزاب الحركة، واحترام استقلالية كل حزب في اتخاذ قراراته.

أما بعد التوسع في أحزاب الحركة المدنية، وتشكل أغلبية ثابتة في التصويت على القرارات بناءً على التوجهات الحزبية، فقد انتفت عمليًا صفة التحالف الفضفاض.

سعى من يُشكِّلون الأغلبية في الحركة إلى فرض قراراتهم ومواقفهم على الأقلية المتبقية، وهو أمر لم يكنْ من المتصور قبوله بالنسبة لتلك الأحزاب. ولقد حاولتُ شخصيًا، دون نجاح، إقناع قادة الحركة بالإبقاء على قاعدة التوافق لضمان استمرارها بأكبر عدد ممكن من الأحزاب تدعم مطالب لا يمكن الخلاف بشأنها، تحديدًا إنهاء ملف الحبس الاحتياطي والتوقف عمومًا عن ملاحقة المعارضين وفتح المجال العام وتعديل قواعد الانتخابات.

نهوض بعد رقاد

مؤسس الحركة المدنية الديمقراطية يحيى حسين عبد الهادي

رغم كل هذه الخلافات والانقسامات، والدعوات غير سليمة النية لطي صفحة الحركة المدنية من قبل الشامتين في المعارضة، فإنني لا أعتقد أن ذلك سيحدث.

لدي ثقة في أن الأحزاب التي تشكّل الحركة المدنية وتُكوّن التيارات المعارضة في مصر عمومًا، من يسار وقوميين وليبراليين وكل من دعموا ثورة 25 يناير، ستنهض مجددًا للقيام بمهامها فور وجود ضرورة عاجلة، كما حدث خلال المعارك التي خاضتها الحركة ومن قبلها التيار المدني، في مواجهة قرارات التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير في عامي 2015 و2016، وكذلك المعركة الفاصلة المتعلقة برفض التعديلات الدستورية لتمديد فترات الرئاسة عام 2019، التي ترتب عليها حملة قبض واسعة طالت كل أحزاب الحركة المدنية في 2019.

المؤكد أن المشكلة لا تكمن في اليافطة التي تتحرك تحتها أحزاب المعارضة، سواء كان اسمها التيار المدني أو الحركة المدنية الديمقراطية، لكن في أن تتمكن من الحركة أساسًا هي وكل مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والنقابات المستقلة.

في الظروف الحالية، وسط حالة التوتر وانعدام اليقين جراء الظروف الإقليمية والحروب المتواصلة، لم تعد قضية الإصلاح السياسي التي طرحت بقوة وقت الحوار الوطني تشكّل أولويةً لدى النظام. لذا ربما يكون السعي لاستعادة حيوية "الحركة المدنية" وتجميع صفوفها مجددًا بعيدًا عن قاعدة التصويت والصراع على "يافطة" احتكار الحديث باسم المعارضة مدخلًا لعودة أولوية قضية الإصلاح، فور أن تضع هذه الحروب أوزارها، وكذلك مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2030.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.