"رباعية" بمسارين.. ماذا ينتظر مصر في إسطنبول؟
عندما يجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في إسطنبول، يوم الأحد المقبل، 30 أغسطس/آب، سيكون على الطاولة واقع سياسي لافت؛ ثلاث من الدول الأربع التي شكَّلت فيما بينها الآلية الرباعية أبرمت قبل ثلاثة أسابيع اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة، فيما بقيت الدولة الرابعة، مصر، خارجه.
وحسب دبلوماسي مصري مطلع على التحضيرات تحدث لـ المنصة، سيبحث الاجتماع المقبل للآلية الرباعية المعروفة باسم R-4 سبل تطويرها ومنحها طابعًا أكثر مؤسسية، بما في ذلك إنشاء أمانة للآلية وهيكل أكثر انتظامًا لعملها، إلى جانب مناقشة الوضع الإقليمي.
من وراء جدول الأعمال هذا، سيكون الاجتماع السادس للرباعية منذ تشكيلها في مارس/آذار الماضي أول اختبار فعلي للعلاقة بين الدول الأربع بعد توقيع الاتفاق الدفاعي الثلاثي، وتبدو المؤشرات القادمة من العواصم الأربع أقرب إلى محاولة منع التباين حول الاتفاق من التحول إلى خلاف يطغى على علاقاتها الأوسع.
لعل إحدى الإشارات المبكرة إلى طريقة إدارة هذا التباين ظهرت في الصورة التي نشرتها وزارة الخارجية المصرية عقب اجتماع مصري-تركي بعد أيام من توقيع اتفاق مكة؛ ظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى جانب نظيريه السعودي فيصل بن فرحان والتركي هاكان فيدان، ثلاثتهم بملابس بيضاء في أجواء غير رسمية، يجلسون حول مائدة أحد مطاعم العلمين في الساحل الشمالي.
في اليوم نفسه اتصل نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان إسحاق دار بنظيره المصري، وتبادلا "الرؤى بشأن سبل تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية"، في خضم تكهنات حول موقف السعودية من مشاركة مصر في التحالف العسكري.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما إذا كانت القاهرة استُبعدت من الاتفاق أو قررت البقاء خارجه، بل بما إذا كان غيابها يعكس اختلافًا أعمق في تصورها للتحالفات العسكرية الإقليمية ودوائر التهديد التي تريد أن تلزم نفسها بالدفاع عنها.
روايات الغياب
كانت تقارير إعلامية قد تحدثت، نقلًا عن مصادر سعودية، عن أن الرياض عارضت مشاركة مصر، فيما كان الحديث يتزايد عن احتمال أن تصبح القاهرة العضو الرابع في الترتيب الدفاعي الجديد.
وبينما ظل الموقف المصري الرسمي حذرًا في التعامل مع اتفاق مكة، تمسكت القاهرة برواية مفادها أن مشاركتها لا تزال قيد الدراسة العميقة، وأن هناك جوانب دستورية وقانونية وفنية تبحثها الأجهزة المعنية.
لكن مصادر مصرية متعددة قالت لـ المنصة إن الانضمام إلى مثل هذا التحالف العسكري ليس خيارًا مصريًا، وإن مصر لا "شهية" لديها لمثل هذا النوع من التحالفات "على الأقل في الوقت الراهن".
في الوقت نفسه، قدمت المصادر التي تحدثت لـ المنصة من العواصم الثلاث الموقعة على الاتفاق تفسيرات مختلفة لموقع مصر منه. ورغم عدم تطابق الروايات، فإنها تتفق جميعًا، بما فيها الرواية المصرية، على أن الاتفاق لم يكن وليد الأسابيع التي سبقت الإعلان عنه، ولم يرتبط مباشرة بالحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، بل جرى التفاوض بشأنه على مدى زمني أطول.
حسب الدبلوماسي المصري المطلع على تحضيرات اجتماع إسطنبول، فإن فكرة الاتفاق طُرحت على مصر قبل نحو عام، وأكد دبلوماسي مصري آخر لـ المنصة أن مناقشات أكثر تفصيلًا بشأن انضمام القاهرة استمرت نحو ستة أشهر قبل الإعلان، أما المصادر السعودية فتحدثت عن مفاوضات استمرت أكثر من عامين بين الدول المعنية.
لم يكن هناك "اعتراض سعودي حاسم" على انضمام مصر.. وتركيا حرصت على مشاركة القاهرة "منذ البداية"
يقدم رئيس تحرير صحيفة عرب نيوز السعودية، فيصل عباس، تفسيرًا يربط الاتفاق بمستوى التكامل العسكري القائم بين الدول الثلاث، ويقول لـ المنصة إن التوصل إلى الاتفاق مع باكستان كان "أسهل وأسرع" بحكم تاريخ العلاقات والتعاون العسكري السابق بين الرياض وإسلام آباد. أما التعاون مع تركيا، فقد تطور، على حد قوله، "بشكل عميق، ملحوظ وسريع جدًا في السنوات الأخيرة".
ويرى أن هذا التاريخ من التعاون هو مفتاح فهم الاتفاق الثلاثي، مضيفًا أن مصر "بكل تأكيد دولة مهمة"، لكن الاتفاق في تقديره يتطلب أكثر من علاقات سياسية وثيقة.
"الانضمام للاتفاق يتطلب الارتقاء لمرحلة معينة من التعاون"؛ يقول عباس، مشيرًا إلى أن الدول الثلاث لديها "شراكات وتصنيع مشترك وليس مجرد التعهد أو النية في الدفاع المشترك".
وينص اتفاق مكة على التضامن العسكري الفوري ومواجهة أي تهديد أمني يمس سيادة إحدى الدول الأطراف، باعتبار أن أي هجوم على إحداها هو هجوم على الجميع، كما يضع إطارًا ملزمًا للتصنيع الحربي المشترك ونقل التكنولوجيا الدفاعية وتطوير المنظومات الدفاعية، إلى جانب تكثيف التنسيق الاستخباري ومكافحة الإرهاب.
وتتجه العلاقات العسكرية بين الدول الثلاث بالفعل نحو التصنيع المشترك وتوطين التكنولوجيا، ليس فقط شراء المعدات، ويشمل التعاون السعودي-التركي نقل التكنولوجيا وإنتاج منظومات بينها الطائرات المسيّرة والمروحيات والأنظمة البرية، بينما يستند التعاون السعودي-الباكستاني، بموجب اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الموقعة العام الماضي، إلى الخبرة الباكستانية في الصناعات الدفاعية والطيران والتدريب.
أبعد من سردية الاعتراض السعودي
لكنَّ الرواية التي تربط الاتفاق الثلاثي بتطور التعاون العسكري، تصطدم بحقيقة أن لمصر نفسها علاقات عسكرية متقدمة مع كل دولة من الدول الثلاث.
مع باكستان، أجرت القوات الخاصة في البلدين تدريبات لمكافحة الإرهاب وتعزيز الجاهزية القتالية، منها تدريب رعد 2 في أبريل/نيسان الماضي، فيما يستمر الحوار بشأن التصنيع العسكري المشترك ونقل التكنولوجيا.
وتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال لقاء جمعه برئيس أركان القوات البرية الباكستانية عاصم منير في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عن حرص بلاده على مواصلة "تعزيز التعاون الثنائي مع باكستان، والارتقاء به في مختلف المجالات". كما أجرى السيسي محادثات مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الباكستانية في يوليو/تموز الماضي حول "سبل دعم وتعزيز التعاون المشترك في المجالات العسكرية والأمنية، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب".
التعاون العسكري الثنائي بين مصر وكل دولة من الدول الثلاث يجعل من الصعب اختزال غيابها في مجرد نقص في "الشراكات العسكرية"
مع أنقرة، وسعت القاهرة تعاونها الدفاعي بصورة ملحوظة منذ عودة العلاقات الدبلوماسية عام 2023، واستعاد البلدان سلسلة مناورات بحر الصداقة، وأطلقا شراكات في التصنيع الدفاعي، خصوصًا في المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي القريب والذخائر بعيدة المدى، وكانت آخر خطوات التقارب زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر إلى أنقرة في يوليو/تموز الماضي.
أما العلاقات العسكرية المصرية السعودية فتمتد لعقود، وشملت تدريبات عسكرية مشتركة واتفاقات للتعاون الدفاعي والأمن البحري، بينها مناورات رعد الشمال، وإعلان القاهرة، الذي نص على تطوير التعاون العسكري والعمل على تشكيل قوة عربية مشتركة، واتفاق التعاون لدعم الأمن البحري الموقع في سبتمبر/أيلول الماضي، وإن كانت مذكرة التفاهم الدفاعية الموقعة في 2023 لم تُترجم، وفق المعلن حتى الآن، إلى برنامج تفصيلي لإنتاج منظومة سلاح محددة.
هذا الرصيد الواسع من التعاون العسكري الثنائي بين مصر وكل دولة من الدول الثلاث يجعل من الصعب اختزال غياب مصر في مجرد نقص في "الشراكات العسكرية".
كذلك تقدم المصادر التركية صورة مختلفة عن سردية الاعتراض السعودي على انضمام مصر إلى التحالف. فبحسب دبلوماسي تركي مطلع على المباحثات تحدث لـ المنصة، لم تكن هناك "معارضة قوية" أو "اعتراض سعودي حاسم" على انضمام مصر، كاشفًا أن تركيا كانت حريصة على مشاركة القاهرة "منذ البداية"، ومشيرًا إلى زيارات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مصر باعتبارها إحدى علامات هذا التوجه.
ويقر الدبلوماسي التركي بأن العلاقات السعودية المصرية تتضمن أحيانًا قدرًا من "المنافسة الودية على القيادة الإقليمية".
وللقاهرة والرياض بالفعل تاريخ طويل من التنافس على النفوذ والقيادة الإقليمية، ظهر في محطات متعددة من تاريخ المنطقة، لكنه تزامن كذلك مع عقود طويلة من التعاون السياسي والعسكري، لذا يقول الدبلوماسي التركي لـ المنصة إن هذه المنافسة لم تتحول أبدًا إلى اعتراض سعودي على مشاركة مصر في الاتفاق.
ويشير مصدر عسكري تركي، تحدث عن رغبة أنقرة في إنشاء آلية أكثر تحديدًا لتقديم الدعم العسكري للسعودية في إطار الاتفاق الثلاثي، إلى "مداولات مستمرة بشأن مسائل فنية" طرحتها القاهرة باعتبارها مرشحًا محتملًا للانضمام مستقبلًا.
ويقدم مصدر باكستاني قريب من الدوائر الدبلوماسية في إسلام آباد روايةً مشابهةً، إذ يقول لـ المنصة إن "التحالف بطبيعة تكوينه مفتوح أمام دول أخرى"، فيما تتفق المصادر الباكستانية على أن التعاون الأمني والعسكري السعودي-الباكستاني كان النواة التي خرج منها الترتيب الجديد.
اختلاف في خريطة التهديدات
يبدو أن القاهرة التي استثمرت جهدًا في بلورة رؤية لترتيبات إقليمية وأمنية، في مقدمتها الدعوة إلى تشكيل قوة عربية مشتركة، وأوجدت لنفسها مكانًا داخل الرباعية التي بدأت أصلًا تنسيقًا ثلاثيًا سعوديًا-تركيًا-باكستانيًا، تفضل الفصل بين المسارين السياسي والعسكري، وهي الرؤية التي تؤكد عليها المصادر المصرية بأنه "لا ينبغي النظر إلى الترتيبات الأمنية الإقليمية من منظور عسكري فقط".
لا يرى الدبلوماسي المصري الأول "من الصحيح النظر إلى الأمر باعتبار أنه تم تهميشنا أو استبعادنا. فنحن جزء من الرباعية، وكوننا لم ننضم إلى الشق العسكري أو إلى إطار الدفاع المشترك لا يعني أن التعاون غير قائم، بما في ذلك التعاون العسكري الثنائي، ولا يغلق ذلك الباب أمام فرص التعاون الثنائي في المستقبل".
وتفسر مصادر في القاهرة الغياب أيضًا باختلاف قراءة خريطة التهديدات بين مصر والدول الثلاث؛ السعودية تنظر تقليديًا نحو الشرق، وترى في إيران أحد أبرز مصادر التهديد رغم تغيرات طرأت على حساباتها الإقليمية خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من إسرائيل بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو تحول تُرجم في ابتعاد السعودية عن إطار الاتفاقات الإبراهيمية.
مصر هي الأخرى تنظر شرقًا، لكن نحو تهديد مختلف؛ إذ تحتل إسرائيل الموقع المركزي في مخاوفها الاستراتيجية، لا إيران.
يعبّر عن ذلك رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالقوات المسلحة اللواء نصر سالم، لـ المنصة بأن "الدول الثلاث صاغت الاتفاقية بما يتوافق مع دوائر التهديدات أو دوائر الأمن الخاصة بهم وقد لا تتفق هذه الدوائر مع دوائرنا نحن في مصر. القيادة ارتأت أن دفاعنا ودوائر أمننا القومي قد لا تتوافق معهم في هذا التوقيت تحديدًا".
كذلك تفضل مصر أن تظل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، الموقعة قبل 75 عامًا، المظلة الأوسع لمثل هذه الترتيبات، وهي فكرة أعادت القاهرة إحياءها في سياقات مختلفة منذ 2015 مع طرح تشكيل قوة عربية مشتركة، بدل الدخول في ترتيب دفاعي يضم قوى غير عربية.
وفي مارس/آذار الماضي، شارك وزير الخارجية في اجتماع افتراضي مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، وطالب خلاله بتشكيل "قوة عربية مشتركة قادرة على التعامل الفعال مع التهديدات القائمة"، وفي الوقت نفسه أعلن "الرفض الكامل لفرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية أو من جانب أطراف من خارج الإقليم"، حسب البيان الرسمي حينها.
تتشابك هذه الرؤية مع رغبة القاهرة في تجنب التزامات قد تجبرها على الاصطفاف داخل خصومات لا تريد أن تصبح طرفًا فيها، فالارتباط عسكريًّا بدول لديها خلافات إقليمية قائمة، مثل التوتر بين باكستان والهند أو تركيا واليونان أو السعودية والإمارات وإيران، قد يضع مصر أمام خيارات لا تتطابق بالضرورة مع مصالحها.
"الاتزان الاستراتيجي"
يتصل ذلك بفلسفة أوسع في السياسة الخارجية المصرية تطلق عليها القاهرة الاتزان الاستراتيجي، وتسعى من خلالها إلى الحفاظ على هامش حركة يسمح لها بالتعامل مع أطراف متعارضة دون أن تصبح ملزمة بالاصطفاف الكامل مع أحدها، ما لم تفرض مصالحها الأمنية ذلك.
ثمة بعدٌ يتعلق بقدرة مصر الحالية على تحمل تكلفة الاصطفافات، ويربط دبلوماسي مصري آخر هذه السياسة بالضغوط الاقتصادية واعتماد البلاد على قدر كبير من الدعم والتدفقات المالية الخارجية، قائلًا "كانت هناك فترة، لنقل من 2015 إلى 2019، عندما كان وضعنا الاقتصادي أفضل مما نعرفه حاليًا، وكانت لدينا خلالها سياسة خارجية أكثر قوة، وفرصة فرض أمور معينة. أما في الوقت الحالي، فالأمر أقرب إلى أن نتكيف مع الوضع وأن نقف إلى حد ما على مسافة متساوية من جميع الأطراف".
بهذا المعنى، لا يعكس البقاء خارج اتفاق مكة بالضرورة تراجعًا في التعاون العسكري المصري مع أطرافه، ولا يثبت وحده أن القاهرة استُبعدت من ترتيب كانت تريد الانضمام إليه، إنما تشير الرواية المصرية إلى اختيار مختلف؛ الحفاظ على تعاون ثنائي عسكري واسع مع الدول الثلاث، والمشاركة في إطار R-4 سياسيًّا، من دون الانتقال حتى الآن إلى التزام دفاعي جماعي قد يقيد هامش الحركة المصري.
لن يكون اتفاق مكة بندًا على جدول أعمال اجتماع إسطنبول، حسب المصادر الدبلوماسية، لكنه سيكون حاضرًا في خلفيته. والسؤال الذي يهم الاجتماع ليس إعادة فتح موقف مصر، إنما ما إذا كانت الدول الأربع قادرة على بناء إطار سياسي أكثر مؤسسية من دون أن تتحول الحدود الجديدة للتعاون العسكري إلى حدود للعلاقة نفسها.
