موقع الإعلام الحربي اليمني التابع لجماعة أنصار الله الحوثيين
جندي من جماعة أنصار الله الحوثي أثناء الزحف على الساحل الغربي لليمن للسيطرة على جزيرة ميون في قلب باب المندب، 12 سبتمبر 2026

الخلاصة| ماذا تعني سيطرة الحوثيين على باب المندب؟

منشور الخميس 17 أيلول/سبتمبر 2026

لم يكن يوم الجمعة الماضي كسابقه، لا في اليمن، ولا في المنطقة، ولا حتى في العالم كله.

فبينما كانت الأنظار شاخصةً صوب مضيق هرمز، الذي يعطّل إغلاقه مرور نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط؛ وسَّعت جماعة أنصار الله "الحوثيون" سيطرتها لتطال مواقع استراتيجية مطلة على باب المندب، مضيفةً جبهةً جديدةً إلى أزمة الممرات البحرية.

وفي أيام معدودة، سيطر الحوثيون على المخا وذو باب بمحافظة تعز، قبل أن يصلوا إلى جزيرة ميون/بريم داخل المضيق، في تقدمٍ غيّر خريطة الحرب غرب اليمن ومنح حليف إيران موقعًا أكثر تأثيرًا قرب ممر ازدادت أهميته مع اضطراب هرمز.

وضعت هذه التطورات الدول المعنية في مأزق، على رأسها السعودية، فقد بات البحر الأحمر أهم البدائل المتاحة أمام صادراتها النفطية، فيما تتريث واشنطن لاحتواء تداعيات الأزمة، وعندما طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان دعمًا عسكريًّا أمريكيًّا لمواجهة الحوثيين، اقتصرت استجابة واشنطن على الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف. 

في المقابل، تراقب مصر التطورات بقلق خشية تكرار سيناريو أزمة مضيق هرمز في باب المندب.

ماذا حدث؟

بدأ هجوم الحوثيين الواسع في 3 سبتمبر/أيلول الجاري من عدة محاور، قبل أن تنسحب قوات "المقاومة الوطنية" التابعة للحكومة المدعومة من السعودية والمعترف بها دوليًّا مع اشتداد المعارك، ليدخل الحوثيون المخا فجر 10 سبتمبر/أيلول ويتقدموا إلى ذو باب، وينقلوا مقاتلين بالقوارب إلى جزيرة ميون بعد انسحاب القوات الحكومية منها ويسيطرون عليها في اليوم التالي.

لكنَّ جذور هذا التصعيد تعود إلى يونيو/حزيران الماضي، بعدما استهدفت غارات مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط فيه، بحسب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا والمدعومة من السعودية. واتهم الحوثيون الرياض بالوقوف وراء الغارات، معتبرين استهداف المطار تصعيدًا أنهى مرحلة خفض التصعيد، فيما قالت الحكومة إن العملية استهدفت المدرج بسبب ما وصفته بانتهاك الطائرة الإيرانية المجال الجوي اليمني. 

وردّ الحوثيون باستهداف مطار أبها بصواريخ باليستية، والتحذير من التحليق في الأجواء السعودية قبل رفع الحصار عن مطار صنعاء. ثم أعلنت الجماعة حظر الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، وفرض معادلة جديدة على الميدان عنوانها "الحصار بالحصار"، متهمةً الرياض بإغلاق المنافذ والمواني والمطارات اليمنية منذ نحو 12 عامًا.

وأطلق زعيم جماعة أنصار الله عبد الملك الحوثي النفير العام لإنهاء ما وصفه بالحصار السعودي، منهيًا نحو أربع سنوات من الهدوء النسبي، بالمقابل دعا مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى معركة لاستعادة مؤسسات الدولة. هكذا اتسعت الهجمات المتبادلة بين الطرفين، حتى جاء التحول الأهم مطلع الشهر الجاري، عندما تقدم الحوثيون جنوبًا نحو مناطق تسيطر عليها قوات موالية للحكومة اليمنية.

لماذا الآن؟

لا يمكن تفسير الهجوم الحوثي بعامل واحد. داخليًا، جاء التقدم بعد أشهر من اشتعال الجبهات اليمنية ومحاولة الحوثيين والقوات الحكومية إعادة رسم موازين السيطرة على الأرض، فيما منح السياق الإقليمي الهجوم أهمية تتجاوز حدود الصراع الداخلي.

جاءت المفاجأة الحوثية في لحظة برزت فيها الأهمية الاستراتيجية للساحل الغربي لليمن؛ فمع تراجع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، زادت أهمية البحر الأحمر مسارًا بديلًا للصادرات السعودية، لا سيما عبر خط أنابيب شرق-غرب المؤدي إلى ميناء ينبع. وفي هذا التوقيت، أتاح التقدم نحو المخا وذو باب وجزيرة ميون للحوثيين فتح جبهة ضغط ثانية على السعودية والمصالح الأمريكية من الجهة المقابلة لشبه الجزيرة العربية.

ونقلت رويترز عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الحرس الثوري الإيراني قدم دعمًا وتوجيهًا للهجوم بهدف استخدام باب المندب ورقة إضافية في المواجهة مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع الضغط على هرمز. وحسب المصادر، جاء التقدم ضمن حملة مخططة لاستغلال انشغال واشنطن والرياض بجبهات إقليمية أخرى.

ويفسر ذلك أهمية الساحل الغربي في الهجوم؛ فالمخا تقع قرب باب المندب، فيما تقع جزيرة ميون داخل المضيق وتقسمه إلى ممرين ملاحيين. ولا تعني السيطرة على هذه المواقع القدرة على إغلاق الممر فورًا، لكنها تعزز قدرة الحوثيين على مراقبة حركة السفن وتهديدها، وتمنح إيران وحلفاءها، حسب تحليلات، ورقة ضغط قرب أحد أهم مسارات الطاقة والتجارة في المنطقة.

في الوقت نفسه، استفاد الحوثيون من هشاشة القوات الموالية للحكومة، وتعدد تشكيلاتها، ومن انسحاب قوات "المقاومة الوطنية" بقيادة طارق صالح مع اشتداد المعارك.

بذلك جمع الهجوم بين فرصة عسكرية داخلية تمثلت في ضعف خطوط الدفاع وتشتت القرار، وفرصة إقليمية وفرها انشغال السعودية والولايات المتحدة بأزمة هرمز والحرب مع إيران. ومنح ذلك الحوثيين مكاسب ميدانية داخل اليمن، وموقعًا متقدمًا عند باب المندب، وورقةَ ضغط أقوى على السعودية، فيما يضع واشنطن أمام معضلة بين السماح للجماعة بترسيخ وجودها قرب المضيق أو توسيع انخراطها في جبهة جديدة.

ماذا ننتظر؟

تتضاعف خطورة التصعيد بالنظر إلى توقيته مع اضطراب هرمز، الذي دفع السعودية إلى زيادة اعتمادها على خط شرق-غرب لنقل ما بين 4 و5 ملايين برميل يوميًّا إلى ينبع على البحر الأحمر، قبل أن يتعرّض الخط نفسه لهجوم بمسيّرات في 10 سبتمبر/أيلول أدى إلى إغلاقه مؤقتًّا، مهددًا نحو 4% من إمدادات النفط العالمية، من دون أن تعلن جهة مسؤوليتها عن الهجوم، بينما نسبت الرياض إطلاق المسيّرات إلى الأراضي العراقية.

في الوقت نفسه، تراجعت تدفقات النفط والسوائل البترولية عبر هرمز من 21.6 مليون برميل يوميًّا في الربع الأخير من 2025 إلى 4.9 ملايين في الربع الثاني من 2026، مقابل ارتفاعها عبر باب المندب من 5.4 إلى 8.1 ملايين برميل يوميًّا، ما ضاعف الأهمية الاستراتيجية للممر لحظة تقدم الحوثيين نحوه.

حتى الآن لا توجد مؤشرات على أن الحوثيين يتجهون إلى إغلاق باب المندب أمام الملاحة التجارية عمومًا؛ فالجماعة تقول إن القيود تستهدف السفن المرتبطة بالسعودية، بينما تظهر بيانات تتبع السفن استمرار حركة المرور عبر المضيق بمعدلات قريبة من متوسط الأيام السابقة.

لذلك يظل السيناريو الأقرب استمرارَ الملاحة مع ارتفاع المخاطر، واستخدام الحوثيين موقعهم الجديد ورقةَ ضغط بدل إغلاق الممر بالكامل. لكن هذا الوضع قد يتغير إذا حاولت القوات اليمنية المدعومة من السعودية استعادة المناطق التي خسرتها أو توسع الحظر الحوثي ليشمل فئات أكبر من السفن، بما قد يدفع شركات الملاحة إلى تجنب المضيق حتى من دون إعلان رسمي بإغلاقه.

في المقابل، قد يدفع ارتفاع التكلفة دول الخليج إلى تكثيف المسار الدبلوماسي مع إيران؛ إذ ترى بعض التحليلات أن التقدم الحوثي وتردد واشنطن يضعان دول الخليج بين تحمل تكلفة أمنية واقتصادية مرتفعة أو السعي إلى تفاهمات مع طهران تخفف الضغط على الممرات البحرية.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟

لم تنتظر الأسواق العالمية إغلاقَ باب المندب لتستشعر الخطر. 

فالمضيق الذي يربط المحيط الهندي والبحر العربي بالبحر الأحمر وقناة السويس، مرت عبره نحو 8.7% من إجمالي التجارة البحرية العالمية في عام 2023، فضلًا عن حصة مهمة من تجارة النفط والحاويات والسيارات.

تزداد حساسية الممر حاليًا مع تحول جزء من تدفقات الطاقة بعيدًا عن هرمز، بينما تعاني سوق النفط أصلًا من تقلص الإمدادات الخليجية. حتى الآن لا تتمثل التكلفة في نقص فعلي بسبب إغلاق باب المندب، بل في ارتفاع المخاطر؛ إذ قفزت أسعار استئجار ناقلات النفط إلى مستويات قياسية، وبلغت تكلفة شحن البرميل في بعض الرحلات من الخليج إلى آسيا نحو 11.5 دولار، فيما ارتفع خام برنت 3% إلى نحو 108 دولارات للبرميل وسط المخاوف من اضطراب الإمدادات والممرات البحرية.

وإذا دفع التصعيد شركات الشحن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، سيعني الطريق الأطول مزيدًا من الوقود والوقت، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، قبل انتقالها إلى أسعار السلع والغذاء والطاقة.

وسبق وحذر صندوق النقد الدولي من أن اضطراب الممرات البحرية يرفع تكاليف سلاسل الإمداد ويضغط خصوصًا على الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، فيما قالت  منظمة الأمم المتحدة التجارة والتنمية/UNCTAD إن اضطرابات 2026 رفعت بالفعل تكاليف الطاقة والنقل واللوجستيات وأسعار السلع عالميًا.

وماذا يعني لمصر؟

إذا كانت السعودية تواجه الأزمة من زاوية تصدير النفط، فإن مصر تواجهها أساسًا من بوابة قناة السويس. 

باب المندب هو المدخل الجنوبي للمسار المؤدي عبر البحر الأحمر إلى القناة، وأي ارتفاع كبير في مخاطر المرور قد يدفع شركات الشحن مجددًا إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

اختبرت القاهرة بالفعل تكلفة ذلك، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس في 2024 بنسبة 61% إلى 3.99 مليارات دولار، بخسائر لامست السبعة مليارات دولار خلال عام واحد، فيما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في مارس/آذار 2026 إن الخسائر التراكمية منذ بدء الهجمات تجاوزت 10 مليارات دولار.

وكانت القناة قد بدأت تظهر علامات تعافٍ خلال النصف الأول من العام المالي 2025-2026، مع ارتفاع أعداد السفن والحمولات والإيرادات، لكن عودة المخاطر إلى باب المندب تهدد هذا التعافي إذا تجنبت الخطوط الملاحية البحر الأحمر مجددًا.

لا تقتصر التكلفة على القناة، فارتفاع أسعار النفط والشحن يزيد فاتورة الواردات وتكاليف الإنتاج والنقل. وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز ضغط بالفعل على الحساب الجاري المصري، متوقعًا ارتفاع التضخم إلى 16.7% في النصف الثاني من 2026، بما يضع مصر أمام ضغط مزدوج من تراجع إيرادات القناة وارتفاع تكلفة الواردات.

المشهد القاتم يمتد إلى شبكة اللوجستيات الإقليمية؛ إذ يشكّل تعطل خط "شرق-غرب" السعودي ضربة مباشرة لمرونة سلاسل الإمداد، ويُفقد منظومة "سوميد" المصرية قدرتها التشغيلية التكاملية المرتبطة بميناء ينبع، ما يربك حركة نقل النفط والمنتجات المكررة. 

هذا الارتباك لا شك ينعكس على الاقتصاد المصري عبر تراجع إيرادات رسوم العبور السيادية بالعملة الصعبة، وانخفاض عوائد الخدمات المينائية والتخزين في العين السخنة وسيدي كرير. إلى جانب ذلك، تجد القاهرة نفسها مضطرةً لتحمّل أعباء مالية إضافية باهظة نتيجة البحث عن بدائل للطاقة بكلفة شحن وتأمين أعلى، ما يضع السيولة الدولارية تحت ضغط فوري.