اليونيفيل.. نهاية دور الشاهد الأعزل
خلال شهرين ونصف الشهر من تجدد الحرب على الجبهة اللبنانية بين إسرائيل وحزب الله، قُتل 6 جنود وأصيب العشرات من بين قوات حفظ السلام المؤقتة في لبنان، المعروفة باسم اليونيفيل.
وعلى الرغم من إشارة أصابع الاتهام في أغلب حوادث استهداف اليونيفيل إلى قوات الاحتلال الإسرائيلي، فإن الناطق باسمها داني غفري يرفض تحميل أي جهة المسؤوليةَ، وفي الوقت ذاته يعتبر ما تتعرض له القوات الدولية "يرقى إلى جريمة حرب"، و"خرقًا للقانون الدولي الإنساني"، و"أمرًا غير مقبول".
في ظل الاتهامات اللبنانية المتكررة بأن اليونيفيل مجرد شاهد على الانتهاكات، وعاجزة عن القيام بدورها في خفض التصعيد العسكري، يؤكد غفري في حديثه لـ المنصة عبر واتساب على أن القوة التي ستنتهي مهمتها رسميًا بنهاية العام، لم تُخلِ أي موقع على طول الخط الأزرق، وأنها متمسكة بجميع مواقعها وفي كامل منطقة العمليات التي تبلغ نحو ألف كيلومتر مربع رغم ما تعانيه مؤخرًا من تبعات الحرب.
وحسب وزارة الصحة اللبنانية ارتفعت حصيلة قتلى الحرب الإسرائيلية على لبنان إلى 2896 شخصًا على الأقل، وإصابة 8824 آخرين منذ 2 مارس/آذار، وحتى 13 مايو/أيار.
48 سنة من مراقبة انتهاكات إسرائيل
أنشأ مجلس الأمن قوة اليونيفيل عام 1978 بموجب القرارين 425 و426، ثم توسعت مهمتها بعد حرب 2006 بموجب القرار 1701 الذي عزز دورها في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم بسط سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب.
وحددت اليونيفيل عام 2000 ما يُسمى بالخط الأزرق منطقةً فاصلةً على طول الحدود اللبنانية الجنوبية تتولى القوات مراقبتها. إلا أنه وبعد ما يزيد عن عقدين ونصف العقد، لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة شماله في خرق معلن للقرار.
ليس هذا فقط، لكن منذ دخول الصراع اللبناني الإسرائيلي فصله الجديد في الثاني من مارس الماضي، تبدلت طبيعة عمل اليونيفيل بصورة واضحة، وخلق تجددُ الأعمال العدائية، كما يصفه غفري بـ"البيئة العملياتية الأصعب" بسبب الغارات والقصف الإسرائيلي إلى جانب وجود جنود إسرائيليين داخل منطقة عمليات القوة الأممية.
بعد 48 عامًا من التواجد في جنوب لبنان، من المفترض أن تبدأ اليونيفيل في الانسحاب بنهاية عام 2026 وفقًا لنص قرار مجلس الأمن في أغسطس/آب الماضي الذي يقضي بالبدء في سحب قوات ومعدات البعثة، على أن تنتهي المهمة في ديسمبر/كانون الأول المقبل.
يؤكد غفري على أن البعثة ملتزمة بالقرار الأممي الذي ينظم الانسحاب على مدار العام، لكن حتى يتحقق ذلك فإن القوات تحتفظ بجميع مواقعها على طول الخط الأزرق، وتنتظر ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة؛ هل يجدد لها في الأمم المتحدة لمتابعة مهمتها، أم ينتهي وجودها في الجنوب إلى الأبد، حيث يطرح البعض استبدالها بقوات دولية متعددة الجنسيات تعمل تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بهدف تثبيت وقف إطلاق النار.
يؤكد متحدث اليونيفيل على أن القوة تتعرض أيضًا لـ"إعاقات" من الجيش الإسرائيلي أثناء الحركة، ما ساهم في خفض عدد دورياتها، والتركيز بالأساس على المهام اللوجستية وتأمين مرور قوافل المساعدات ومرافقة البعثات الإنسانية، إضافة إلى حماية المدنيين الموجودين داخل منطقة العمليات.
قدرات محدودة
يحاول متحدث اليونفيل رسم صورة مختلفة لطبيعة دور القوة الدولية، ويشدد على أن القوات ليست موجودة لفرض تنفيذ أي قرار ، إنما للمساعدة على الوفاء بالالتزامات بالتنسيق مع الجيش اللبناني.
وينوه بمحدودية قدرة القوة الدولية على فرض وقائع ميدانية؛ "اليونيفيل لا تقوم بمهام قتالية، إنما تقتصر وظيفتها الأساسية على الرصد، ورفع التقارير، والتنسيق مع الأطراف لتفادي التصعيد وسوء الفهم".
لكن هذا الوصف لدور القوات الدولية، القائم على المراقبة ورفع التقارير والتنسيق، يبدو بعيدًا عمّا تصوره القرار 1701 في الأصل، حين نصّ على وجود دولي يساعد الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها على الجنوب، وعليه يوضح المتحدث أن البعثة تعمل "بناء على طلب من الحكومة اللبنانية"، وأن مهمتها الأساسية تتمثل في مساعدة الجيش اللبناني على بسط سلطة الدولة داخل منطقة العمليات جنوبًا؛ "لسنا موجودين لفرض أي قرار وإنما للمساعدة على الوفاء بالالتزمات".
نصف ديوان أمريكا للأمم المتحدة تعود لليونيفيل
إلى جانب ذلك تعاني اليونيفيل من نقص شديد في القوات، فوفق أحدث بياناتها المنشورة في مارس 2026، لا يتجاوز العدد 7505 جنود حفظ سلام من 47 دولة، ويكشف غفري أن البعثة خفّضت عدد أفرادها المنتشرين في الجنوب "بحوالي الربع"؛ أي نحو 25% خلال الأشهر الماضية، بسبب الأزمة المالية التي تواجهها الأمم المتحدة.
وتعتمد الأمم المتحدة في جمع ميزانيتها على مبدأ "الثراء النسبي" الذي يحدد قيمة الاشتراك، بناءً على الناتج القومي للدولة ومقدار سكانها، بما يضع أمريكا في مقدمة الدول المانحة حيث تشكل واشنطن وحدها نحو 31% من ميزانية الأمم المتحدة.
وتراكمت ديون الولايات المتحدة للأمم المتحدة لتصل نحو 4 مليارات دولار، نصف هذا المبلغ يعود لليونيفيل، بعدما أعلنت إدارة ترامب أنها ستقلص الدعم بسبب أن نظام الأمم المتحدة "لا يخدم المصالح الأمريكية.. وأنه إنفاق لا معنى له وإهدار عرق الشعب الأمريكي"، وفق لما قاله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
أصفر بدل الأزرق
تتحدث إسرائيل عن منطقة أمنية وخط أصفر جديد داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما ترفضه اليونيفيل ضمن رفض الاعتراف بأي ترتيبات خارج إطار الخط الأزرق والقرار 1701، ويقول غفري إن الأمم المتحدة تعتبر هذين المرجعين "الإطار الوحيد المعترف به" لمعالجة قضايا وقف الأعمال العدائية والسيادة الإقليمية.
ويلفت إلى أن اليونيفيل سجلت خلال الفترة الأخيرة تراجعًا نسبيًا في حجم الأعمال العدائية داخل منطقة العمليات، مع انخفاض عدد الصواريخ التي تطلق من لبنان نحو إسرائيل، وكذلك تراجع الغارات والقصف الإسرائيلي مقارنة بالفترات السابقة. لكن ذلك، حسب حديثه، لم ينهِ المشكلة الأساسية بالنسبة إلى القوة الدولية؛ "ما زلنا نرصد وجودًا لجنود الجيش الإسرائيلي شمال الخط الأزرق، في خرق واضح للقرار 1701".
وفي مؤتمر صحفي عقده نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق في ديسمبر الماضي طالب "بضرورة وقف أي ترهيب أو تدخل في المهام الموكلة إلى البعثة بموجب تفويض من مجلس الأمن".
سوء فهم محلي
لم تخلُ علاقة اليونيفيل بالمجتمعات المحلية التي تعمل وسطها من التوتر. ففي أواخر ديسمبر، اعترض سكان بلدة الأحمدية في البقاع الغربي دورية تابعة لهم مطالبين بتوقفها إلى حين وصول الجيش اللبناني، وردّ جنود اليونيفيل بإطلاق قنابل دخانية قبل أن يتدخل الجيش اللبناني لاحتواء الموقف.
ورغم ما تكشفه هذه الواقعة من أن الشرعية المحلية، التي لطالما شكّلت أحد أهم عناصر قوة اليونيفيل، لم تعد أمرًا يمكن التسليم باستمراره، يؤكد غفري أن ذلك كان مجرد "سوء فهم"، نافيًا في الوقت نفسه أي تواصل مباشر بين البعثة وحزب الله، لأن تعامل القوة يتم "فقط مع الجانب الرسمي اللبناني".
يشير متحدث اليونيفيل إلى أن البعثة لديها قنوات تواصل مع المجتمعات المحلية لتفسير أي سوء فهم، لكنه يؤكد على رفضه ممارسات بعض الأهالي في الجنوب ما يتسبب في حوادث أو توترات مع أفراد البعثة الأممية، خاصة عندما يكون لهذه الممارسات تأثير على "حرية حركة" القوات.
يحرص غفري على التأكيد أن العلاقة بين القوة الأممية وسكان مناطق انتشارها "طويلة وقوية"، لافتًا إلى أن البعثة موجودة في جنوب لبنان منذ عام 1978، ولذلك نسجت "علاقات قوية مع المجتمعات المحلية على مدى عقود".
توجه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية انتقادات حادة لبعثة اليونيفيل، لأنها "مكلفة جدًا وضعيفة جدًا وغير فعّالة في محاربة حزب الله"، زاعمين أن مسلحي الحزب يستخدمون مواقعها وأفرادها كـ"دروع" يطلقون من قربها هجماتهم الصاروخية على إسرائيل، بينما يرى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، أنَّ مهمة اليونيفيل عامل استقرار مهم في المنطقة، ومن دونها سيخرج الوضع عن السيطرة بشكلٍ أسرع في جنوب لبنان.
هكذا مع اقتراب موعد انتهاء المهمة، تبدو القوة الدولية عالقةً بين تفويض أممي ما زال قائمًا على الورق، وواقع ميداني يزداد تعقيدًا، في منطقة تعيش على إيقاع "وقف هش للأعمال العدائية".

