تصميم: المنصة
سجن

أزمة الحبس الاحتياطي "السياسية" لا "القانونية"

منشور الثلاثاء 23 يوليو 2024

أخيرًا وبعد طول انتظار، قرر مجلس أمناء الحوار الوطني وضع أزمة الحبس الاحتياطي الممتدة على جدوله، بإعلانه عقد جلسات متخصصة لمناقشة هذه القضية "والقواعد المنظمة لها"، انطلقت اليوم، على أن ترفع توصياتها للسيد رئيس الجمهورية "مصحوبة بقائمة تتضمن عددًا من المحبوسين ووضعها تحت بصر سيادته".

وحدد البيان المواضيع التي سيتم طرحها للنقاش بمدة الحبس الاحتياطي وبدائله، وموقف المتهم المحبوس في حال تعدد الجرائم المتهم بارتكابها وتزامنها، والتعويض عن الحبس الاحتياطي الخاطئ، وتدابير منع السفر المرتبطة بقضايا الحبس الاحتياطي.

أصبح ملف الحوار الوطني برمته محاطًا بتساؤلات عديدة عن طريقة إدارته وجدواه، مع توجه السلطة إلى جعله مسارًا دائمًا، وهو عكس التوقعات الأولى التي صاحبت انطلاقه، بأن يكون محدود المدة والمواضيع وأن تصدر توصيات يتم تنفيذها على الفور من أجل الانطلاق نحو الإصلاح السياسي وتحسين الأوضاع العامة، خاصة على صعيد الحريات، بعد نحو عشر سنوات تذيل هذا الملف أولويات السلطة لحساب التحديات الأمنية.

لكن إذا وضعنا هذا السياق جانبًا وحاولنا التعامل بإيجابية مع هذا الإعلان، سنجد مشكلة في طريقة طرح قضية الحبس الاحتياطي، بما يؤكد أننا عدنا مجددًا لنفس الدائرة المفرغة التي تتعامل مع العرض وليس المرض.

يكشف استهداف المعارضين بالحبس أزمة في العقلية السائدة لدى الأجهزة المعنية منذ عقود طويلة، توفر فيها على الدوام الغطاء القانوني لهذه الممارسة التي لم يكن ينبغي اللجوء إليها من الأساس في قضايا التعبير عن الرأي وممارسة العمل السياسي في إطار الدستور والقانون. وغني عن القول إن سرعة الفصل في حالات تقييد حرية المواطنين هي شرط أساسي من شروط العدالة، حيث إن الأصل هو حرية الإنسان لا حبسه.

جذور سياسية

عندما بدأت ممارسة مهنة الصحافة، كان ذلك في أوج مواجهات الأجهزة الأمنية مع الجماعات الإرهابية، تحديدًا الجماعة الإسلامية، بين أعوام 1990 و1997. في ذلك الوقت، وطوال فترة حكم مبارك، كانت حالة الطوارئ سارية في البلاد. 

صورة أرشيفية لجنود أمن مركزي يحاصرون نقابة الصحفيين في القاهرة، يونيو 2007

كان قانون الطوارئ يمنح وزارة الداخلية، في مادة قضت المحكمة الدستورية العليا عام 2013 بعدم دستوريتها، الحق في إصدار أوامر اعتقال لمدة 45 يومًا، تُجدد لمرة واحدة. وبالفعل بعد تسعين يومًا، كانت المحاكم تفرج عن المتهمين الماثلين أمامها طالما لم يُقدموا للمحاكمة. ولكن فور صدور قرار الإفراج، يكون قرار الاعتقال الإداري الجديد قد صدر، ليجدد، وهكذا دواليك، لينتهي الأمر بآلاف السجناء المعتقلين إداريًا بعيدًا عن القضاء لسنوات.

أما الحبس الاحتياطي بصيغته الحالية، فبرز إلى الواجهة في أعقاب عزل الرئيس السابق محمد مرسي عن الحكم ولجوء أنصار جماعة الإخوان المسلمين إلى العنف ردًا على ذلك. ولمواجهة هذه الهجمات الإرهابية، طالبت الحكومة بتعديل قانون الإجراءات الجنائية ليسمح باحتجاز المشتبه بهم عمليًا لمدة مفتوحة، بدلًا من القانون المعمول به حينها، الذي وضع حدًا أقصى للحبس الاحتياطي بستة أشهر.

منح تعديل القانون عام 2014 جهات التحقيق الحق في حبس المتهمين بارتكاب جرائم الإرهاب التي يعاقب عليها بالإعدام أو بالأشغال الشاقة المؤبدة حتى موعد بدء المحاكمة. لا أتحدث هنا عن القضايا التي تشهد الظاهرة الكريهة المعروفة بالتدوير مع اقتراب الموعد القانوني للإفراج عن المحبوسين، لكن عن حالات عديدة لمحتجزين رهن الحبس الاحتياطي لسنين دون الحاجة لتدويرهم، لأنهم متهمون بارتكاب جرائم عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة.

وبعد أن كانت هذه التعديلات تُستخدم في مواجهة الإرهاب، تم التوسع لاحقًا في استخدام القانون ضد كل المعارضين، بما في ذلك من شاركوا في الدفع نحو عزل نظام جماعة الإخوان من المنتمين لأحزاب شرعية تعمل في إطار القانون والدستور.

وكان أكثر ما يثير المرارة لدى المعارضين من الأحزاب المدنية والديمقراطية الذين تعرضوا لتجربة الحبس الاحتياطي، هو اتهامهم هم أيضًا بـ"مشاركة جماعة إرهابية" تنفيذ أغراضها أو حتى الانتماء لجماعة إرهابية، بينما عقيدتهم السياسية تقوم أساسًا على المعارضة السلمية ورفض الإرهاب. ولكن إلصاق هذه التهم بالمعارضين السلميين كان ضروريًا ليصبح ممكنًا، على الورق على الأقل، حبسهم احتياطيًا لمدد مفتوحة.

لا أساور للمعارضين

وبالتالي، فإننا نتحدث هنا عن مشكلة سياسية في الأساس، وليس قانونية فقط، مع الوضع في الاعتبار السجل الطويل للحكومات والبيروقراطية المصرية في تفصيل القوانين لتبرير كل الممارسات والأفعال، والأخطر من ذلك التحايل عليها.

كما أن قرار مجلس الأمناء بوضع قائمة من المحبوسين "تحت بصر" السيد الرئيس، يتجاهل أن لدى الرئاسة والجهات الأمنية قوائم ثابتة لم تتغير منذ انطلاق الحوار قبل عامين، كثير منهم لا يزال في غياهب السجون رغم النداءات المتكررة بإخلاء سبيلهم، مثل المحكوم عليهم علاء عبد الفتاح ومحمد أكسجين ومحمد عادل، والمحبوسين احتياطيًا مروة عرفه ونرمين حسين وشريف الروبي وحمدي الزعيم وآخرين.

وللأسف، فإن مسار تقديم القوائم لا ينتهي مع استمرار حبس المعارضين، بما في ذلك أعضاء حملة المعارض أحمد الطنطاوي.

وفي كل اللقاءات التي كانت تجري للتحضير لجلسات الحوار الوطني قبل انطلاقه مع الجهة الداعية، كنت أكرر أن مشكلتنا لا تكمن في القوانين أو في تعديلها، لكن في اتخاذ قرار سياسي على أعلى مستوى بالتوقف عن إلقاء القبض على المعارضين السياسيين أو من يمارسون حقهم في التعبير السلمي عن رأيهم على السوشيال ميديا.

هذا هو أصل المشكلة في السياق المصري، وليس القانون نفسه أو مدة الحبس الاحتياطي أو بدائله. فالمعارضون السياسيون وأصحاب الرأي الذين يُتخذ قرار بحبسهم لن توضع لهم أساور كما في الأفلام الأمريكية لمراقبة تحركاتهم وضمان عدم هروبهم، لأن الغرض أصلًا هو حبسهم وإسكاتهم.

بالطبع نحن بحاجة لتخفيف اكتظاظ السجون وأقسام الشرطة بالعثور على بدائل للحبس الاحتياطي في القضايا الجنائية البسيطة نسبيًا، ولكن أنا على ثقة في أن كل المشاركين في جلسة اليوم الثلاثاء يدركون جيدًا أن المشكلة لا تكمن في القانون أو النصوص والبدائل، ولكن في ممارسة سياسية وأمنية طويلة ممتدة، تستخدم السجن أداة لإسكات المعارضين وتخويفهم من التعبير الحر عن آرائهم.

وطالما لم تتغير هذه الممارسة، فإن مصير توصيات اجتماع اليوم لن تختلف عن التوصيات التي وردت في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عام 2021، أو في مشاريع قوانين متراكمة أمام مجلس النواب لم يتم النظر فيها أو تحريكها منذ سنوات. المطلوب التعامل مع المرض وليس العرض.  

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.