صورة أرشيفية للبيت الأبيض

الخلاصة| ما الذي يبنيه ترامب تحت البيت الأبيض؟

منشور الأربعاء 6 أيار/مايو 2026

ليلة 25 أبريل/نيسان الماضي، سُمع دَويُّ طلقات رصاص خارج فندق واشنطن هيلتون في العاصمة الأمريكية، أثناء استضافته حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بحضور الرئيس دونالد ترامب، الذي سارع الحرس الرئاسي بنقله ونائبه جي دي فانس، ومسؤولي إدارته، بعيدًا عن المنصة؛ بينما اختبأَ الضيوف تحت الطاولات.

لم تستغرق الواقعة كلها سوى دقائق معدودة، أصبح بعدها المتهم كول توماس ألين، المهندس في الحادية والثلاثين، مُعتقلًا بعد تبادل إطلاق نار أصيب فيه أحد أفراد الحراسة.

وبدلًا من أن يكتفي ترامب -كأيِّ رئيس في موقفه- بالخروج منددًا بالعنف السياسي؛ استغلَّ الموقف خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد بعد إطلاق النار، ولاحقًا عبر منصة تروث سوشيال، في الجدل المحتدم بشأن قاعة الحفلات الضخمة التي يلح في طلبها داخل حيز البيت الأبيض منذ بداية حِقْبَة رئاسته الثانية، رغم ما تثيره من انتقادات.

فما الذي يسعى ترامب إلى بنائه؟ ومن الذين يقفون وراء تمويله؟ ومن الذين يقفون في مواجهته؟ وكيف استطاع القفز فوق الاحتجاجات وأحكام القضاء، ليستكمل أعمال الهدم والبناء؟

ماذا هدم ترامب؟

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بدأت أعمال هدم الجناح الشرقي في مجمع البيت الأبيض، الذي يبلغ عمره 123 عامًا، ويضم مكتب السيدة الأولى، ويُستخدم مركزًا بروتوكوليًّا لكبار الزوار. وكان هذا أول تعديل إنشائي كبير للمجمع منذ عام 1977.

وكشف ترامب عن مخطط لإنشاء قاعة حفلات رسمية مكان الجناح الشرقي، تتسع لـ 999 ضيفًا، بتكلفة بدأت بـ200 مليون دولار، وتضاعفت إلى 400 مليون في أقل من عام، وحتى قبل أن يبدأ العمل.

اللجنة الجديدة راجعت المشروع ووافقت عليه خلال 12 دقيقة فقط

لكن حين دقق مراجعون معماريون مخططات تصميم القاعة؛ وجدوا أخطاءً منها سلم لا يؤدي إلى مكان، ونوافذ تلتقي بزوايا غريبة، وأعمدة تحجب الرؤية الداخلية. وهي عيوب رجّح مختصون أنها بسبب عمل المصممين تحت ضغط جدول زمني "مستعجل".

لم يعبأ ترامب بمثل هذه الانتقادات وبدلًا من تعديل المسار، دفع نحو تسريع وتيرة العمل وأقال أعضاء "لجنة الفنون الجميلة"، وهي الوكالة الفيدرالية المستقلة المسؤولة عن مراجعة مشروعه، مدعيًا أنها لا تتبع سياسات "أمريكا أولًا"، وعيّن لجنةً جديدةً ذكرت نيويورك تايمز أنها راجعت التصميم ووافقت عليه في غضون 12 دقيقة فقط.

من يدفع وما المقابل؟

مع هوسه وإصراره على استكمال المشروع؛ تصاعدت الاتهامات ضد ترامب وإدارته. وجّهت منظمتا المواطن العام وCREW اتهامات للإدارة بالسماح لشركات مثل لوكهيد مارتن وأمازون وجوجل، تحتفظ بعقود حكومية بمليارات الدولارات، بشراء نفوذ سياسي بتبرعات تمويل المشروع.

كما رفع الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي دعوى قضائية ضد الإدارة لهدمها الجناح الشرقي قبل استيفاء المراجعات القانونية المطلوبة والحصول على موافقة لجنة تخطيط العاصمة الوطنية. أما شعبيًا فتلقت اللجنة نفسها آلاف الرسائل الشعبية المعارضة للمشروع.

وفي مواجهة اتهامات الفساد واستغلال أموال دافعي الضرائب في منشأة بلا جدوى؛ ادَّعى ترامب أنه وبعض أصدقائه "يمولون المشروع بنسبة 100%"، مشيرًا إلى أن هناك قائمةً من المتبرعين تضم أثرياءً وشركاتٍ كبرى، منها شركات تكنولوجيا وأسلحة، تعهدوا بتمويل البناء من خلال منظمة غير ربحية تسمى صندوق المركز الوطني

رفضت إدارة ترامب الكشف عن تفاصيل ما قدمه كل متبرع منهم والشروط المرتبطه بهذه التبرعات، إلى أن أجبرها قاضٍ فيدرالي في مارس/آذار الماضي على الكشف عن عقد التبرعات، واصفًا هيكل التمويل بأنه "شديد التعقيد رغم مهمته البسيطة"، وأنه صُمم ليسمح للرئيس بتجنب الشرط الدستوري الذي يفرض عليه تقديم خطة تمويل المشروع للموافقة عليها في الكونجرس.

وفقًا للعقد الذي حصلت واشنطن بوست على نسخة منه، يمكن للمتبرعين طلب عدم الكشف عن هوياتهم، والأهم هو أن مراجعة تضارب المصالح اقتصرت على نشاطات الصندوق وإدارة المتنزهات الوطنية فقط، دون أي ذكر لنشاطات البيت الأبيض، أو الرئيس، أو أي من الإدارات التنفيذية الـ14 التي يشرف عليها.

بمعنى آخر، يمكن لشركة ما أن تتبرع بعشرات الملايين دون كشف هويتها، وفي الوقت ذاته تحصل على عقود فيدرالية بمليارات أو إعفاءات تنظيمية، دون أن تكون هناك جهة ملزمة بالتحقيق في العلاقة بين الأمرين، وفقًا لكاثليين كلارك، أستاذة القانون في جامعة واشنطن، التي وصفت العقد  بأنه "ليس أكثر من خدعة".

كيف استمر البناء  البناء إذا؟

في مارس الماضي صدر حكم قضائي بتعليق البناء بشكل مؤقت، مستندًا إلى أن مشروعًا بهذا الحجم يستوجب تفويضًا من الكونجرس، وأن البيت الأبيض ليس ملكًا خاصًا للرئيس.

لكنَّ ذلك لم يوقف إدارة ترامب عن إتمام مشروعها؛ فبدلًا من الامتثال، أعادت تقديم المشروع بأكمله لمحكمة الاستئناف في العاصمة واشنطن على أنه مجرد هيكل سطحي فوق مجمع عسكري ضخم تحت الأرض، مصمم ليستبدل مركز عمليات الطوارئ الرئاسي، وتحدثت الملفات الحكومية الجديدة عن أعمدة فولاذية مضادة للصواريخ، وأسقف مضادة للطائرات المسيّرة، وملاجئ مضادة للقنابل، ومستشفى، و"منشآت عسكرية سرية للغاية".

بالفعل أصدرت المحكمة حكمًا يسمح باستمرار البناء رغم الحكم الفيدرالي السابق، مع التنبيه صراحةً إلى أن "الأمن القومي ليس شيكًا على بياض للمضي في نشاط غير قانوني"، مشيرةً إلى ارتباك كبير حول النطاق الحقيقي للمشروع

قاعة الحفلات إذًا ليست نزوة رئيس مهووس بالعقارات، إنما هي نموذج مصغّر لطريقة عمل السلطة في عهد ترامب؛ مشروع ضخم بتمويل غامض من متبرعين مجهولين لهم مصالح أمام الحكومة ذاتها، ومؤسسات رقابية تُقال أو تُستبدل بها أخرى تنهي مهمتها في 12 دقيقة، قبل اللعب بكارت "الأمن القومي" حين تضيق الخيارات القانونية.