تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
انتقلت العلاقة بين مصر وتركيا من خصومة امتدت لعقد كامل، إلى تعاون عسكري متسارع

لماذا يتسارع التعاون العسكري المصري مع تركيا بعد سنوات الخصومة؟

منشور الثلاثاء 1 أيلول/سبتمبر 2026

في يونيو/حزيران الماضي، أجرت القوات الجوية للبلدين تدريبًا مشتركًا في قواعد مصرية بمشاركة مقاتلات متعددة المهام، قبل أن تنتقل مقاتلات مصرية في يوليو/تموز، إلى تركيا للمشاركة في تدريب "نسر الأناضول 2026" إلى جانب القوات الجوية التركية والأذربيجانية وطائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي. 

بعدها ببضعة أيام، بدأت في مصر مناورات "العُقاب الذهبي" بمشاركة قوات من المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة التركية، وهدفت، بحسب القوات المسلحة، إلى "تحقيق الدمج والتجانس" وتبادل الخبرات التكتيكية.

وبعد "العُقاب الذهبي" بأيام، زار وزير الدفاع المصري أنقرة ووقع مع نظيره التركي خطاب نوايا للتعاون الدفاعي، بالتوازي مع إطار أوسع لتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة. 

وبعيدًا عن المناورات، نقلت رويترز في فبراير/شباط عن تقارير مفتوحة المصدر أن مسيّرات بيرقدار تركية نُشرت في قاعدة شرق العوينات قرب الحدود المصرية السودانية، واستُخدمت ضد قوات الدعم السريع دعمًا للجيش السوداني. 

هذا التعاون العسكري، الذي نرى وتيرته تتسارع خلال العام الحالي، بدأ قبل ذلك. فمنذ 2025 وقع البلدان اتفاقات إنتاج مشترك للمركبات البرية غير المأهولة والطائرة المسيّرة "تورجا"، فيما قال رئيس الهيئة العربية للتصنيع إن مصر تنتج مسيّرات بالتعاون مع تركيا والصين بمكون محلي لا يقل عن 50%، إلى جانب إنتاج المركبة غير المأهولة "العقرب". 

فكيف تعززت في غضون أشهر هذه الشراكة العسكرية الوثيقة بعد حوالي عقد من القطيعة بين البلدين، كادت تتحول إلى مواجهة مباشرة في وقتٍ ما؟

بعد عقد من الخصومة

خلال التجهيز للمؤتمر الصحفي لوزيري خارجية مصر وتركيا في القاهرة بتاريخ 14 أكتوبر 2023.

"تاريخيًا، كانت العلاقات بين البلدين معقدة، تتراوح بين التعاون والتوتر، لكنها لم ترتقِ إلى هذا القدر من التعاون من قبل". هكذا يصف نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق والسفير المصري الأسبق لدى إسبانيا أيمن زين الدين العلاقة بين البلدين، مشيرًا إلى أن ما يحكمها يتجاوز أي قيادة أو توجه أيديولوجي.

ويقول الدبلوماسي المصري لـ المنصة إن فهم التحول الحالي يحتاج أولًا إلى وضع سنوات القطيعة في سياق العلاقات التاريخية بين البلدين، موضحًا أن "جزءًا مما كان وراء تعقيد العلاقات، يرتبط بتصور الدولتين لدورهما الإقليمي؛ فمصر فاعل قيادي في العالم العربي، بينما تسعى تركيا للعب دور في المنطقة، وهي قوة غير عربية".

إلا أن الأمور بين البلدين بلغت درجة عالية التوتر بعد رفض أنقرة الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي في يوليو/تموز 2013، ما دفع البلدين لتخفيض العلاقات بينهما إلى مستوى القائم بالأعمال، وطرد السفراء. ثم سرعان ما تجاوزت الخصومة علاقات البلدين الثنائية إلى خلافات أوسع في المصالح الإقليمية، خصوصًا في ليبيا وشرق المتوسط.

لكن زين الدين يرى أن هذا الملف "توارى" بمرور الوقت، حتى أدركت أنقرة أن العودة إلى الوضع السابق لـ30 يونيو في مصر لم يعد ممكنًا وأنه لا يصح لحساباتها الكبرى في سياستها الخارجية أن تظل متوقفة عند لحظة تاريخية معينة.

من زاوية أخرى، يرى رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية العميد سمير راغب أن التطور الحالي لا يمكن ربطه بعامل واحد، وأن تركيا أعادت تقييم سياستها تجاه مصر ضمن مراجعة أوسع لتحركاتها في المنطقة، وابتعدت تدريجيًا عن جعل علاقتها بالإسلام السياسي محددًا رئيسيًا لهذه العلاقة.

ويستشهد راغب كذلك باستمرار المصالح الاقتصادية خلال سنوات القطيعة "دليل قوة العلاقات الشعبية مع تركيا أنه حتى في فترة التوتر، لم تُمس الاستثمارات التركية بسوء".

وبالفعل، نمت العلاقات الاقتصادية بين البلدين رغم القطيعة السياسية؛ إذ ارتفع التبادل التجاري بينهما بين عامي 2013 و2022، من 4.35 إلى 7.8 مليار دولار، قبل أن يقترب من تسعة مليارات دولار في 2026.

وبدأ البلدان إنهاء القطيعة بمشاورات في 2021، قبل إعادة السفراء في 2023 وتبادل زيارات رئاسية في 2024 تُوجت بانعقاد أول اجتماع لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى.

غير أن 2026 شهد تحولًا لافتًا في طبيعة العلاقة. ففي الاجتماع الثاني للمجلس في القاهرة في فبراير، وقع البلدان مذكرة تفاهم في مجال الدفاع، ووضعا التعاون العسكري داخل شبكة أوسع من التنسيق بشأن ليبيا وغزة والسودان والصومال والقرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر.

تحول لافت

السيسي يصافح إردوغان في الدوحة على هامش افتتاح مونديال قطر 2022

تكشف ليبيا أكثر من غيرها حجم التحول في العلاقات بين البلدين. فقبل سنوات، دعمت أنقرة حكومة طرابلس عسكريًا وسياسيًا، بينما أقامت القاهرة علاقة وثيقة مع شرق ليبيا وقوات خليفة حفتر. ومع تصاعد القتال في 2020 أصبحت ليبيا أقرب ساحة لاحتمال صدام حقيقي بين البلدين.

ويرى زين الدين أن ليبيا كانت نقطة تماس شديدة الخطورة في سياق الخلاف بين البلدين مقارنة بملف الحدود البحرية وغاز شرق المتوسط.

وأوضح أن مصر حرصت في ذروة التوتر أن تُبقي على هامش يمنع القطيعة الكاملة مع تركيا، وأن التطورات الليبية كشفت لأنقرة حدود قدرتها على فرض تصورها إذا اصطدم مباشرة بالمصالح المصرية وبالواقع الليبي الذي تفهمه القاهرة.

ويقول إن القاهرة وأنقرة قامتا بـ"مراجعة عميقة لأسباب الخلاف بينهما، إدراكًا لأن واقع المنطقة في الحالة الحالية لا يتطلب أي صدام أو استنزاف قدرات بينهما".

لكن الدلالة الأوضح تتمثل في موقف تركيا نفسها خلال الفترة الأخيرة، حيث وسعت علاقاتها مع السلطات والقوات في شرق ليبيا التي ظلت لسنوات الأقرب إلى القاهرة. وانتقلت أنقرة من الحوار السياسي مع معسكر حفتر إلى تعاون فني وعسكري وتدريب لضباط من الشرق الليبي. وبحسب تقرير للجزيرة في يوليو/تموز، قال مصدر مصري مطلع قوله إن التحركات التركية في ليبيا تجري بالتنسيق المسبق مع القاهرة. كما كثف مسؤولون أتراك لقاءاتهم مع نائب قائد قوات شرق ليبيا صدام حفتر، بالتوازي مع استمرار علاقة أنقرة الوثيقة بطرابلس.

وإذا صح هذا المستوى من التنسيق، تصبح ليبيا نموذجًا واضحًا لما تغير في العلاقة، إذ بات كل طرف أكثر استعدادًا للتعايش مع نفوذ الآخر ومحاولة توظيفه داخل تسوية أوسع. 

ويتسق ذلك مع الموقف المشترك الرسمي في فبراير/شباط، حين أعلن البلدان دعمهما عملية سياسية ليبية بقيادة الليبيين وبرعاية الأمم المتحدة تحفظ وحدة البلاد وسيادتها.

لكن التقارب لا يعني بالضرورة نهاية التباين؛ فتركيا لا تزال تحتفظ بعلاقات أمنية وعسكرية واسعة في غرب ليبيا، بينما تظل القاهرة أكثر ارتباطًا بمعسكر الشرق، كما أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي أبرمته أنقرة مع حكومة طرابلس في 2019 كان وما يزال أحد أهم مصادر الخلاف المصري التركي في شرق المتوسط. لذلك تبدو ليبيا حتى الآن أقرب إلى مساحة لإدارة التنافس منها إلى دليل على تطابق المصالح.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الليبي، بحضور اللواء حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة، والفريق أول صدام خليفة، نائب القائد العام للجيش، والفريق أول خالد خليفة، رئيس الأركان، 8 ديسمبر 2025.

من يحتاج الآخر؟

تكشف الصناعات الدفاعية أحد أوجه المنفعة التي تحصل عليها مصر من التقارب. فتركيا بنت خلال السنوات الأخيرة صناعة دفاعية متسارعة في الطائرات المسيّرة والإلكترونيات والذخائر والمنصات الجوية والبحرية، ما يضيف للقاهرة مصدرًا جديدًا للتكنولوجيا والتسليح ضمن سياستها لتنويع الموردين.

ومع بدء التعاون بالفعل في إنتاج بعض المنظومات داخل مصر، يصبح السؤال هو مدى إمكانية توسعه إلى نقل مزيد من التكنولوجيا ومشروعات تصنيع أكثر تقدمًا.

وفي هذا السياق يرى راغب إمكانية تطور التعاون مستقبلًا إلى مشروعات أخرى"تركيا لديها مشروعات متقدمة مثل المقاتلة كان من الجيل الخامس، ومصر قد تستفيد مستقبلًا من المشاركة في التصنيع أو إنتاج مكونات"، معتبرًا أن مثل هذا التعاون يخدم أيضًا سياسة تنويع مصادر التسليح المصرية.

ويضيف "أنا مؤمن بالعلاقات مع الدول ذات المستوى المتقارب، يعني أنت تعمل مشروع مشترك/joint venture مع تركيا أفضل من أمريكا، من وجهة نظري، أو حتى روسيا".

تمتلك مصر علاقات مباشرة مع أطراف تستطيع تسهيل أو تعطيل المصالح التركية في أكثر من ساحة

وفي ضوء ذلك، يقول الأستاذ المساعد ونائب رئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة عبد الله غول الدكتور تشاجلار كورتش لـ المنصة إن "تركيا مستعدة دائمًا لمشاركة تكنولوجيتها ومساعدة الدول الأخرى على تحسين قدراتها في الصناعات الدفاعية، والأمر يعتمد على ما ستطلبه مصر".

لكن زين الدين لا يرى أن المنفعة العسكرية تتحرك في اتجاه واحد، ويوضح "مصر لديها برامج لتطوير قدرات عسكرية وتكنولوجيا عسكرية قد تفيد تركيا، ولا أستبعد، مثلًا، أن يكون لدى مصر ما يفيد تركيا في بعض أنواع العربات وبعض الصواريخ".

أما قيمة مصر بالنسبة لتركيا تكمن في موقعها؛ فالقاهرة تقع عند تقاطع ملفات غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتمتلك علاقات مباشرة مع أطراف تستطيع تسهيل أو تعطيل المصالح التركية في أكثر من ساحة.

وفي المقابل، أصبحت تركيا لاعبًا عسكريًا مباشرًا في ليبيا وسوريا، وتملك نفوذًا متزايدًا في القرن الإفريقي، إلى جانب قدرتها الصناعية العسكرية وعلاقاتها داخل حلف شمال الأطلسي. 

التوحش الإسرائيلي في المنطقة قد لا يفسر بداية المصالحة لكنه يفسر تسارع بعدها العسكري

وبذلك تعرض تركيا في هذه العلاقة قدرات صناعية وعسكرية ونفوذًا متزايدًا في بعض ساحات الإقليم، بينما تمنح مصر أنقرة شريكًا عربيًا وإفريقيًا ثقيلًا وموقعًا جغرافيًا وسياسيًا يصعب تجاوز مصالحه في الملفات نفسها. 

وفي نفس السياق يتضح التنسيق بين البلدين في الإعلان المشترك الصادر في فبراير/شباط، حيث اتفقت القاهرة وأنقرة بشأن سلسلة من الملفات التي كانت في السابق أقرب إلى ساحات تنافس أو سياسات متوازية؛ فأكدتا دعم وحدة وسيادة الصومال، ورفض إقامة هياكل حكم موازية في السودان، وأهمية تأمين البحر الأحمر واستعادة حركة الملاحة الطبيعية فيه، فضلًا عن التنسيق بشأن غزة.

ويرى راغب أن اتفاق البلدين على هذه الملفات يشير إلى أن أنقرة تعيد اكتشاف "امتدادها" جنوبًا بعد سنوات كان تركيزها فيها أكبر على أوروبا.

ومع اتساع ساحات المصالح المتداخلة بين الطرفين، أصبحت كلفة التنافس المباشر أعلى؛ فكل دولة تستطيع التأثير في ملفات تمس أمن الأخرى أو مصالحها، ما يجعل التنسيق أقل كلفة من محاولة إقصاء الطرف الآخر من كل ساحة.

إسرائيل وعسكرة المصالحة

"التقارب بين مصر وتركيا تجاوز مرحلة إدارة الملفات الخلافية بصورة تكتيكية، وأصبح أقرب إلى تقارب أوسع في النظرة إلى البيئة الأمنية الإقليمية" هكذا يصف الأستاذ المساعد بجامعة ابن خلدون التركية الدكتور جوخان إريلي العلاقة الحالية بين البلدين، مشيرًا إلى أن التوترات الإقليمية الحالية أدت لتسريع وتيرة التقارب.

ويوضح أن القاهرة وأنقرة راقبتا ضرب إسرائيل لأهداف في قطر من دون أن تواجه ردعًا أمريكيًا مؤثرًا، وهو ما دفع العاصمتين إلى استخلاص نتائج متشابهة بشأن هشاشة منظومة الردع الإقليمي المرتكزة على الولايات المتحدة.

ويقول إريلي لـ المنصة إن "غزة وليبيا والبحر الأحمر لا تزال الساحات العملياتية التي يُختبر فيها هذا التقارب"، لكن التعاون بين البلدين في هذه الملفات بات يستند، في رأيه، إلى منطق أوسع يقوم على التحوط في مواجهة التحركات الإسرائيلية الأحادية، وتنويع الخيارات بعيدًا عن الاعتماد على واشنطن.

ومن جانبه، يرى زين الدين أن حرب الإبادة الجماعية على غزة وممارسات إسرائيل أضافتا دافعًا آخر لهذا التقارب بين أنقرة والقاهرة، ويقول إن "القلق من ممارسات إسرائيل فرض على الطرفين إيجاد درجات من التعاون والحوار لم تكن قائمة، وحين نرى بلدين كانا قبل 7 أو 8 سنوات على وشك مواجهة مباشرة في ليبيا، وقد أصبحا ينظمان مناورات مشتركة، فهذه نقلة كبيرة جدًا".

ويكتسب هذا التفسير أهمية إضافية مع تصاعد التوتر التركي الإسرائيلي في سوريا. ففي أغسطس/آب الحالي، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية السورية بعدما قالت إنها تخشى استخدامها لاستضافة قوات تركية، فيما نفت أنقرة وجود قوات لها هناك، ووصفت الضربة بأنها "تصعيد غير ضروري"، وأدانتها مصر ووصفتها بـ "الانتهاك الصارخ".

وفي غزة، أصبحت مصر وتركيا، إلى جانب قطر، وسطاء تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، وأصدرت الدول الثلاث في أغسطس بيانًا مشتركًا اعتبرت فيه أن الغارات الإسرائيلية تقوض جهود الوساطة.

ورغم أن التطورات الإسرائيلية قد لا تفسر بداية المصالحة؛ إذ بدأت المشاورات المصرية التركية في 2021، وأعيد السفراء في 2023، أي قبل حرب الإبادة الجماعية على غزة، فإنها تساعد على تفسير تسارع البعد الأمني والعسكري فيما كان قائمًا بالفعل.

هل هو تحالف؟

خريطة ترسيم الحدود البحرية المرفقة في الاتفاقية بين مصر واليونان - المصدر: نسخة الاتفاقية البحرية

خلال سنوات الخلاف مع تركيا، بنت مصر علاقات سياسية وعسكرية وطاقة وثيقة مع اليونان وقبرص، ووقعت اتفاقات لترسيم الحدود البحرية، فيما ظل خلاف أثينا ونيقوسيا مع أنقرة أحد مكونات معادلة شرق المتوسط.

ويتوقع زين الدين أن تؤثر العلاقة بين مصر وتركيا على هذه الشراكات "التقارب بين مصر وتركيا أمر قد لا يريح اليونان وقبرص"، ولكن "لا أظن أن مصر ستحد من تطور علاقتها بتركيا مراعاة لعلاقتها باليونان وقبرص، ولا العكس"، لافتًا إلى أن أجهزة الدولة ستواصل تطوير التعاون مع تركيا، لكنها ستسعى إلى تخفيف تأثير ذلك على علاقاتها مع أثينا ونيقوسيا، حفاظًا على توازن علاقاتها في شرق المتوسط.

وبالتالي، لا يعني التقارب الحالي انتقال مصر من شبكة تحالفات إلى أخرى، بقدر ما يعكس توسيع هامش الحركة وبناء علاقات متوازية مع قوى إقليمية متنافسة. أما على الجانب العسكري، ورغم تجاوز التعاون مرحلة الإشارات السياسية إلى مناورات مشتركة وتصنيع دفاعي وتطوير قدرات، إلا أنه لا يزال بعيدًا عن التحالف بالمعنى التقليدي؛ فلا يوجد اتفاق دفاع مشترك أو تخطيط عملياتي أو آلية تنسيق استخباراتية دائمة معلنة بين البلدين.

كما أن هناك اختلافات أعمق تضع حدودًا أمام اندماج عسكري أكبر؛ فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، بينما تعتمد مصر على مصادر تسليح متعددة وتحافظ على علاقات وثيقة مع دول تختلف مصالح بعضها مع أنقرة. لذلك، سيكون الاختبار الحقيقي في مدى تحول التعاون إلى علاقة مؤسسية ودائمة، عبر مناورات أكثر انتظامًا وتعقيدًا، وتوسيع نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، وظهور تنسيق عملياتي أو استخباراتي منتظم.

حتى الآن، تبدو العلاقة أقرب إلى شراكة استراتيجية مرنة منها إلى تحالف عسكري؛ إذ لم تختفِ أسباب الخلاف بين القاهرة وأنقرة، لكنهما أصبحتا أكثر استعدادًا لإدارتها بدل تحويلها إلى صدام. وبذلك، صار التقارب العسكري أحد مكونات المصالحة نفسها، وسيعتمد عمقه مستقبلًا على قدرة الطرفين على تحويل تقاطع المصالح الحالي إلى مؤسسات تستطيع الصمود حين تعود مصالحهما إلى التباين.