الكنيست الإسرائيلي، تويتر
ترامب أثناء زيارته الكنيست الإسرائيلي بعد إعلان نهاية الحرب في غزة. 13 أكتوبر 2025

ملامح صهيونية في الصحوة الإنجيلية الأمريكية

منشور الأربعاء 31 كانون الأول/ديسمبر 2025

تناولت في مقالي السابق بـ المنصة عرضًا تاريخيًا مُركَّزًا لتطور الحركة الإنجيلية في السياق الأنجلو-أمريكي منذ القرن الثامن عشر، باعتبارها الخلفية الأكبر للتحولات الاجتماعية والثقافية التي شكّلت، خصوصًا في النصف الثاني من القرن العشرين، الهويات السياسية للعديد من المجموعات المحافظة في الولايات المتحدة، التي يؤيد بعضها إسرائيل انطلاقًا من قناعات دينية.

في هذا المقال أُعرِّج على التأثيرات والتوجهات الصهيونية المسيحية في الحركة الإنجيلية الأمريكية. أصولها، وحجم تأثيرها في صياغة خيارات السياسة الخارجية الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية، والتحولات التي نزلت بها على وقع حرب غزة، وتغيّرات الرأي العام الأمريكي يمينًا ويسارًا.

القيامة ونهاية الزمان

مبدئيًا، طالما اعتبر المؤرخون الحركة الصهيونية الدينية -في الأوساط اليهودية والمسيحية على حد سواء- مستمدةً من الفكر المشيحاني، القائم على فكرة انتظار مسيح مخلَّصًا يرفع الجور ويقيم العدل، وهي فكرة بالطبع قديمة للغاية، ولها تجليات ثقافية متعددة في حوض البحر المتوسط في مسار تطور الديانات الإبراهيمية الثلاث بما فيها الإسلام.

على أنها قد اتخذت شكلًا جديدًا مع الإحياء الإنجيلي في القرن التاسع عشر، إذ ظهرت في أوساط دعاة إنجيليين في بريطانيا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر تصوراتٌ تربط بين عودة المسيح الثانية، وتحقيق ملكه الألفي في نهاية الزمان، وهو المعتقد أن المسيح -في المعتقد المسيحي لا اليهودي بالطبع- سيأتي ليقيم العدل ويحكم ألف سنة كاملة قبل أن ينتهي العالم ويعود لبارئه. وهذا المعتقد رصده مؤرخو الفكر الديني المسيحي (خاصة البروتستانتي) تحت مسميات متقاربة تعبر كلها عن الألفية مثل millennialism وmillenarianism.

شهدت بداية القرن التاسع عشر انتشارًا لحركات ألفية/مشيحانية في العالم الأنجلو-أمريكي لعل أبرزها كان تنبؤ الأمريكي وليام ميلير بنهاية العالم في 1844 بناءً على حساب خاص لنبوءات العهدين القديم والجديد. وعندما انقضى العام ولم ينتهِ العالم فقد ميلير الكثير من مصداقيته إلا في أعين قليل من مناصريه تحولوا بدورهم إلى نواة لـ الطائفة السبتية/الأدفنتست، التي ظلت بعيدة منذ ذلك الحين عن الجسم الرئيسي للحركة الإنجيلية.

لم يكن وليام ميلير الوحيد الباحث عن علامات القيامة ونهاية الزمان، إذ كان كذلك أحد رجال الدين البروتستانت الإنجليز جون نيلسين داربي في المرحلة نفسها تمامًا يعكف على تطوير تصور عن عودة المسيح وتحقق مُلكه الألفي إلا أنه كان ضمن أول الإنجيليين الذين ربطوا هذا بعودة اليهود إلى أرض الميعاد واضعًا النواة الأولى للصهيونية المسيحية.

خلافًا لميلر، فإن داربي لم ينشئ طائفةً دينيةً بعيدةً عن التيار البروتستانتي الرئيسي، إنما تفسيراته لنصوص الكتاب المقدس وجدت طريقها إلى قطاعات كبيرة من الصحوة الإنجيلية في الولايات المتحدة في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر.

نبوءات الكتاب المقدس

مع هذا فإن تأثير داربي، سواء فيما يتعلق بالألفية أو ببذور الصهيونية المسيحية (ربط عودة المسيح في نهاية الزمان بعودة اليهود إلى فلسطين) ظل دينيًا بحتًا، ولم يترجم إلى أي مبادرات سياسية أو محاولات للتعبئة لا في القرن التاسع عشر ولا النصف الأول من القرن العشرين حتى وقع التحول مع إعلان قيام إسرائيل في 1948، ثم نجاح الدولة العبرية الساحق في حرب يونيو 1967 في توسيع سيطرتها على المزيد من الأراضي العربية، فحينها سرت في الدوائر الصهيونية المسيحية ذات النزوع الألفي/المشيحاني روح جديدة تترجم القناعات الدينية إلى مواقف سياسية.

ورأت قيادات إنجيلية أن من واجبها دعم إسرائيل بشكل غير مشروط من باب تحقيق نبوءات الكتاب المقدس، وللتعجيل بعودة المسيح وبدء ملكه الألفي، كما أخذوا مواقف متشددةً إزاء أي حل سياسي للقضية الفلسطينية، وهو ما رأيناه بجلاءٍ في العقود القليلة الماضية في تكوين لوبي مسيحي صهيوني قائم بذاته يضغط من داخل الكتلة الجمهورية لاتخاذ مواقف أمريكية مفرطة في التأييد لأقصى اليمين الديني القومي في إسرائيل.

حرب غزة ودعم إسرائيل

لكن لنتوقف هنا قليلًا. إن حضور معتقدات ألفية/صهيونية في الأوساط الإنجيلية الأمريكية لا يعني أن الصحوة الإنجيلية في جسمها الرئيسي كانت كذلك، إذ لم تكن المعتقدات الألفية حول نهاية العالم -وليست إلى اليوم- هي التصور الغالب في الحركة الإنجيلية، التي تظل كحال البروتستانت عامة مساحة للتنوع والتعدد في أشكال التنظيم والاعتقاد.

من هنا فإن ادعاءات ممثلي الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة أنهم يعبرون عن الجزء الأكبر من الحركة الإنجيلية هو أمر في الغالب ليس دقيقًا رغم غياب أي إحصاءات يمكن الاعتماد عليها (ناهيك عن مد الافتراضات ذاتها إلى فرق مسيحية أخرى بعيدة كل البعد عن التراث الألفي، ولا أقول الصهيوني، مثل الأرثوذكسية الشرقية أو اليونانية أو الكاثوليكية).

استنادًا لتقديرات الباحث كارلو ألدروفاندي، المتخصص في المسيحية السياسية بالولايات المتحدة، فإن المسيحية الصهيونية تمثل نحو 20 إلى 25% من الجمهور الإنجيلي عامةً (المقدر بنحو 85 مليونًا) ما يجعل نصيبهم في إجمالي السكان في الولايات المتحدة عند 6.5% فحسب.

وطبقًا لألدروفاندي فإن المسيحيين الصهاينة منظمون وممولون بشكل جيد بما يجعل تأثيرهم يفوق كونهم أقليةً عدديةً في حركة بالغة التنوع لا يجمعها حقًا إلا المواقف السياسية والاجتماعية المحافظة المستمدة من شعور عام قائم على التدين المسيحي.

ربما من هنا يمكن لنا أن نفهم بدرجة أقل من الاستغراب التوتر داخل الكتلة الإنجيلية الأمريكية على وقع حرب غزة إزاء تأييد إسرائيل بشكل مطلق. إذ لا يؤمن الإنجيليون المحافظون بالضرورة بأن توسع إسرائيل عسكريًا ومد سيادتها على ملايين الفلسطينيين بما يدفع إلى حرب كبرى، شروط لازمة لعودة المسيح كي يقيم ملكه الألفي. وهو الآخر اعتقاد ليس محل إجماع بين كافة الإنجيليين، سواء ارتبط بالصهيونية المسيحية أو لا، إذ يشير استطلاع رأي أن أكثر قليلًا من 60% من الإنجيليين يتبنون تصورًا ألفيًّا عن المسيحية من الأصل.

تبنّي قناعة مفادها أننا بصدد مرحلة ثانية من الحرب الصليبية يحارب فيها المسلمون، المسيحيين، لا يفيد سوى رواية المسيحيين الصهاينة عن أنفسهم، وادعاءاتهم المتتالية عن كونهم يمثلون المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة، وهو ما يتجاهل واقع الاختلاف والتنوع وغياب أي إجماع حول إسرائيل، خصوصًا وأن رواية المسيحية الصهيونية عن ربط عودة اليهود لأرض الميعاد بعودة المسيح طالما جمعت على نحو عجيب بين العداء للسامية، والتأييد المطلق للصهيونية في فلسطين!

ذلك لأن داربي ومن تلاه في تفسير النصوص المقدسة بما يخدم ربط إقامة إسرائيل بعودة المسيح لا يرون اليهود سوى بيادق في لعبة كبرى من التحولات الجيوسياسية التي تنذر بنهاية العالم وتبشر بعودة المسيح. بل إنهم يرون في الهولوكوست جزءًا من المخطط الإلهي لإنجاز المهمة. ومع هذا فإن تعاطفهم مع اليهود مرحلي، إذ طبقًا لتفسيراتهم لنبوءات الكتاب المقدس، سيموت اليهود بكثافة في الحرب الكبرى المنتظرة "هرمجدون"، وسيتحول الباقون منهم إلى المسيحية بعد عودة المسيح، إذ لن تكون هناك مساحة لاستمرارهم في إنكار المسيح كما فعلوا أول مرة.

سردية متهاوية وأجيال جديدة

إذا كان لدينا ما نتعلمه من تاريخ الحركة الإنجيلية في القرنين الماضيين، فهو أنها حركة شديدة السيولة والتنوع بحكم غياب أي تنظيم مركزي من ناحية، والانفتاح على مبادرات شخصية تتجاوز الطوائف والكنائس من ناحية أخرى. وإذا كانت الصحوة الإنجيلية في الأربعين سنة الماضية قد شكلت الهوية المسيحية في الولايات المتحدة لتكون محافظةً سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، فإن تلك الهوية فيما يبدو دخلت في طور جديد من التحول، على وقع التحولات الكبيرة في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين.

ويبدو أن هذا قد فتح الباب أمام إعادة تصور الموقف من دعم إسرائيل داخل اليمين عامة، من زاوية التماهي بين مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، وهو الأمر الذي يثير ستيف بانون تساؤلات حوله دافعًا باتجاه ضرورة إخضاع إسرائيل لأولويات الأمن القومي الأمريكي، لا العكس.

وينطبق الأمر نفسه على إعادة تفكير دوائر إنجيلية في مركزية دعم إسرائيل كملمح من ملامح هويتهم السياسية، على النحو الذي يعبر عنه الإعلامي اليميني تاكر كارلسون، الذي صرح غير مرة بأن القول بوجود شعب مختار من قبل الله يخالف أصول المسيحية نازعًا بذلك الصفة الرئيسية التي طالما منحها الإنجيليون الصهاينة لليهود بالنظر لمحورية دورهم في عودة المسيح، وهو الذي خلق شعورًا بالأزمة في أوساط الإنجيليين الداعمين لإسرائيل، جراء ما يرونه تحولًا في المواقف السابقة عن دعم إسرائيل.

تقوم الرواية الصهيونية المسيحية الراهنة على تصور معادٍ لسكان منطقة الشرق الأوسط بما يربط بين حروب كبرى وملاحم دموية قد يُقتل فيها الملايين ليعود المسيح ثانية، وعلى وقع حرب غزة لا يبدو أن بشاعات الإبادة الجماعية قد راقت لجميع قواعد الإنجيليين مثلما راقت لهاكابي سفير الولايات المتحدة في القدس، وبعض المخابيل الآخرين.

خلاصة الأمر، الصهيونية المسيحية لا تشكل الأغلبية وليس لها الغلبة في الأوساط الإنجيلية الأمريكية، وثمة تحولات على الأرض خاصة بين شباب الإنجيليين، تستلزم الكثير من المتابعة والنظر بما يتجاوز إنصاف الفلسطينيين إلى إيجاد وسيلة لتهدئة التوتر والشروع، في حوار يقوم على الاحترام المتبادل بين أكبر دينين في العالم: المسيحية والإسلام، وهو أمر تنبهت إليه قيادات بروتستانتية لأنه ربما في النهاية يصدق نبيل خلف وأحمد منيب/محمد منير في كون العالم عاقل مش مجنون، وكل عام وأنتم بخير.