تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
اللجوء إلى الخيار العسكري خطوة أخيرة في دبلوماسية مصر تجاه الملفات المشتعلة في الإقليم

دمياط وما بعدها.. هل تنخرط مصر في الحرب؟

منشور الاثنين 3 آب/أغسطس 2026

منذ الإعلان عن اندلاع حريق على متن سفينتين في ميناء دمياط يوم الأربعاء الماضي، وأنظار العالم مُعلَّقة نحو القاهرة في انتظار إجابة سؤال: ماذا بعد؟ وهل ستنجرُّ مصر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي سعت جاهدة رغم كل شيء إلى تجنبها؟ أم أنها ستُجبر على اتخاذ قرارات أكثر حسمًا بعد أن وصلت النيران إلى ساحلها الشمالي؟

من البداية كانت وسائل الإعلام العالمية كالعادة أسرع من التعليق المصري، فقد نقلت رويترز عن شركة أمبري للأمن البحري استهداف سفينة أمريكية لتخزين وتغويز الغاز الطبيعي المسال بطائرة مسيّرة، فيما كانت الحكومة المصرية تتحدث عبر وزارة البترول عن وقوع حريق في سفينتين لم تُشِر لأسبابه،

وعلى مدار 14 ساعة امتلأ الفراغ بالتكهنات؛ لا عمَّا إذا كان الحادث حريقًا أم هجوم مُسيَّرة، بل عَمَّن أطلق هذه المُسيَّرة وكيف تجاوزت الدفاعات الجوية المصرية المعقدة، والأهم؛ لماذا لم تعلن مصر حقيقة ما حدث. إلى أن جاء بيان رئاسة مجلس الوزراء المقتضب، صباح اليوم التالي، ليقُرَّ باستهداف السفينة داخل الميناء بمُسيَّرة، في هجوم "لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه". 

دلالات ما لم يُقَل

صورة أرشيفية لسفينة التغويز العائمة “إنرجوس وينتر”

دلالات ما لم يقُله مجلس الوزراء أكبر من دلالات ما قاله فعلًا. فإضافةً إلى حرصه على عدم اتهام أحد ولو تلميحًا، لم يذكر البيان ما بات معلومًا للجميع، بأن السفينة "إنرجوس وينتر" أمريكية الملكية والتشغيل، استأجرتها مصر العام الماضي ضمن منظومة تغويز الغاز الطبيعي التي أصبحت تعتمد عليها منذ بداية أزمة الغاز.

ما حدث قبل بيان مجلس الوزراء، قد يُفسِّر أسباب لجوء القاهرة لخطاب "بيروقراطي"، فبمجرد الإعلان عن الحادث، بدأ الإعلام الأمريكي والإسرائيلي يتحدّث عن تورط إيران مباشرة أو عبر إحدى أذرعها، استنادًا إلى مصدرين إيرانيين مُجهَّلين لم يؤكد أيّهما لنيويورك تايمز بوضوح مَن نفذ الهجوم ولا من أين انطلق، وإلى قائمة أهداف تداولتها قنوات تليجرام غير رسمية مُقرّبة من طهران، للرد على استهداف أوكرانيا سفينة شحن إيرانية في بحر قزوين، كان من بينها محطة سيجاس، وهي مجمع مصري إسباني لإسالة وتصدير الغاز الطبيعي في دمياط.

ثم أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه الادعاءات ذاتها حين أوضح في مؤتمر صحفي أن هجوم دمياط "يحدث في نفس إطار" الضربات التي يتعرض لها الأردن، قبل أن يستدرك "ولكننا سنضربهم (أي إيران) بقوة".

ما أراد بيان مجلس الوزراء أن يقوله إذًا دون تصريح، إن الهجوم يخص مصر وحدها وإنها لا تتهم أحدًا بعينه، على الأقل في الوقت الحالي، وإن القاهرة، وحدها دون غيرها، هي التي ستتعامل مع الملف، حتى لو كان الهجوم متعلقًا بأصل أمريكي داخل ميناء مصري.

بعدها كان طبيعيًا أن تنفي طهران أي علاقة لها بالهجوم، وأن يصف وزير خارجيتها عباس عراقجي مصر بأنها صديق مهم لبلاده، مشيرًا إلى المصلحة الإسرائيلية في جر أطراف أخرى للحرب. الشيء نفسه فعله أنصار الله في اليمن، مؤكدين أن عملياتهم في البحر الأحمر لا تستهدف سوى المصالح السعودية.

أين مصر من الحرب؟

بموقف رسمي حذر ونفي إيراني وتحقيقات قد تستغرق شهورًا بحثًا عن ذلك الذي "لم يعلن مسؤوليته عن الواقعة"، تبقى الإجابة الواضحة عن سؤال انجرار مصر إلى الحرب بسبب هجوم دمياط هي "لا".

فالانخراط في الحرب لا يأتي بإعلان رسمي وإنما يتسع تدريجيًا: حادث محدود يجري استيعابه، ثم آخر يصعب تجاهله بالسهولة نفسها، ثم تنسيق أمني يتسع شيئًا فشيئًا، ويُقدَّم باعتباره إجراءً احترازيًا أكثر من كونه اصطفافًا سياسيًا. ثم وتحت الضغط الداخلي سواء من الرأي العام أو داخل المؤسسة العسكرية التي قد تعتبر التأخر في الرد تخاذلًا أو ترددًا لا حيادًا أو ضبطَ نفسٍ إزاءَه، يأتي الانخراط الواضح والصريح.

ولعل ذلك ما يفسِّر تفضيل القاهرة دبلوماسية مدام عفاف المعتمدة على التسويف البيروقراطي في مواجهة الاستفزازات الإسرائيلية طوال حرب غزة التي وصلت أحيانًا لحوادث تقع على أراضٍ مصرية، لأنها غير مستعدة للاشتباك بأكثر من ذلك، ولأن موقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين يوفر لها الغطاء الذي تحتاجه، في مقابل تدخلها العسكري السريع والحاسم في ليبيا عام 2015 ردًا على ذبح 21 مسيحيًا مصريًا على يد تنظيم داعش في سرت. هنا الحادث واضح، والجاني معروف، والتدخل حتميٌّ، والنتائج محسوبة سلفًا.

في هذا السياق لا يبدو هجوم دمياط بحد ذاته سببًا كافيًا لدفع مصر إلى الحرب. ولكن مَن قال إنها لم تكن طرفًا فيها من البداية؟ 

على مدار سنوات مضت، ظلَّت مصر حريصة على تكرار موقفها المبدأي بأن أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، باعتباره بوصلتها في كل ما يتعلق بمحاولات تأمين الممر البحري. رفضت المشاركة في تحالف حارس الازدهار الذي أسسته الولايات المتحدة ضد الحوثيين عام 2023، رغم تضررها من استمرار هجماتهم على السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى إسرائيل في باب المندب. ورفضت الاعتراف بدولة أرض الصومال، مثلما رفضت بوضوح الاتفاق بين أديس أبابا وهرجيسا، الذي يمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا على حساب وحدة الأراضي الصومالية. 

وحتى قبل حادث دمياط بأيامٍ قليلة، حرص وزير الخارجية بدر عبد العاطي عند لقاء نظيره الإريتري في القاهرة، على تأكيد موقف مصر المتعلق بمسؤولية الدول المشاطئة وحدها عن أمن البحر الأحمر.

السؤال لم يعد هل ستتمسك مصر بحيادها في الحرب، بل مع أي طرف ستقف؟ وفي أي خندق ستحارب؟

لكنَّ ذلك تغيّر الشهر الماضي، عندما وقَّعت مصر مع 13 دولة، من بينها تركيا وباكستان وبنجلاديش ونيجيريا والكويت والبحرين وقطر وجميعها لا تطل على البحر الأحمر، على بيان يدعم إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بقيادة السعودية، لحماية الملاحة الدولية وطرق التجارة وإمدادات الطاقة من التهديدات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

ورغم أن التوقيع حدث الخميس الماضي، في اليوم التالي لهجوم دمياط، إلا أن مشاركة مصر فيه كانت معروفة سلفًا، ما يعزز أن حصرية دفاع الدول المشاطئة عن أمن البحر الأحمر ليست خيارًا استراتيجيًا مصريًا لا رجعة فيه.

ما يبدو مُرجَّحًا أكثر، أن مصر لا تعترض على تعدد الشركاء بقدر اعتراضها على هوية بعضهم، وبالذات إسرائيل، وترفض أي ترتيبات تمنحها حضورًا دائمًا في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ولهذا تبدو السياسة المصرية أقل تناقضًا مما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فهي لم تتخلَّ عن هدفها الأساسي، لكنها بدأت تعيد تعريف الوسائل التي يمكن أن تحققه من خلالها. 

السؤال لم يعد إذًا هل ستلتزم مصر بمسافة واحدة من جميع الأطراف وتتمسك بحيادها في الحرب الدائرة في المنطقة، بل مع أي طرف ستقف؟ وفي أي خندق ستحارب؟

الجبهة الثالثة

السيسي يستقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على متن قارب في قناة السويس - 2018

من السهل قراءة التحالف الجديد باعتباره استجابة مصرية لضغوط سعودية أو أمريكية، وأن مصر بذلك تنضم إلى الخندق الأمريكي في مواجهة إيران. لكن هذه القراءة تغفل أن الرياض نفسها تريد إنهاء حرب الاستنزاف التي أدركت أنها لن تحقق لها مكاسب استراتيجية واضحة، مثلما أدركت أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في إدارة هذا النوع من الصراعات يحمل مخاطر لا تقل عن مخاطر الحرب نفسها.

ورغم ما يبدو من تصاعد الهجمات السعودية الأمريكية على القوات الموالية لإيران في العراق، تبقى الرياض هي رأس الحربة في الجبهة الثالثة، التي لا تريد وجودًا أمريكيًّا إسرائيليًا مسيطرًا في المنطقة، ولا تسعى للقضاء بشكل كامل على النظام الإيراني وإن كانت تسعى لتقليم أظافره في المنطقة.

هذا التوجه ظهر بوضوح الأسبوع الماضي عندما أكد وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان في المباحثات التي أجراها في واشنطن مع ترامب ونائبه جيه دي فانس، رغبة المملكة الحازمة في خفض التصعيد وتجنب الانزلاق نحو حرب استنزاف مطولة مع إيران وما يُعرف بـ"محور المقاومة"، ثم في تدخل ولي العهد محمد بن سلمان لوقف التصعيد الذي هددت به أمريكا يوم الأحد الماضي منشآت النفط الإيرانية، ثم تراجعت عنه في اللحظة الأخيرة.

غير أن الرغبة السعودية في إنهاء هذه الحرب بأسرع وقتٍ وأقل خسائر، وتجنّب أي تورط مصري فيها، باتت أكثر إلحاحًا بعد أن أصبح الساحل الشمالي لمصر منذ يوليو الماضي، واحدًا من أهم المنافذ البديلة للنفط السعودي بعد إغلاق مضيق هرمز.

يقطع النفط الخام السعودي البحر الأحمر إلى العين السخنة، ومنها يعبر خط أنابيب "سوميد" لنحو 320 كيلومترًا حتى ميناء سيدي كرير في الساحل الشمالي، حيث يعاد تحميله على ناقلات عملاقة. مسار أطول وأكثر تكلفة، لكنه آمن نسبيًا في ظل التهديدات الحالية.

وقد بدأت أرامكو مؤخرًا في تسويق شحنات إضافية من النفط عبر سيدي كرير، وهذا المسار قد يتحول من حل مؤقت إلى جزء من البنية الدائمة لصادرات الطاقة السعودية إذا استمرت الاضطرابات الإقليمية أو إذا نفذت دول الخليج خططها لبناء مسارات بديلة لتصدير النفط تحسبًا لأي اضطرابات جديدة في المستقبل.

وإلى جانب السعودية التي بات أمن مصر جزءًا من مصالحها الاقتصادية المباشرة، يكتسب تحالف القاهرة-أنقرة أهميةً خاصة في حماية أمن الساحل الشمالي بعد ما حدث في دمياط. وقد تضطر القاهرة لتسريع هذا المسار الذي بدأ يتبلور فعلًا في الشهور الماضية وإن ببطء وحذر. وبالفعل وقَّع وزير الدفاع عبد المجيد صقر أثناء زيارته لأنقرة في 13 يوليو الماضي، خطاب نوايا للتعاون الدفاعي بين مصر وتركيا وذلك بعد سلسلة من المناورات العسكرية المشتركة شهدتها الشهور الماضية.

وبحسب مصادر دبلوماسية من الجانبين، فإن حماية حقول الغاز في شرق المتوسط، تحديدًا، كان الملف الأبرز في المحادثات التي سبقت توقيع مذكرة التفاهم. وتركيا هي الضلع الرابع للتحالف السعودي الباكستاني المصري، الذي بدأ يتبلور منذ توقيع السعودية اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك. 

انخرطت القاهرة إذًا في النزاع منذ اللحظة الأولى، كجزء من جبهة ثالثة تحاول تقويض النفوذ الإيراني، وإبعاد إسرائيل أو تحجيمها على الأقل، والأهم إنهاء الحرب في أسرع وقتٍ ممكن. فالتقارب السياسي والاقتصادي مع الرياض، والتقارب العسكري مع أنقرة في المتوسط، والمشاركة في المحور الرباعي، ثم أخيرًا الانخراط في التحالف العسكري البحري، كان قائمًا وجاريًا قبل أن تحترق سفينتان في ميناء دمياط.

ما فعله هجوم دمياط، هو أنه أخرج هذه التحالفات من العمل الهادئ خلف الكواليس إلى السطح، وجعلها موضوعًا للنقاش العلني بدلًا من أن تبقى مجرد بروتوكولات وزيارات ومناورات تظهر كتفاصيل جانبية لا علاقة لها بالمشهد الحالي.

مصر لم تُجرّ إلى هذه الجبهة بل اختارتها منذ البداية وما تبقى فقط هو أن تعترف بذلك علنًا، وأن تترجم مشاركتها إلى اشتباك معلن وواضح، وهو ما قد يحدث أسرع مما نتصور.