تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
العلاقات المصرية الإسرائيلية

كيف تكيّفت مصر لحماية موقع "الوسيط المعتدل" في عالم ما بعد 7 أكتوبر؟

منشور الخميس 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026

في ليلة التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، ضربت مقاتلات إسرائيلية مجمعًا سكنيًا في الدوحة كان مفاوضو حماس يجتمعون فيه لمناقشة مقترح أمريكي جديد لوقف إطلاق النار في غزة. كانت ذلك أول استهداف إسرائيلي لعاصمة خليجية تستضيف قاعدة جوية أمريكية، وتتوسط نيابة عن واشنطن وإسرائيل، وكانت قبل أيام فقط تنقل الشروط الأمريكية إلى رجال المقاومة الفلسطينية الذين حاولت إسرائيل قتلهم في هذه الضربة.

طار الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى القمة الطارئة التي عُقدت في الدوحة بعد ستة أيام، وأدان "الانفلات الإسرائيلي، والغطرسة الآخذة فى التضخم" ووصف إسرائيل بـ"العدو" محذرًا من "عودة المنطقة إلى أجواء الصراع". أضاف الرئيس بعض هذه الألفاظ من عنده، باعتقاد مصدر رسمي تحدث لـ المنصة، وهو ما يشير إلى تحول في الطريقة التي تقرأ بها المؤسسة الرسمية المصرية إسرائيل اليوم، لا بوصفها شريك سلام يصعب التعامل معه أحيانًا وتحكمه معاهدة عمرها 45 عامًا، بل بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والمصري.

لم تعد حرب غزة أزمة تقع على حدود مصر فحسب. فخلال السنوات الثلاث الماضية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ امتد أثر الحرب إلى شبكة علاقات القاهرة الأوسع، من إسرائيل وإيران إلى تركيا ودول الخليج، وإلى تصورها للدور الذي تستطيع أن تلعبه في نظام إقليمي شديد الاضطراب.

في مايو/أيار 2024، قُتل جندي مصري وأصيب آخرون برصاص قوات إسرائيلية قرب معبر رفح. وفتح الجيشان المصري والإسرائيلي تحقيقين في الحادث، فيما حذرت مصر من أي تهديد لقواتها، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره.

جاء الحادث بعد أسابيع من سيطرة القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح والعمل على امتداد محور فيلادلفيا، الشريط البالغ نحو 14 كيلومترًا على الحدود المصرية. وبحلول نهاية مايو، قالت إسرائيل إنها حققت "سيطرة عملياتية" على المحور، ما منح جيشها عمليًا السيطرة على كامل الحدود البرية للقطاع.

تكيف تكتيكي

بالنسبة إلى مصر، بات الضغط يطال مباشرة الترتيبات الأمنية التي بنتها القاهرة وتل أبيب على مدى عقود. فإسرائيل المستعدة لضرب عاصمة خليجية، وطرحت قيادتها علنًا أفكارًا لتهجير سكان غزة إلى الأراضي المصرية، لم تعد هي إسرائيل التي بنى ساسة مصر معاهدة السلام معها قبل أربعة عقود.

وحسب ما نقلته لوكالة أسوشيتد برس عن مسؤول مصري رفيع المستوى حينها؛ احتجت القاهرة رسميًا لدى إسرائيل والولايات المتحدة وحكومات أوروبية، مؤكدة أن عملية رفح قد تضع معاهدة السلام في "خطرٍ متنامٍ". ووفقًا لما نقلته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية؛ أبلغ مسؤولون مصريون مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وليام بيرنز خلال زيارته للقاهرة في الشهر نفسه أن على واشنطن الضغط فورًا على تل أبيب لوقف عملياتها العسكرية، وإلا فإن القاهرة قد تتجه إلى "تعليق" اتفاقيات كامب ديفيد. وتزامن ذلك مع إعلان مصر نيتها الانضمام إلى دعوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية التي تتهم إسرائيل بالإبادة الجماعية.

لكن وزير الخارجية حينها سامح شكري، خرج مؤكدًا في مؤتمر صحفي مع نظيرته السلوفينية أن "اتفاقية السلام مع إسرائيل هي خيار مصر الاستراتيجي منذ 40 عامًا، وركيزة السلام الرئيسية في المنطقة لتحقيق السلام". كما انتهت مهلة تقديم طلبات وإعلانات التدخل في دعوى جنوب إفريقيا في مارس/آذار الماضي دون أن تنضم مصر رسميًا.

وهذا التناقض هو المدخل الحقيقي لفهم ما تغيّر في السياسة المصرية؛ تحول أقرب إلى التكيف التكتيكي منه إلى التغيير الهيكلي.

طوال معظم حقبة السيسي، كما في جزء كبير من عهد مبارك، تعاملت القاهرة مع العلاقة بإسرائيل كأصل استراتيجي أكثر منها عبئًا سياسيًا. وبنت معها علاقة عملية تجاوزت نص المعاهدة فبنت تنسيقًا أمنيًا حول سيناء ومكافحة الإرهاب، وتفاهمات استخباراتية وعسكرية، ووساطة بين إسرائيل وحماس، وصفقات غاز واسعة.

"كانت العلاقة وظيفية، والوظيفية كانت أهم للقاهرة من المودة لكن الحرب على غزة كانت تعرقل هذه الوظيفية بشكل شبه يومي"، يوضح مصدر مطلع على الملف لـ المنصة. فقبل 7 أكتوبر، كما يقول، كانت القاهرة تنظر إلى العلاقة مع إسرائيل والقضية الفلسطينية باعتبارهما "مسارين متوازيين". لكن الحرب غيرت هذه المعادلة. صحيح أن مصر لم تصبح أكثر انخراطًا في القضية الفلسطينية بسبب الحرب، فقد كانت فلسطين على مدى عقود ملفًا أمنيًا ودبلوماسيًا أساسيًا بالنسبة إلى القاهرة، لكن طبيعة الأسئلة التي اضطرت مصر إلى التعامل معها تغيرت.

"تحول الملف خصوصًا مع محاولات إسرائيل تهجير الفلسطينيين إلى سيناء وإمكانية الاشتباكات على الحدود إلى قضية أمن قومي مصري مباشر، بما فرضه ذلك من حسابات تقارب حسابات العداء لا حسابات الوساطة"، يضيف المصدر.

ويصاحب البرود الشعبي التقليدي الآن "فتور رسمي"، وفقًا لتعبير مصدر دبلوماسي، "رغم استمرار التنسيق والاتصالات على المستوى الأمني الأدنى". وتراجعت العلاقات السياسية والدبلوماسية إلى أدنى مستوياتها؛ فلا توجد لقاءات بين وزيري الخارجية أو مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولا تمثيل دبلوماسي على مستوى السفراء.

وظل منصب السفير المصري في تل أبيب شاغرًا منذ رحيل خالد عزمي في أكتوبر 2024، واكتفت القاهرة بتكليف مجدي الدريني قائمًا بالأعمال حسب مصادر رسمية مصرية تحدثت لـ المنصة. كما بقي منصب السفير الإسرائيلي في القاهرة شاغرًا منذ 2023؛ فبعد مغادرة السفيرة السابقة أميرة أورون، رشحت تل أبيب أوري روثمان خلفًا لها، لكن مصر لم تمنحه الموافقة اللازمة.

"وعلى الأرجح لن يتم أي تبادل للسفراء في ظل حكومة نتنياهو"، كما يقول الدبلوماسي لـ المنصة.

وخلال الفترة نفسها، كرر وزير الخارجية بدر عبد العاطي التزام مصر  بتعهداتها مع إسرائيل بموجب معاهدة السلام، طالما التزم الجانب الإسرائيلي بتعهداته، لكنه وصف العلاقات بأنها تشهد "احتقانًا شديدًا " بسبب "السياسات العدوانية"، وذهب إلى القول "ليس لدينا حاليًا شريك في إسرائيل من أجل السلام".

ويقول المصدر الدبلوماسي لـ المنصة إن مصر رأت أن إسرائيل تجاوزت خطوطًا حمراء، وأن سلوكها نفسه بدّل الافتراضات التي قامت عليها العلاقة الرسمية. فحجم الدمار في غزة، وتهديد التهجير نحو سيناء، والعمليات حول رفح ومحور فيلادلفيا، ثم اتساع العمليات الإسرائيلية إلى لبنان وسوريا وإيران وقطر، عمّقت في القاهرة القلق من نمط سلوك إقليمي يتجاوز فلسطين.

وبينما تتمسك مصر بجوهر العلاقة التي أرستها معاهدة السلام، أصبحت أقل حذرًا أحيانًا في مفرداتها تجاه إسرائيل، منددة بطموحاتها التوسعية وهيمنتها العسكرية، وتراها على نحو متزايد مصدرًا لعدم استقرار إقليمي واسع.

لذلك باتت القاهرة تفكر في كيفية إدارة علاقة ترى أن الانسحاب الكامل منها أخطر من البقاء داخلها، بالتوازي مع البحث عن ترتيبات إقليمية أوسع. "لهذا أصبحت الاستراتيجية الإقليمية المصرية أكثر اعتمادًا على إدارة الأزمات"، بحسب مصدر دبلوماسي ثانٍ تحدث لـ المنصة.

إيران والتطبيع المتعطل

مصر التي اعتادت أن توازن بين شركاء متوافقين إلى حد بعيد أصبحت مضطرة الآن للموازنة بين معسكرات متنافرة فعليًا: إسرائيل وإيران في حرب مفتوحة، والسعودية والإمارات في خلاف علني غير مسبوق، وتركيا وإسرائيل في توتر متصاعد، والولايات المتحدة نفسها تبدو أقل قدرة، أو أقل رغبة، في ضبط إيقاع المنطقة كما فعلت لعقود. 

المتضادات كثيرة أيضًا في جوارها المباشر من السودان إلى ليبيا إلى القرن الإفريقي، وتهدد وضعًا اقتصاديًا داخليًا هشًا يمنعها أحيانًا من اختيار جانب حتى النهاية. وباعتقاد المصدر الدبلوماسي الثاني فإن الحرب على إيران جعلت "نقطة التوازن تتجه شرقًا، باتجاه باكستان وتركيا وقطر"، أما المصدر المطلع على الملف فيرى أن نظر القاهرة امتد إلى هذه الجهة كذلك لأن فيها ما يزعج إسرائيل أيضًا.

زار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القاهرة في ديسمبر/كانون الأول 2024 للمشاركة في قمة الدول الثماني النامية، وبعد أشهر حل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ضيفًا على القاهرة ضمن محاولات مصرية للوساطة بين طهران ووكالة الطاقة الذرية، والتقى الوزير الإيراني مجموعة من المفكرين والدبلوماسيين السابقين. وأجرى جولة في القاهرة الفاطمية وزار مسجد الحسين بن علي، وتحدث عن "مرحلة جديدة" في العلاقة مع مصر.

وسريعًا، عمدت الحكومة الإيرانية إلى نزع اسم خالد الإسلامبولي قاتل السادات، من أحد الشوارع الرئيسية شمال طهران، كما محت الجدارية التي تحمل صورة كبيرة له من على مبنى "الإمام الخميني" الواقع في الشارع نفسه، حسب مصادر رسمية دبلوماسية تحدثت لـ المنصة.

وبنهاية 2025، كان تطبيع العلاقات يسير بوتيرة سريعة، وأنتج تواصلًا رئاسيًا متكررًا، وكانت هناك ترتيبات تجري لزيارة وزير الخارجية المصري إلى طهران. لكن المسار تعثر بعد احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026 في إيران، ثم اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية. ومع ذلك، استمر التنسيق بين البلدين، وزار عراقجي مصر سبع مرات حتى الآن. لكن رد إيران على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، من خلال استهداف دول خليجية، "أثر على مسار العلاقات الثنائية وعطلها"، يقول المصدر الدبلوماسي الأول لـ المنصة. وظل الإعلان الرسمي عن تبادل السفراء معلقًا.

وبقدر ما يمتدح الدبلوماسي الأول التقارب مع إيران ضمن ما يعتبره سياسة أوسع تنتهجها مصر لعدم مقاطعة أي طرف أو الابتعاد عن أي ملف، بما فيه "سوريا الشرع"، ينتقد المصدر المطلع على الملف "المنهجية التفاوضية" لهذا التقارب.

"لقد قررنا ننفتح على إيران أولًا بسبب غزة، بعد أن أصبحت هناك مشكلة حقيقية مع إسرائيل، مثلما كانت القطيعة مع إيران مستمرة حرصًا على العلاقة مع دول الخليج". وحسب المصدر نفسه، فإن القطيعة والعودة كانتا للأسباب الخطأ، وكانت القاهرة في الحالتين بحاجة للبحث عن أسباب تخصها هي، لا أن تكون محملة بأعباء الآخرين. ويقول إن مصر "كمركز للعالم العربي، لا يجب أن تتهاون مع تمدد نفوذ إيران في الشرق، وما يعنيني هو تموضع ونفوذي أنا، والتقارب بهذا الشكل قد تفهمه طهران على أنه على الأقل قبول بسياستها".

ويعتقد المصدر أن "هذه ورقة تفاوضية كبرى. وكنا بحاجة لتعظيم شروطنا والنظر في كيفية توظيف انفتاحنا على إيران في العلاقة مع السعودية وتموضعنا مع الأمريكان".

عين على إسطنبول

تبع انفتاح مصر على تركيا منطقًا مماثلًا لكنه يتحرك بوتيرة أسرع، لأنه انطلق من نقطة أقرب من غزة؛ فقد أُعيد تبادل السفراء في يوليو/تموز 2023، قبل أشهر من الحرب، بعد سنوات من القطيعة على خلفية التغييرات السياسية في مصر عام 2013. وسبق أن تناولت المنصة بالتفصيل تحول العلاقة من الخصومة إلى تعاون عسكري متسارع.

لكن غزة منحت هذا التقارب مضمونًا استراتيجيًا إضافيًا "تم التسارع في المصالحة مع تركيا لأسباب اقتصادية ولكن أيضًا نتيجة لأن لدينا خصمًا وعدوًا مشتركًا هو إسرائيل"، يقول المصدر الدبلوماسي الأول لـ المنصة. ويقول المصدر المطلع على الملف "كان المهم هو أن نواجه الآلة العسكرية الإسرائيلية المرعبة على حدودنا الشرقية، لكننا تراجعنا عن بعض نقاط لصالح المصلحة مع تركيا وتغاضينا عن دور تركيا في ليبيا وفي السودان. ونحن الآن نتحالف مع تركيا في القرن الإفريقي".

ويظهر هذا التحول بوضوح في ليبيا. فبعد سنوات دعمت فيها القاهرة قوات الشرق في مواجهة حكومة طرابلس التي تدعمها أنقرة، انفتحت مصر لاحقًا على حكومة الدبيبة واستقبله السيسي في العلمين، فيما وسعت أنقرة تنسيقها مع خليفة حفتر ونجليه.

ويصف الدبلوماسي الثاني هذا النهج بأنه "دبلوماسية الجغرافيا الاقتصادية"، بينما يعتقد المصدر المطلع على الملف أنه "أحد الكروت التي تنازلنا عنها بسهولة، رغم أن الشرق كان تحت سيطرتنا وكنا نحاول أن نمد للغرب الليبي، الآن هي [تركيا] مسيطرة على الغرب وتمد نفوذها شرقًا". ويتساءل المصدر نفسه " هذا الوضع محل ترحاب لأن علاقتنا طيبة مع تركيا الآن، لكن ماذا لو ساءت العلاقة في أي لحظة لاحقة؟".

وتجاوز التقارب في 2025 و2026 البعد السياسي إلى تعاون عملياتي مباشر. فمنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ووفق تحقيق نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في فبراير 2026، أطلقت مصر وتركيا تعاونًا عسكريًا وميدانيًا لدعم الجيش السوداني، حيث تمد أنقرة مصر بطائرات مسيرة من طراز "آقنجي" وذخائر ذكية لتنفيذ ضربات جوية تستهدف خطوط إمداد قوات الدعم السريع السودانية المنطلقة من الأراضي الليبية الخاضعة لسيطرة قوات حفتر، وهو تعاون كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة.

وهنا يفتح التقارب مع تركيا بابًا على حسابات مصر الخليجية. فالقاهرة تدعم الجيش السوداني بوصفه ضامنًا لدولة موحدة على حدودها الجنوبية، بينما اتهم خبراء بالأمم المتحدة ومحققون حقوقيون ومسؤولون سودانيون الإمارات بتسليح قوات الدعم السريع.

وبحلول يناير 2026، ومع استيلاء المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على أراضٍ في اليمن واتساع التوترات بين الرياض وأبوظبي، أعلن السيسي ووزير الخارجية السعودي أن مواقفهما بشأن اليمن والسودان "متطابقة"، بما جعل القاهرة أقرب إلى الموقف السعودي في هذين الملفين، رغم استمرار اعتمادها الاقتصادي الكبير على الإمارات.

لكن لا شيء من ذلك يرقى إلى قطيعة. فالإمارات تبقى أحد أهم مصادر الاستثمار لمصر، فيما وجدت القاهرة منذ حرب غزة نقطة ارتكاز أخرى في قطر، حيث "هناك تناغم كبير في العلاقات، ويمكن القول إنها في أفضل حالاتها"، بحسب الدبلوماسي الأول.

سؤال مكة

وإذا كانت هناك لحظة واحدة تُبلور ما تغير وما لم يتغير في الاستراتيجية المصرية، فهي غياب القاهرة عن اتفاق مكة للدفاع المشترك.

ففي 7 أغسطس الماضي، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي بينها، في ظل تصاعد الدعوات إلى هياكل أمنية إقليمية بديلة عن الترتيب الذي قادته واشنطن لعقود.

كانت مصر قد شاركت في اجتماعات تشاورية خلال العام السابق، لكنها، رغم بحثها عن صيغة أمنية جديدة للمنطقة بعد الحرب، لم تكن شهيتها مفتوحة للانضمام لحلف عسكري قد يُفهم أنه موجه ضد بلد بعينه، كما أن حاجتها إلى تحالفات عسكرية ملزمة تبدو أقل إلحاحًا.

واتجهت القاهرة بدلًا من ذلك إلى تنسيق آخر أخذ شكل الرباعية الإقليمية أو R-4، وهي آلية تشاورية تجمعها مع السعودية وباكستان وتركيا. ووفق مصدر دبلوماسي ثالث تحدث مع المنصة، تصورت القاهرة أن فكرة التحالف العسكري دُفنت، إلى أن علمت بشكله النهائي قبل الإعلان عنه بيومين.

لم توقع مصر على الاتفاق، وقال وزير خارجيتها إن الانضمام يتطلب "دراسات معمقة في ضوء دستور مصر والتزاماتها القانونية"، وتعددت التكهنات في ظل أحاديث صحفية عن أن السعودية غير متحمسة لضم مصر، واحتمالية انضمام لاحق عبرت عنه تركيا. لكن القاهرة استاءت من طريقة إدارة الملف، رغم أنها لم تظهر أي رغبة في الانضمام، وعبرت عن غضبها بمقاطعة اجتماع للرباعية كان مقررًا في إسطنبول نهاية أغسطس.

لكنَّ هذا التوتر سرعان ما تبدد في سبتمبر، حيث استضافت مصر في مقر بعثتها بنيويورك اجتماعًا لاحقًا للرباعية، على هامش اجتماعات الجمعية العامة. وانتهى الاجتماع بتأكيد مركزية القضية الفلسطينية لأي سلام إقليمي دائم.

ويختصر هذا المسار حدود التحول المصري: القاهرة تريد مساحة أكبر للحركة، وشبكة أوسع من الشراكات، لكنها ما تزال متحفظة تجاه التحالفات العسكرية الملزمة التي قد تدفعها إلى اصطفاف صريح.

ويضيف الوضع الاقتصادي قيدًا آخر على هذه المساحة. فهجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر خفضت إيرادات قناة السويس بنحو الثلثين في 2024، كما تأثرت السياحة وصادرات الغاز بالصراعات في الإقليم. ولا تملك حكومة هشة اقتصاديًا بهذا الشكل سوى هامش ضيق لترجمة مواقفها وسياساتها إلى انحيازات واضحة أو التزامات أمنية مكلفة.

ويعتقد المصدر المطلع على الملف أن مصر "تنازلت عن بعض الأوراق طواعية ولذلك نحن بحاجة ماسة للخروج من هذا المأزق والأزمة الاقتصادية، خاصة أن بعض الدول المانحة تعمل ضد مصالحنا دون أن نكون قادرين على اتخاذ أي إجراء رادع بسبب هذا الوضع الاقتصادي". ويضيف "نحن بحاجة لاستعادة قدرتنا على إبراز القوة لأن جزءًا أساسيًا من السياسة يكمن في أن يحسب الآخرون لك حسابًا".

لكن السياسة الخارجية المصرية تظل، بحسب ما أجمعت عليه المصادر، حذرة وتميل إلى تجنب المخاطر وعدم تصدر المشهد. وما كشفت عنه حرب غزة هو أن هوية مصر التقليدية بوصفها وسيطًا معتدلًا وغير منحاز إلى أي من الأطراف أصبحت أصعب في شرق أوسط مستقطب بين إسرائيل وأحلامها وأفعالها التوسعية، وتصدع في الجبهة الخليجية بسبب الخلاف السعودي الإماراتي المتسع، والملف الإيراني الذي لم يُحسم، وتركيا الحاضرة من سوريا إلى الفناء الخلفي الإفريقي لمصر نفسها.

مصر لا تريد الانسحاب من علاقاتها القديمة، لكنها لا تملك ترف الاصطفاف الكامل مع محور جديد. وبين الاثنين، تعيد القاهرة ترتيب حساباتها من دون أن تكون قد حسمت بعد شكل النظام الإقليمي الذي تريد أن تراه، أو الدور الذي تريد أن تلعبه فيه.