تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
تظل الأقليات أهدافًا سهلة في سياقات الذعر القومي كالتي نعيشها في منطقتنا

في غباوة الخطاب الطائفي المتصهين

منشور الثلاثاء 13 كانون الثاني/يناير 2026

لم أتصور قط أن أتفق يومًا مع الكاتب والناشط المصري الأمريكي مجدي خليل، شبه المعروف بتغريداته ومقالاته الطائفية، وفي بعض الأحيان التحريضية.

لكنّ ما حدث، أنّي وجدت بعض الوجاهة في نقطتين أثارهما في حواره مع الإعلامي حافظ المرازي في يونيو/حزيران الماضي حول المسيحية الصهيونية، هي إلى حد كبير لب الموضوع في تأطير النقاش حول الميول الصهيونية لدى البعض من زاوية الطائفية قبل كل شيء.

النقطة الأولى هي أن تأييد بعض المسيحيين المصريين للصهيونية من باب الطائفية يلقي أعباءً طائفية على المسيحيين المصريين ويضعهم في دائرة الاتهام. والثانية أن ذلك يجعلهم عرضة لابتزاز يضطرهم لنفي التهمة، ثم خلصت في كل الأحوال أن مجدي خليل نموذج لتبني الصهيونية من باب الطائفية.

مبدئيًا؛ من الصعب فهم النقاش الدائر باللغة العربية حول المسيحية الصهيونية بمعزل عن الطائفية، سواء الموجهة ضد المسيحيين من قبل الناطقين باسم الأغلبيات المسلمة، أو الطائفية العكسية الصادرة من أصوات ناطقة باسم الأقليات المسيحية في العالم العربي بما في ذلك مصر.

أقليات متهمة وطائفية عكسية

بالنسبة لمعسكر الطائفيين المسلمين، يُمثِّل حضور بعض الأصوات الموالية لإسرائيل أو الكارهة للفلسطينيين في أوساط المسيحيين العرب؛ دليلًا على خيانة تلك الأقليات، وأنها طابور خامس اتخذ اللحظة الراهنة للتعبير عن ولاءات معادية للأغلبية المسلمين وصولًا إلى حد التماهي مع "العدو" والاستقواء به. وما يزيد الأمر إقناعًا أن بعض هؤلاء الصهاينة المحليين يعلنون عن اتفاقهم مع المقولات الدينية للصهيونية المسيحية.

اتهام الأقليات في العالم العربي ليس بجديد؛ سواء فيما يتعلق بالعلاقة مع الاستعمار الأوروبي أو الإمبريالية الأمريكية ثم مع إسرائيل في مرحلة لاحقة. بل يمكن القول إن الخطابات الوطنية/القومية/الإسلامية، كثيرًا ما وقفت على أرضية واحدة، رغم التنافر الأيديولوجي فيما بينها في محاور أخرى، في اعتبار أن الأقليات الدينية والقومية، مثل الأكراد، خائنة بحكم الواقع أو الاحتمال حتى يثبت العكس.

كثيرًا ما ألقى ذلك عبئًا رهيبًا على الأفراد العاديين من المنتمين لتلك الأقليات للتعبير بشكل متواصل وفي بعض الأحيان مبالغ فيه عن ولائهم لقضايا الأمة، من باب درء تهمة الخيانة الضمنية عنهم.

يظهر هذا بوضوح في الخطاب الطائفي المناهض للأقليات على السوشيال ميديا، الذي يكاد يصور الميول الصهيونية باعتبارها شأنًا مسيحيًا خالصًا في العالم العربي، رغم أن الخطاب الكاره للفلسطينيين وحتى الموالي للصهيونية بشكل أو بآخر، حاضر وبكثافة بين أناس يحملون أسماءً مسلمةً بل وممعنة في الإسلام والعروبة.

لكن تظل الأقليات أهدافًا سهلة في سياقات الذعر القومي كالتي نعيشها في منطقتنا، وفي العالم ككل للحق.

على صعيد آخر، لا سبيل لإنكار حضور أصوات صهيونية في أوساط أناسٍ ينتمون للأقليات الدينية في العالم العربي، مسيحيين كانوا أو أقليات طائفية كالدروز أو قومية كالأكراد.

يمكن اعتبار الخطاب المجاهر بالولاء للصهيونية ولإسرائيل مُكوِّنًا في الخطاب الطائفي النابع من الأقليات ذاتها، على أساس المصلحة كحال ممثلي المارونية السياسية في لبنان إبان الحرب الأهلية، وحاليًا مع بعض القوى الانفصالية بين دروز جبل العرب وربما القوى الكردية الانفصالية في سوريا. أو على أساس أيديولوجي، ولعل هذا هو الجديد بين بعض الطائفيين المسيحيين الذين باتوا يقولون إن المسيحية كدين مرتبطة بالصهيونية كقناعات دينية.

لكنَّ هذا الزعم لا يحمل أي قدر من الصحة لأن الصهيونية المسيحية تيار جديد نسبيًا، وهو تيار بروتستانتي أنجلو أمريكي بالدرجة الأولى، لم يكن له حضور قط في الأوساط الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، لا على المستوى الفكري ولا التنظيمي.

صهينة كيدية

لكن يحضرنا هنا أمر مهم يخص مثل هذا الخطاب، لا سيما في الحالة المصرية، أنه لا يعدو كونه خطابًا كيديًا، وهو تعبير مُفضل لدى سامر سليمان عند تناوله للخطاب الطائفي بين بعض الأقباط، كونه خطابًا بائسًا لا يعبر لا عن مشروع سياسي ولا عن مصلحة بقدر ما هو خطاب يهدف فحسب لإغاظة الأغلبية المسلمة.

وحتى لو سلمنا بالتفسير القائل بأن أمارات التصهين جزء من الاستقطاب الطائفي الحاد الذي أوجده صعود الإسلام السياسي بعد 2011، ما خلق أرضية لتبني مقولات اليمين المحافظ الغربي بمحتوياتها المسيحية والصهيونية والمناهضة للإسلام والمسلمين، فإن هذا من الصعب أن يترجم إلى أي مشروع سياسي أو حتى أفق لخطاب سياسي يتناول المسألة الطائفية إلا لو كان الغرض هو تأليب الغالبية المسلمة الكبيرة التي لا تزال ترى في إسرائيل تهديداً وعدواً قبل وبعد وبمعزل عن الإسلام السياسي.

لكن يحضرنا هنا أمر مهم يخص مثل هذا الخطاب، لا سيما في الحالة المصرية، أنه لا يعدو كونه خطابًا كيديًا، وهو تعبير مُفضل لدى سامر سليمان عند تناوله للخطاب الطائفي بين بعض الأقباط، كونه خطابًا بائسًا لا يعبر لا عن مشروع سياسي ولا عن مصلحة بقدر ما هو خطاب يهدف فحسب لإغاظة الأغلبية المسلمة.

كان سامر سليمان يرى أمارات الكيدية هذه في سياق غياب السياسة عن المجال العام في مصر في عهد مبارك، وأعتقد أن ملاحظاته ما زالت في محلها في الظرف الراهن، بعد أكثر من عقد من وفاته المبكرة، شهدت فيها مصر تغيرات جذرية.

على أني أود أن أضيف إلى هذا أن تبني الأطروحات الصهيونية، بل ومن زاوية دينية مؤخرًا، كجزء من الخطاب الطائفي الكيدي أمر خطير في الوقت ذاته، لأنه يُتخذ بمثابة برهان لدى الأصوات الطائفية المناهضة للأقليات، التي ترى في بعض التغريدات دليلًا من باب "وشهد شاهد من أهلها" بما يدفع بالكثير من الأفراد العاديين من أبناء الأقليات الدينية أو القومية إلى تلك الدائرة السقيمة، التي بموجبها ينبغي عليهم أن يؤكدوا على وطنيتهم أو انتمائهم لنفي الخيانة المفترضة دائمًا فيهم كأبناء أقليات.

بناءً عليه، يتحمل هؤلاء مخاطر بدون أن يتيح الخطاب الطائفي المتصهين أي فرص سياسية أو يعبر حتى عن موقف سياسي، لأنه خطاب الغرض منه إخراج الألسنة لا تحقيق أي هدف.

أن يصدر مثل هذا الخطاب من أناس في الولايات المتحدة أو كندا يمكن تفسيره برغبتهم في حصد مصالح مباشرة مرتبطة بموقعهم في السياق السياسي

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.