
"مدام عفاف" القادرة على مواجهة ترامب
كيف نجحت الدبلوماسية البيروقراطية في قتل أفكار البيت الأبيض ببطء
خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أطلقت الإدارة الأمريكية دعوة لتشكيل ما يُعرف بـ الناتو العربي أو ناتو الشرق الأوسط. هذه الدعوات التي تجددت أكثر من مرة وأبدت عواصم عربية موافقتها المبدئية على الفكرة، كانت ترفضها القاهرة، لكن دون إعلان ذلك الرفض رسميًا، بل بقتلها عبر الموت البيروقراطي البطيء.
وقتها، شرع المسؤولون المصريون في طرح أسئلة فنية معقدة على الجانب الأمريكي حول ماهية أهداف وآليات عمل ذلك التحالف المزمع وطبيعته المؤسسية، وماطلت القاهرة مراهِنةً على قرب انتهاء ولاية ترامب الأولى واحتماليات عدم انتخابه.
بعبارة أخرى؛ فعّلت القاهرة "وضعية مدام عفاف" إلى أن أعلنت رسميًا انسحابها من تلك المبادرة، وماتت الفكرة سريريًا رغم الزخم الدولي لها آنذاك.
في 2016، وقعت القاهرة والرياض اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين التي تقضي بنقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير عند مدخل خليج العقبة من مصر للسعودية، وأثارت الاتفاقية ردود أفعال في مصر معظمها رافض للتخلي عن السيادة على الجزيرتين.
بعد أن هدأت العاصفة، فعّلت مصر وضعية مدام عفاف وبدأت رحلة بيروقراطية معقدة، تستند إلى أن إقرار السيادة لا يعني بالضرورة نقل الإدارة، ونصّت رسالة التنازل عن الجزيرتين التي وجّهتها مصر إلى السعودية على أن التفاهمات الملحقة بالاتفاق الموقع بين الرياض والقاهرة في عام 2016 تؤكد على أن دخول الاتفاقية حيز التنفيذ لا ينهي مبررات حماية مصر لتلك المنطقة في إطار دواعي الأمن القومي ضمن مسؤولية مصر، وتاه الموضوع بين السيادة والإدارة.
ما هي وضعية "مدام عفاف"؟
في تحليله الشهير الشامل للسلطة والمعرفة والمؤسسات في المجتمع، صك الفيلسوف الفرنسي الشهير ميشيل فوكو مصطلح الفيزياء الدقيقة للسلطة البيروقراطية/Microphysique of Bureaucratic Power.
تُشكَّل "الفيزياء الدقيقة للسلطة البيروقراطية" عدسةً لفهم كيفية عمل السلطة بطرق دقيقة وروتينية داخل الأنظمة البيروقراطية، وتساعد أيضًا على فهم النُظم السياسية التي تعتمد على التشعب الإداري والسمنة البيروقراطية المفرطة في تحقيق ديمومة وخلود النظام السياسي في رحلة عنوانها البقاء من أجل البقاء.
لـ "مدام عفاف" قدرة استثنائية على وقف المراكب السايرة
وتتمتع "مصر اليوليوية" بجمهورياتها المتنوعة بدايةً من "نظام الثورة" بعد يوليو 1952، حتى "الجمهورية الجديدة"، بسجل حافل في ممارسة الفيزياء الدقيقة لسلطة البيروقراط، وعلى مدار عقود سيطرت الشخصية الأسطورية "مدام عفاف" على خيال مصر وحاضرها ومستقبلها وصارت رمزًا لقطاع واسع من العاملين والعاملات في الجهاز الإداري للدولة.
تعادل "مدام عفاف" في نفوذها وسلطتها وقدرتها الاستثنائية على "وقف المراكب السايرة" و"تعطيل المواطنين" مكانة "السوبر هيروز" في أفلام هوليوود.
ونظرًا لنجاح تجربة "مدام عفاف" في استدامة نظام يوليو بمختلف إصداراته حتى يومنا هذا، حوّلت القاهرة بطريقة ما، وفي لحظة زمنية ما، وعبر شخص أو أشخاص ما، هذه الأسطورة إلى منهج عمل في مجال السياسة الخارجية يجهض المبادرات التي ترفضها دون رغبة في الصدام مع أصحاب تلك المبادرات.
فعَّلت ماكينة الحكم المصرية بتروسها الثلاث: السياسي، الدبلوماسي، والأمني؛ وضعية مدام عفاف في أكثر من مناسبة وحققت نجاحًا لافتًا، وتذكّر ما حدث في وقف مشروع الناتو العربي واستمرار الإدارة المصرية لتيران وصنافير.
تكتيك الصبر مع ترامب
افتتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الثانية بمقترح شديد الغباء يقضي بتفريغ غزة من سكانها ونقلهم لمصر ودول أخرى. مثلت تلك الدعوة التي رفضها الجميع عدا اليمين الإسرائيلي اختبارًا لمنهج "الصبر الاستراتيجي"، الذي تتبعه القاهرة منذ عقود في إدارة العلاقات مع كل من تل أبيب وواشنطن.
تكتيك القاهرة يقوم على مزيج سحري من الصبر الاستراتيجي وتفعيل وضعية "مدام عفاف"
من أهم ملامح هذا المنهج، عدم الانخراط في سجالات دبلوماسية وسياسية مع أي من العاصمتين، والتركيز على توصيل الرسائل بصرامة في الغرف المغلقة عبر آليات التنسيق العسكري والأمني والاستخباري والدبلوماسي، وهو ما حدث خلال دعوات التهجير التي ظهرت بعد 7 أكتوبر خلال عام 2024.
بالتوازي مع سياسة الصبر الاستراتيجي سياسيًا ودبلوماسيًا، تتبع القاهرة سياسةً عسكريةً دفاعيةً بحتةً تقوم على عدم الانخراط في صراعات مسلحة خارج الحدود، وتعظيم القدرات العسكرية، مع التركيز على القوات الجوية والبحرية وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي بشكل خاص.
والآن ماذا سيحدث؟ وكيف سترد مصر القاهرة على مقترح ترامب، أو بالأحرى كيف ستميته ببطء؟
ستستمر القاهرة في "تطويل بالها" والحفاظ على صبرها الاستراتيجي بتفعيل وضعية "مدام عفاف"، وإغراق من يطالبون القاهرة بما لا تريد ولا تنوي فعله في تفاصيل فنية وإدارية وسياسية معقدة لا حصر ولا نهاية لها تفضي إلى تفريغ المقترح من أي مضمون حتى يموت ببطء وبالتزامن مع ذلك، سعت القاهرة فعلًا لتقديم خطة بديلة لليوم التالي للحرب في غزة.
تراهن القاهرة على طول النفس مستفيدة من طبيعة أنظمة الحكم في إسرائيل وأمريكا التي تتغير كل عدة سنوات، في الوقت نفسه تستثمر رسوخ توجهات السياسة الخارجية المصرية بغض النظر عمن يجلس في الاتحادية، ناهيك عن طول مدة حكم رؤساء مصر بشكل عام وآخرهم الرئيس السيسي نفسه الذي سيتم في فترة ولايته الحالية والأخيرة عام 2030 ستة عشر عامًا في الحكم.
يقول المثل الشعبي المصري "الغربال الجديد ليه شدة"، وتعي القاهرة أن ترامب "شادد جامد"، وتدرك أيضًا أن الرجل جاء بوعود خارجية كثيرة ولديه فترة رئاسية واحدة فقط. وتعلم أيضًا أن تركيزه سينصب على الملفات الداخلية و"حرب الجميع ضد الجميع" داخل المؤسسات في أروقة واشنطن.
فتح ترامب على نفسه باب المعارك القانونية اللانهائية على خلفية عدد غير مسبوق من الأوامر التنفيذية المثيرة للجدل واستعدائه رفقة حليفه إيلون ماسك لمؤسسات الحكم الراسخة داخل النظام الأمريكي فضلًا عن الاستقطاب السياسي الداخلي غير المسبوق بين اليمين واليسار الأمريكيين.
خارجيًا، بدا جليًا أن أولويات ترامب ستكون إنهاء الحرب الأوكرانية واستمالة روسيا في إطار الاستراتيجية الأمريكية الكبرى لمواجهة الصين، بالتالي سيكون الشرق الأوسط هو آخر همه.
ترتيبًا على ذلك، فإن تكتيك القاهرة يقوم على مزيج سحري من الصبر الاستراتيجي وتفعيل وضعية "مدام عفاف" للعبور بمصر من هذا المطب خلال الحقبة الترامبية وصولًا إلى وضعية "ربنا يولي من يصلح الشرق الأوسط" مع نهاية سنواته الأربع "لحد ما نشوف الغربال اللي بعده"!
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.