تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
تشابهات بين مصر وتونس بعد ثورتين

لعنة الثورات التي تطاردنا في مصر وتونس

منشور الأربعاء 3 حزيران/يونيو 2026

بدأت علاقتي بتونس بعد ثورتها. في بدايات 2012 كانت زيارتي الأولى لها بغرض التدريس. إقامة لمدة أسبوعين مع عدد غير قليل من الشابات والشباب فيما يشبه معسكرًا سينمائيًّا مغلقًا لإنتاج أفلام قصيرة بتوجه نسوي، في فندق ساحلي من تلك الفنادق التي لم ترحب بالتونسيين قبل الثورة.

في ذاك العام، وبعد إسقاط سلطة زين العابدين بن علي، وهروبه للسعودية، سيطرت على الأجواء روح وطاقة جديدتان تمامًا ومنطلقتان. عبرتا عن شعب حققت ثورته انتصارات أولى، ويملك طبقة وسطى عريضة، تسير للأمام، بالتعاون مع الطبقات الفقيرة، لتحقيق إنجازات أخرى في إطار ما افتتحته تونس، وسُمّي وقتها بـالربيع العربي.

تلك الروح الثورية الجديدة، المتفائلة والمتحدية، والراغبة في التصدي لكل ما نرفضه من القديم، وبوعي أن المعركة طويلة، كانت تسيطر عليَّ بدورها، مثلهم تمامًا، أتيًا من لحظة الانتصار الأولى للثورة المصرية. ربما كانت أكثر وضوحًا في سلوكيات الشباب والشابات التوانسة الذين عرفتهم أيامها، بحكم فارق السن بيننا، ولأن ارتباط أغلبهم بالسياسة والشأن العام كان حديثًا، بدأ مع الثورة التونسية.

أعوام البرودة

الرئيس التونسي قيس سعيد

غبتُ خمسة أعوام عن تونس، لأعود بعدها للعمل عدة مرات بين أعوام 2017 و2022. في تلك المرحلة، كان بإمكان أي زائر لتونس، إن كان منتبهًا لتطورات السياسة فيها، أن يلاحظ تراجع الأدرينالين الثوري إلى أقل مستوياته، أن الطموحات والأحلام الكبرى التي حملها الشباب التونسي أول عامين من الثورة 2011 و2012، خفتت، أو ربما هدأت. أصابتها فيما يبدو إحباطات كثيرة على كل المستويات. بالصدفة، كانت تقريبًا نفس الشريحة العمرية التي عملت معها في المرة الأولى، بين منتصف العقد الثالث والرابع من العمر.

تزامنت إحدى هذه الزيارات، وكنا خارج العاصمة، مع انتخابات الإعادة التي فاز فيها الفقيه الدستوري قيس سعيد بمنصب الرئاسة، ضد منافسه رجل الأعمال نبيل القروي. ما لفت الانتباه وقتها أن كل السينمائيات التونسيات الحاضرات لورشة العمل معي، وهن من خارج المدينة التي نعمل بها، لم يسعين للعودة لمدنهن الأصلية لممارسة حق الاقتراع، عدا واحدة، أكبر منهن سنًا، عادت لتونس العاصمة ساعات قليلة للتصويت لمن أسمته "المفايوزي" ضد من أسمته "مشروع المستبد المحافظ". صوتت للخاسر.

حالة اللامبالاة بالسياسة أيامها كانت واضحة، وغابت الثورة ونوادرها عن أحاديث هؤلاء الشباب والشابات، وهو ما نجد معادله في الحالة المصرية، مع حفظ الفروق في التوقيت والحالة العامة، والانتباه للاختلاف الكبير بين ما حدث في مصر وتونس. بالأساس، اللحظة المصرية المفصلية في يوليو/تموز 2013 وما تلاها، تحديدًا مذبحة رابعة. في حين أن التجربة التونسية بعد هروب بن علي تميزت باحترام نسبي، كبير مقارنة بمصر، لحرمة الدم.

حياة المصريين بعد ثورة يناير أصبحت أكثر قسوة بما لا يقارن مع ما سبقها على كل المستويات

أذكر أن في هذه المرحلة نفسها من الزيارات التونسية، شهدت مصر انتشار هاشتاج "أنا شاركت في ثورة يناير" في تحدٍ لعملية تجريم الثورة التي كانت في أعنف مراحلها، وإشهار الفخر بالمشاركة في ثورة يناير، وحكي الحواديت والتجارب المرتبطة بها، ومحاولة شم رائحتها من جديد. لفت انتباهي خفوت هذه الحالة في تونس. وحين تحدثت مع صديق مصري حول ذلك قال لي إننا، هو وأنا وآخرين من المصريين، الفخورين بثورة يناير، ونشهر انتماءنا لها، نعيش في فقاعة، لا علاقة لها بالناس في الشوارع، الذين أصبحوا لا يطيقون سيرة يناير، ليس خوفًا بل نفورًا.

لا أعلم إن كان هذا التصور دقيقًا أم لا. لكنه، كما يبدو، لم يفتقد للأسس الواقعية. أهمها أن حياة المصريين بعد ثورة يناير أصبحت أكثر قسوةً بما لا يُقارن مع ما سبقها، على كل المستويات. إنه المدخل الملائم لفهم هذه العبارة التي يرددها الكثيرون، من ضمنهم المنتمون للثورة، بسخرية أو بجدية، وبصوت خافت كي لا يشمت فينا أحد "ولا يوم من أيامك يا أبو جمال".

يعرف الأهل من حزب الكنبة فروق الأسعار ومصاعب الحياة بين ما قبل الثورة وبعدها. والرافضون للجلوس على الكنبة، واشتبكوا مع العمل السياسي قبل الثورة، يعرفون أن الخطر القديم كان أن تُفتح لهم أبواب السجن لمدة أسابيع، أو شهور قليلة، ليخرجوا منه أبطالًا. لكن بعد 2013، من يدخل لا يعرف متى يخرج. ولا داعي لرصد كل الحالات المفزعة للآلاف، وأشكال التنكيل المتنوعة، فالقراء يعرفونها جيدًا.

شهور السخونة الفلسطينية

عدت مرتين لتونس خلال الشهور الأخيرة، سبتمبر/أيلول 2025، وأبريل/نيسان، ومايو/أيار 2026، أي قبل أسابيع قليلة. فوجئت في المرة الثانية أن بعض الأصدقاء والصديقات التونسيين، ممن ظلوا بتونس، بعد أن رحل عنها الكثيرون مثلما حدث في مصر، استعاروا منا العبارة نفسها، يرددونها كدعابة تخفي طعم المرار؛ "ولا يوم من أيامك يا .........". لكنهم في حواراتهم الجادة، لا يحملون الثورة مسؤولية ما آلت إليه الأحوال، بل يحملونها للهزيمة والسلطة.

لم تكن الزيارة الأولى مخططة، حدثت بسبب الظروف اللوجستية الطارئة على أسطول الصمود الآتي من برشلونة باتجاه غزة، واضطرارنا للتوقف أربعة أيام في تونس العاصمة، وأربعة أيام إضافية في بنزرت، لحين التحرك من جديد مع أسطول الصمود المغاربي. أما الثانية فلم تكن زيارة "نضالية"، بل "ثقافية"، في سياق معرض تونس الدولي للكتاب.

صباح الخير يا تونس، صباح الخير يا فلسطين

كان من السهل التقاط الفروق الكبيرة في الجو العام بين الزيارتين. السياسة حاضرة وبقوة في الأولى. لكنها السياسة التي لا علاقة لها بالأوضاع التونسية الداخلية، بل بالقضية الفلسطينية. سمح الحكم التونسي وقتها بكل أنواع الانفلات الممكنة، ليعبر الناس عن غضبهم من الإبادة، وتضامنهم مع الشعب الفلسطيني، وترحيبهم بالمتضامنين الدوليين الواصلين لتونس، ووداعهم عند مغادرتهم. وكأن الحضور الفلسطيني الساحق جمع الكل تحت مظلته، وأخرجهم من حالة الركود المعتاد.

لكن في الزيارة الثانية، قبل أسابيع قليلة، غابت فلسطين عن الجو العام. اعتقل أعضاءٌ من اللجنة التنسيقية لأسطول الصمود، التي ضمت ممثلين للتيارات السياسية المختلفة، بما فيها المقربة من سلطة قيس سعيد. والأجواء مشحونة بالترقب، بسبب ارتفاع أعداد المعتقلين، والتهديدات التي تصل للبعض، وإغلاق الجمعيات، والتضييق على الصحافة، وغيرها.

لتلتقي تونس من جديد مع مصر، كأنه رد متأخر وساخر على عبارة "مصر ليست تونس" التي رددها إعلاميو مبارك خلال الأيام التي فصلت بين هروب بن علي واشتعال ثورة يناير. لكن اللقاء الآن يحدث على أرضية التقفيل غير المسبوق للمجال العام، وأن يطول القمع كل أطياف اللون السياسي إن خرجوا عما هو مسموح. دون نسيان استخدام السلطتين أزمة اللاجئين شماعةً تعلق عليها الأزمات الاقتصادية، وانتشار العنصرية ضدهم في البلدين.

أن نرى ولو مرة

خلال أيام الزيارة الأخيرة سألت نفسي عما يمكن كتابته عن تونس. عما تبقى من الأسطول والذكريات خلاله؟ عن الاحتفاء التونسي التقليدي بالمصريين؟ هل أكتب عن شارع الحبيب بورقيبة، حيث وزارة الداخلية، وكيف عادت إليه حواجز الشرطة التي اختفت عقب الثورة؟ عن ارتفاع الأسعار الذي يشكون منه؟ عن حالة الفرجة الجماعية على الكتب في معرض الكتاب، وليس شراءها، في تطابق مع ما يحدث في معرض القاهرة؟

دارت أغلب الحوارات حول أسطول الصمود وكيف كانت تونس البلد العربي الوحيد القادر على استقباله

لم يكن هناك ما يستحق الكتابة عنه أكثر مما لفت انتباهي، ويفرق بين مصر وتونس؛ على الرغم من الاعتقالات والمحاكمات والملاحقات، لا تزال هناك قطاعات من الشباب والشابات التوانسة مشتبكون وبنشاط مع العمل السياسي المباشر، خارج سطوة الكهول التي تسود مصر، ونجدها في المقرات المعزولة للأحزاب السياسية المتبقية، التي لا يعرف أغلبنا عناوينها.

نستطيع القول إن ما يمكن تسميته بــ"المقاوحة" لا يزال حاضرًا في تونس. والوجه الآخر لذلك هو تطلع أصحاب المكان المهمومين بتغييره إليّ كوني غريبًا عنه، في انتظار أن ألفِت انتباههم إلى تفاصيل لا يرونها بسبب وجودهم الدائم هناك. فدارت أغلب الحوارات سواء كانت صحفية أو مع أفراد، حول ما تبقى من تجربة أسطول الصمود، وكيف كانت تونس البلد العربي الوحيد القادر على استقباله والترحيب به، وحول ما تبقى لنا جميعًا من تجربة الثورات العربية. وبشعور بالافتقاد لهذه الأيام التي شعرنا خلالها بأننا أحرار، من دون خوف.

السؤال عن تجربة الثورات العربية، وما تبقى بداخلنا منها، وما سيأتي مستقبلًا، أسئلة لا يستطيع أحد الإجابة عليها سوى بالعموميات، بالتخمين، والانطباعات. لكن المؤكد أننا أُصبنا باللعنة، لعنة الثورات. أو بتعبيرات الراحلة أروى صالح، وإن استخدمته في سياق مختلف: مسنا الحلم مرة.

لعنة أننا رأينا وعرفنا، ولو سريعًا، ملامح من عالم آخر، أكثر حرية وانطلاقًا وعدالة. هواؤه ليس راكدًا، بل عذب ومتجدد. وهذه المعرفة الخاطفة، والرؤية السريعة قبل الهزيمة، لا يمكن نسيانها. تترك في الأرواح أثرًا دائمًا، ورغبة دائمة لتكرارها. أيًا كان موقعها مصر أو تونس.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.