ضجيج الهند.. بين الحداثة والتكاتك
حظيت في الشهر الماضي بإقامة قصيرة لثلاثة أسابيع في مدينة بانجالور الهندية. لمن لا يعرف فمدينة بنجالور واحدة من أنشط، إن لم تكن أهم، مدن الهند اقتصاديًا، فهي المركز الرئيسي للصناعات التكنولوجية والخدمات المرتبطة بها على نحو جعلها تُعرف في العقود الماضية بالسيليكون فالي الهندي، وحازت وحدها في 2024-2025 على 35% من إجمالي صادرات الهند الخدمية.
الهند أم العجائب، يقترب سكانها من 1.5 مليار نسمة، بنسبة 17.79% من إجمالي سكان العالم، ومساحتها ذات طابع قاري، وتنوع ثقافي، واحتواؤها على قطاعات وصناعات بالغة التطور مثل الحاسبات والطاقة المتجددة وخدمات الأعمال، بما فيها ذات المحتوى المهاري والتكنولوجي المرتفع، وغيرها من أمارات الحداثة والتطور التقني، يتناقض مع ممارسات يمكن اعتبارها تقليديةً موروثةً من عصور قديمة.
التطور وسط التخلف
تنضح بنجالور بتناقضات تظهر للزائر من أول وهلة. فمن مطار لا يختلف في تطوره جملةً وتفصيلًا عن مطار دبي، سواء فيما يتعلق بالبنية الأساسية والخدمات المتاحة داخله، إلى طرق لا تتحرك بسبب الاكتظاظ بالسيارات والموتوسيكلات والتكاتك (وما أدراك ما التكاتك)، فمشوار من المطار إلى مقر الجامعة لمسافة لا تتجاوز 25 كيلومترًا استغرق ساعتين ونصف الساعة من الحركة البطيئة والتوقف التام.
عن الفوضى المرورية حدث ولا حرج، وإن كان ما أثار دهشتي أن السيارات والموتوسيكلات والتكاتك والمارة والأوتوبيسات لا تتصادم كثيرًا، رغم أن السلوك المتعارف عليه هو عدم التوقف لأي شيء، ما دامت هناك فرصة للتحرك مهما بلغ خطر التصادم مع تقليل الخطر بالاستخدام المفرط والدائم للزمامير، في ملحمة مستمرة تجمع الحركات غير المتوقعة وغير المنسقة للمرور مع الأصوات العالية المتداخلة ورائحة العادم، بشكل لا يختلف كثيرًا عن القاهرة كيفًا قبل إدخال الطرق السريعة إليها، وإن فاقها في الكثافة.
يعود الضغط الكبير على الخدمات العامة في بنجالور إلى نشاطها الاقتصادي الفائق، ما مثَّل عنصر جذبٍ للعديد من الهنود الباحثين عن فرص للعمل في الاقتصاد المتسع المتركز في الخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
يلفت النظر كذلك الحضور الكبير للمعابد الهندوسية الصغيرة التي تشبه الزوايا في حالة القاهرة
على أن اقتصاد الهند لا يعتمد فحسب على صادرات الخدمات، فهي تعد صيدلية العالم أيضًا إذ تنتج مصانعها نحو خمس الإنتاج العالمي من الأدوية النظيرة.
لهذا قصدت إحدى سلاسل الصيدليات لشراء بعض الفيتامينات لوالدتي. اعتمدت على خرائط جوجل، التي قادتني مشيًا على الأقدام إلى صيدلية قريبة من مقر الجامعة. دخلت إلى حواري وأزقة لا تختلف كثيرًا عن تلك التي تجدها في القاهرة، لا من حيث الزحام، ولا طبيعة النشاط الاقتصادي المعتمد على الباعة المتجولين وفرشات الخضروات والفاكهة، وطوفان التكاتك التي تزحف صعودًا وهبوطًا من كل حدب وصوب.
كان المشهد مذهلًا لأنه يذكرك بثقافة الفقر الحضري، التي تجمع مدن العالم النامي رغم الاختلافات السياسية والتاريخية والثقافية بينها.
معابد وتكاتك وصيدلية
مما يلفت النظر كذلك الحضور الكبير للمعابد الهندوسية الصغيرة، التي تشبه الزوايا في حالة القاهرة، إذ تجد في كل ركن معبدًا تعتليه تماثيل الآلهة، التي إما تكون في صورة إنسان أو حيوان أو ما يجمع بينهما.
بعد الغروب بقليلٍ، لاحظتُ أن أغلب المعابد الصغيرة تخلو من زوارها، بينما تنبعث أصوات من داخل المعابد باستخدام مكبرات الصوت. أوضح لي زملائي الهنود فيما بعد أنهم ينتهون من شعائر غروب الشمس ويمضون في طريقهم، فيما تستمر التسجيلات التي تكون في الغالب لتراتيل وصلوات تُقام باللغة السنسكريتية، وهي اللغة الكلاسيكية المنقرضة التي كُتبت بها النصوص الهندوسية الأكثر قدسيةً قبل عشرات القرون.
في خلفية الخلفية أصوات التكاتك والكثير من الصياح على الخضروات والفواكه ومشادات بين السائقين والمارة
تختلط أصوات الصلوات المعلبة المنقولة عبر مكبرات صوت رديئة ببعضها البعض، فكل 500 متر أو ربما أقل تجد أحد المعابد الصغيرة.
في مواجهة الصيدلية يُغرد معبد بإخلاص دون مستمعين ما بدا لي اكتفاءً من الجمهور المار بالأجواء الإيمانية التي تشيعها مكبرات الصوت عند الغروب، في أعلى المدخل صنم لأسد (في الغالب يعبر عن المعبودة دورجا وهي تجلٍ عسكري لبرفاتي زوجة المعبود شيفا إحدى الآلهة الرئيسية لدى الهندوس)، وعند المدخل يقبع بائع جزر أحمر (وهو شديد اللذاذة بالمناسبة) مناديًا على المارة بصوت مرتفع يخلو من أي نعومة، وهو جالس نصف جلسة على توكتوك أُعدَّ خصيصًا لحمل الخضروات.
في خلفية الخلفية أصوات التكاتك والكثير من الصياح على الخضروات والفواكه، ومشادات بين السائقين والمارة الذين درجوا على منازعة بعضهم البعض على المساحات الضيقة في الحواري.
عدت سالمًا إلى مقر الجامعة، واشتريت الأدوية والفيتامينات، وفي اليوم التالي حكيت عن مغامرتي الصغيرة في الحواري الخلفية لزملائي الهنود بينما نتناول الغداء.
قالت لي إحداهن إن أصوات المعابد تستمر لمدة ساعة أو ساعتين بعد المغرب، ولا يُنتظر أن يعي الناس ما يُذاع عبر المكبرات، ففي كثير من الأحيان يفتح سدنة المعبد المكبرات فقط من باب الحصول على البركة، وهذا الأمر بالنسبة لها أداء يومي من "النشاز" مع قدرة مبهرة من عامة الناس على التكيف مع الإزعاج.
أردفت زميلة أخرى أن التدين بين الهندوس في شمال الهند أشد من الجنوب، وهناك مكبرات الصوت أعلى، والمعابد أكبر، وساعات تشغيل الميكروفونات أطول، يضاف إلى هذا احتمال اختيار سدنة بعض المعابد أداء صلوات في الميكرفون قد تطول لساعات متأخرة من الليل.
قالت ثالثة إن التسامح مع النشاز في بنجالور عادةً ما يقتصر على المناطق الشعبية كالتي قصدتها، لكن في بعض مدن شمال الهند يبلغ الإيمان مداه وتصل الممارسات نفسها إلى أحياء الطبقة الوسطى، ورغم أن هناك قوانين ضد الإزعاج، فمن النادر إبلاغ أحدهم الشرطة، إذ يعتبر هذا من باب قلة الدين والأدب، كما يخالف مساعي الحكومة اليمينية الحالية للاستثمار في هوية دينية هندوسية، من باب كسب الشرعية والشعبية.
عادت الزميلة الثانية فقالت لذلك يفضل شراء شقق سكنية بعيدة عن أي معبد، وقد يكون من سوء حظك أن يبنى معبد بجوار منزلك في مرحلة لاحقة، فلا فكاك من مكبرات الصوت وقتها. ثم سألتني سؤالًا حول وضع التلوث الضوضائي في القاهرة، فقلت لها ولنفسي ألاَّ معابد في القاهرة. والحمد لله على نعمة الإسلام. وكل عام وأنتم بخير.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
