تصوير هشام عبد الحميد، المنصة
سفير إيران في القاهرة مجتبى فردوسي بور، 8 يوليو 2026

حوار| "سفير" إيران بالقاهرة: لدينا سلاح أقوى من "النووي".. ولم تكن هناك أبدًا هدنة

قطار العلاقات مع مصر على مساره الصحيح.. ولبنان خط أحمر

منشور الخميس 9 تموز/يوليو 2026

في شارع رفاعة بحي الدقي في الجيزة، خلف بوابة متواضعة، وعلى بعد دقائق معدودة من نهر النيل، تقع سفارة إيران، التي تشبه في الأيام العادية الفيلات والمباني القديمة الصامدة وسط العمارات الشاهقة في الحي المكتظ. لكن لم يكن هذا اليوم كغيره من الأيام.

ففجر أمس الأربعاء 8 يوليو/تموز، استهدفت غارات أمريكية أكثر من ثمانين هدفًا جنوب إيران، لتكسر وقفًا هشًا لإطلاق النار. وبعد ساعات قليلة، أعلن الحرس الثوري قصف مواقع عسكرية أمريكية داخل البحرين والكويت، لتنطلق صافرات الإنذار في كلا البلدين للمرة الأولى منذ الإعلان المزعوم عن انتهاء الحرب.

تزامن التصعيد مع أسبوع وداع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي؛ فعلى بُعد 900 كيلومتر، وتحديدًا في مدينة النجف الأشرف بالعراق، كان نعشه يتجه نحو مرقد الإمام علي، في محطة جديدة من مشهد تشييع مهيب استمر ستة أيام كاملة، مرّ خلالها عبر خمس مدن إيرانية وعراقية، سيصل في نهايتها إلى مسقط رأسه بمدينة مشهد.

حين وصلنا السفارة للقاء السفير مجتبى فردوسي بور، رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر، لم يكن لأي من المشهدين حضور يُذكر: فلا شاشات تبث التغطية الحية للجنازة التي حضرها مئات الآلاف من العراقيين، ولا أحد يتابع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف دق طبول الحرب من جديد.

فريق المنصة يجهز موقع تصوير الحوار مع رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة مجتبى فردوسي، السفارة الإيرانية بالقاهرة، ، 8 يوليو 2026

لم تكن هدنة

ومع ذلك، لا يعتقد السفير فردوسي بور أن هناك هدنة انتهت، "أود التأكيد سريعًا على أننا لم نلمس هدنة حقيقية منذ البداية؛ فما جرى كان يُسمى 'تفاهمًا مشتركًا' جرى توقيعه بين الرئيس الأمريكي ترامب والإيراني مسعود بزشكيان".

ويضيف "ومع ذلك، لم نشهد أي تطبيق عملي لمخرجات هذا التفاهم، الذي كان من المفترض بموجبه رفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، تزامنًا مع وقف إطلاق النار في لبنان وانسحاب الكيان الإسرائيلي. لكن للأسف الشديد، ما زلنا نشهد استمرارًا للاستهدافات والاعتداءات الإسرائيلية على الجمهورية اللبنانية".

هكذا بدأ حديثنا مع فردوسي بور الذي استقبلنا بهدوء دبلوماسي مخضرم، ليدور بيننا حوار رُتِّب في البداية ليكون بمثابة كشف حساب للمرحلة التي وصلت إليها الحرب، لكنه تحوّل بين عشية وضحاها إلى مواجهة مع واقع أكثر إلحاحًا وخطورة.

يهتم فردوسي بور بتأكيد خرق الجانب الأمريكي للاتفاقات؛ "تعرّض التفاهم المشترك بين إيران والولايات المتحدة لخروقات وانتهاكات منذ بدايته، ومن أبرزها ما حدث في مضيق هرمز. ينص التفاهم على إدارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لترتيبات وضع ما بعد الحرب في المضيق، وهو ما حظي بموافقة وتوقيع ترامب وإدارته والبيت الأبيض آنذاك، لكننا فوجئنا منذ توقيع الاتفاق بضغوط ومخالفات تهدف إلى استحداث ممر بديل جنوب المضيق، خارج إطار ما تم الاتفاق عليه، والهدف الأساسي منه تسهيل حركة السفن الحربية وحاملات الطائرات الأمريكية".

وصل فردوسي بور إلى القاهرة قبل عام تقريبًا في وقت كانت العلاقات المصرية الإيرانية تتجاوز بالكاد مرحلة التقارب الحذر، بعد أن لعبت مصر دورًا كبيرًا في محاولة نزع فتيل الأزمة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإن كان ذلك لم يمنع الحرب.

واتفقت القاهرة وطهران عام 1991 على استئناف علاقتاهما التي انقطعت في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، ولكن دون تبادل سفراء أو فتح سفارات كاملة الصلاحية. واتفق الطرفان على تبادل التمثيل الدبلوماسي تحت مسمى "مكتب رعاية المصالح"، ولذلك يحمل فردوسي بور لقب رئيس بعثة رعاية المصالح الإيرانية في مصر، رغم أنه بدرجة سفير في الخارجية الإيرانية.

استهداف الخليج

حتى هذا الأسبوع، كانت الأضرار الجانبية للحرب على منطقة الخليج آخذة في التراجع، وإن رافق هذا التراجع قلق مكتوم في عواصم نأت بنفسها عن الصراع الدائر بين واشنطن وطهران، وأمضت الأشهر الأخيرة في البحث عن بديل للاعتماد الخليجي المفرط على الضمانات الأمنية الأمريكية، بعدما اختبرت تبعات ذلك الاعتماد.

غير أن توجيه ضربات عسكرية إلى أراضٍ بحرينية وكويتية، أيًا كانت أسبابه العسكرية، قد يمنح العواصم الخليجية مبررًا أقوى للتمسك بالمظلة الأمنية الأمريكية. ويبقى السؤال قائمًا عمّا تنتظره طهران من دول أمضت شهورًا تحت الحصار وفي مرمى النيران.

لا دليل يربط بين التصعيد الجاري وانعقاد اجتماع حلف الناتو في أنقرة

"نتوقع من دول مجلس التعاون الخليجي اتخاذ قرارات سريعة ودون إضاعة للوقت، لضمان عدم استخدام أراضيها كقواعد عسكرية للولايات المتحدة أو إسرائيل. للأسف الشديد، القيادة المركزية الأمريكية/CENTCOM لا تزال موجودة، وهي تمثل غرفة العمليات المشتركة التي ستُستهدف إيران منها. ومن أي موقع توجد فيه هذه القيادة في تلك الدول، سينطلق الاستهداف؛ لذا نؤكد أن قواعد الولايات المتحدة وإسرائيل، ومقار CENTCOM، لا تزال قائمة هناك".

اللافت أن الدبلوماسي المخضرم، الذي يرتدي ساعته للداخل في عادة يتبعها العسكريون، لا يكتفي بالحديث عن أهمية تخلُّص الخليج من القواعد الأمريكية، بل يتطرق بحماس إلى فكرة بناء علاقات خليجية إيرانية قائمة على الشراكة لا التوجس، كبديل للمعادلة الأمريكية.

"تم التوصل إلى تفاهمات على هامش الاتفاق الذي جرى مع الولايات المتحدة؛ حيث اتفقنا مع دول مجلس التعاون على عقد اجتماع يضم دول المجلس بالإضافة إلى جمهورية العراق، على مستوى القادة أو وزراء الخارجية. وكان من المتوقع عقد هذا الاجتماع خلال الأيام العشرة المقبلة على الرغم من التصعيد الراهن".

ويكشف السفير أن ثمة توافقًا على هذا الاجتماع بين إيران ودول الخليج، وأنه كان من المقرّر عقدُه في الرياض لمناقشة المحاور الأساسية والأمنية والاقتصادية والسياسية؛ "أعتقد أن هذا الملف لا يزال مطروحًا على الطاولة، وستشهد هذه الاجتماعات طرح مبادرات تهدف إلى صياغة إدارة أمنية مشتركة بين كافة دول الإقليم، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية المشتركة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي".

سلام صُنع في سويسرا ويُختبر في أنقرة

لم يأتِ التصعيد الأخير من فراغ؛ فقد استهدفت القوات الإيرانية ثلاث سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز خلال اليومين الماضيين؛ ناقلة غاز مسال ترفع علم قطر، وناقلة نفط خام ترفع علم السعودية، وسفينة ثالثة، في أشدِّ خرقٍ لترتيبات تراوحت منذ أبريل/نيسان بين الإغلاق التام للمضيق وإعادة فتحه الجزئي على مضض.

أثناء إجراء المنصة حوارها مع رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة مجتبى فردوسي بور في مقر السفارة الإيرانية بالقاهرة، 8 يوليو 2026

وجاء الرد العسكري الأمريكي عنيفًا، كما ألغت واشنطن في الوقت نفسه الإعفاء من العقوبات المفروضة على النفط الإيراني، والذي كانت منحته لطهران قبل أقل من ثلاثة أسابيع بموجب مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران. ووصف كبير المفاوضين الإيرانيين هذا التراجع بأنه "انتهاك صارخ" للاتفاق، في وقت لم تسفر فيه المحادثات غير المباشرة في الدوحة الأسبوع الماضي عن نتائج تُذكر.

ومع ذلك فإن ما يمنح هذه الجولة طابعًا مختلفًا هو التوقيت؛ فقد صدرت الأوامر بالضربات بينما كان ترامب في أنقرة لحضور قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي القمة التي شهدت على هامشها اجتماعًا لوزراء خارجية الحلف مع نظرائهم الخليجيين لبحث عدم الاستقرار في مضيق هرمز.

ولا يعتبر فردوسي بور أن ما حدث كان بتنسيق بين واشنطن وحلفائها في الناتو أو الخليج؛ "أولًا، ليس هناك أي دليل يربط بين التصعيد الجاري وانعقاد اجتماع حلف الناتو في أنقرة، أو يثبت أن هذا التصعيد جاء من أجل ذلك الاجتماع. ثانيًا، الدليل على عدم رغبتنا في التصعيد هو أننا لا نزال في أسبوع الحداد ومراسم تشييع الجثمان الطاهر للمرشد الأعلى، حيث من المقرر أن يعود الجثمان إلى عائلته وإلى إيران، وسط أجواء محفوفة بالمخاطر أصبحت واضحة للجميع. ثالثًا، أود التأكيد على أننا اتفقنا مع الجانب الأمريكي في الاجتماع الأخير الذي عُقد بالدوحة -قبيل مقتل المرشد الأعلى- على ملفين أساسيين كانا مطروحين على الطاولة: الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة، ولبنان".

"واتفقنا بوساطة قطرية على بدء حوار جديد مع الولايات المتحدة بعد انتهاء أسبوع الحداد في إيران. ويوصف هذا الحوار المرتقب بـ'الحوار الفني' كونه سيناقش القضايا التقنية والتفاصيل. وبناءً على ذلك، لماذا تُقدم إيران على التصعيد بعدما وافقت على هذا المسار؟ إن القول بالتصعيد يعني نقضًا لما تم التوصل إليه في الدوحة، وهو أمر غير صحيح بالمرة".

وطالب الدبلوماسي الإيراني الجانب الأمريكي بالالتزام "بكافة البنود الـ14 التي تفاهمنا بشأنها ووقعنا عليها في الاتفاق المشترك، وندعو إلى الإبقاء على هذا التفاهم ساريًا ومُفعلًا بيننا وبين واشنطن، ليكون هو الفيصل والحَكَم في علاقاتنا الثنائية. وهذا التفاهم يمنح إيران الحق -بموجب البند الخامس منه- في تأمين وضمان ممر آمن ودرء أي مخاطر قد تشهدها المنطقة".

التشييع المليوني لجثمان المرشد الأعلى هو سلاحنا النووي الحقيقي

وسط هذه الأجواء لا يعتقد السفير فردوسي بور أن أزمة المضيق أصبحت عقدة دون حل، أو ورقة ضغط على إيران تجعلها تقدم تنازلات في ملفات أخري، فحين سألناه ما إذا كان تصاعد الأزمة في ملف مضيق هرمز قد جعل إيران أقل تشددًا في الملف النووي، نفى تمامًا أن تكون أزمة المضيق أداة اختارتها طهران أصلًا، معتبرًا أنها نتاج مباشر للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ومستشهدًا بأن طهران، على حد قوله، لم تُقدم على إغلاق المضيق حتى خلال حرب الاثني عشر يومًا التي سبقت هذه الحرب.

أما على صعيد الملف النووي، فيستند السفير إلى فتوى دينية يؤكد أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي "لا يزال متمسكًا بها" كما والده من قبله، وتقضي الفتوى بتحريم امتلاك السلاح النووي شرعًا لأنه سلاح يقتل الأبرياء، مع تأكيده على حق طهران، بصفتها عضوًا في معاهدة حظر الانتشار النووي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، في الاستفادة من التقنية النووية السلمية في مجالات الكهرباء والطب والزراعة وغيرها. ويرى فردوسي بور أن ما تسعى إليه واشنطن ليس نزع السلاح النووي، بل السيطرة على حقول النفط والغاز الإيرانية، مشبّهًا هذا المسار بما جرى مع فنزويلا. ولكنه يؤكد امتلاك بلاده لما يعتبره بديلًا عن الردع النووي.

"نمتلك ما هو أقوى من السلاح النووي؛ فالتشييع المليوني لجثمان المرشد الأعلى هو سلاحنا النووي الحقيقي. إن الاحتشاد الشعبي للملايين في الشوارع، في الصيف، لستة أيام، وليس في إيران فحسب بل في جمهورية العراق أيضًا؛ هو خير دليل على التأييد المطلق للنظام وقيادته. أعتقد أن خروج نحو عشرين مليون شخص إلى الميادين يمثل قوة جبارة تفوق بكثير القدرة والطاقة النووية".

الزميلان دينا سمك ومحمد خيال يحاوران السفير الإيراني فردوسي بور، مقر السفارة الإيرانية بالقاهرة. 8 يوليو 2026

هنا القاهرة

إذا كانت أنقرة ألقت بظلالها على قرار واشنطن، فإن للقاهرة حكايتها الموازية عن كيفية إعادة رسم هذه الحرب لموازين العلاقات الإقليمية. فعلى مدى نصف القرن الماضي، طبَّع الجفاء العلاقات المصرية الإيرانية بشكل كبير، فقُطعت الروابط الدبلوماسية منذ الثورة الإيرانية بعد أن احتضنت مصر السادات الشاه المطرود. كما نظرت طهران إلى معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل كنوع من الانتكاسة، واقتصر التواصل بين أكبر دولتين في المنطقة من حيث عدد السكان والمكانة التاريخية، طوال عقود، على مكاتب رعاية المصالح والقنوات الخلفية.

لكنَّ هذا الجليد بدأ في الذوبان قبل الحرب، التي تحمّلت فيها مصر كلفة فعلية، بسبب ارتفاع أسعار النفط وانخفاض إيرادات قناة السويس، مما شكَّل ضغطًا إضافيًا على اقتصاد يفتقر إلى هوامش المناورة. وفي الوقت نفسه، واجهت القاهرة عتابًا مكتومًا من حلفائها الخليجيين، الذين رأوا في حذرها تجاه طهران موقفًا يفتقر إلى التضامن الكافي معهم، وهو عتاب دفع مصر، مع الوقت، نحو إظهار تضامن أكبر مع دول الخليج، وصل حد إرسال قوات مصرية رمزية إلى بعض دول الخليج، في إعلان واضح أن أمن الخليج من أمن مصر.

"إذا لم يكن هناك ضرر يمسّ الأمن الإقليمي، فإن الأمر لا يبدو سلبيًا بل هو إيجابي. نحن ندعم تمامًا مفهوم الأمن الإقليمي أو الأمن الجماعي. وأتصور أن مصر تدير هذا الملف بحكمة بالغة، وتبذل قصارى جهدها لخفض التصعيد على مستوى المنطقة، ولها جهود طيبة وملموسة في هذا المجال".

ويضيف السفير "أما فيما يتعلق بالعلاقات المصرية الإماراتية، فمن حق الدولتين تعزيز وتطوير علاقاتهما الثنائية، طالما أن ذلك لا ينعكس سلبًا على الأمن الإقليمي. من حق دول المنطقة مساندة بعضها بعضًا في إطار رؤية تؤسس للأمن الجماعي. ونتمنى من كافة الدول الإقليمية أن تساند وتساهم في تعزيز هذه الفكرة، وصولًا إلى تقوية الشراكات والتعاون الاقتصادي والأمني والسياسي المشترك بين إيران وبقية دول المنطقة".

لبنان خط أحمر لا نتجاوزه في أي اتفاق أو تفاهم مع الولايات المتحدة

منذ بداية الحرب، لم تنقطع خطوط الاتصال بين القاهرة وطهران. دمجت مصر هذا التحرك في آلية أوسع، تمثلت في جهد رباعي يضم باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية، أُطلق في الرياض وعُقد لاحقًا في إسلام آباد وأنطاليا. وتأمل الدول الأربع الآن في تطويره إلى هيكل أمني إقليمي دائم لا يعتمد على الولايات المتحدة عند اندلاع أي أزمة مماثلة في المستقبل. وتبقى نظرة طهران إلى هذه التحالفات الوليدة، وما إذا كانت تراها شراكة حقيقية أم إطارًا سينحاز في النهاية لمصالح الخليج وواشنطن، سؤال معلق حتى الآن.

ويؤكد فردوسي بور أن مصر بذلت قصارى جهدها للحيلولة دون حدوث أي تصعيد، ومنع اندلاع حرب ضد إيران، ولها مساعٍ طيبة ومقدرة في هذا المجال. "ورغم ما شهدته التطورات من مسارات أخرى -كما جرى في حربي الـ 12 يومًا والـ 40 يومًا- فإنني أود التأكيد على أننا بذلنا جهودًا حثيثة لإزالة كافة المعوقات في مسار العلاقات الثنائية مع القاهرة، ونجحنا في تحقيق ذلك. والأهم.. هو أننا ومصر حرصنا على وضع قطار العلاقات الثنائية على السكة الحديدية في المسار الصحيح. نحن لا ننشد السرعة ولا التباطؤ، بل يهمنا أن يتحرك هذا القطار بهدوء وثبات نحو وجهة صحيحة. هذا هو المفهوم السائد والواضح اليوم بين إيران وجمهورية مصر العربية".

لبنان وأوراق الضغط الإيرانية

وفي مقابل هذا الانفتاح الإقليمي الذي تقوده القاهرة، يبقى الملف اللبناني أصعب اختبار لحدود الدبلوماسية الإيرانية.

يخرج حزب الله من تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة ثم على إيران في أضعف موقف له منذ جيل كامل، وجاء الحراك الدبلوماسي في الأسابيع الماضية ليوثق هذه الأزمة صراحةً. ففي 26 يونيو، وقّعت إسرائيل والحكومة اللبنانية في واشنطن اتفاقًا إطاريًا برعاية أمريكية في أول تفاوض مباشر بين الجانبين منذ عام 1983، يترتب بموجبه على بيروت مسؤولية نزع سلاح الحزب مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، وتمنح فيه الحكومة اللبنانية مشروعيةً للهجمات الإسرائيلية التي تستهدف الحزب، الذي سارع أمينه العام نعيم قاسم إلى رفض الاتفاق بعد ساعات من إعلانه، واصفًا إياه بالاستسلام لا السلام.

ولم تقف طهران مكتوفة الأيدي؛ فقبل ساعات من إجراء هذه المقابلة، صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال لقائه وفدًا لبنانيًا زار طهران للمشاركة في مراسم التشييع، بوضوح أن إيران لن تستأنف المفاوضات مع واشنطن ما لم تتوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، ولن توقّع على أي اتفاق نهائي دون انسحاب إسرائيلي كامل. ويمثل هذا الموقف رسالة إيرانية واضحة لواشنطن بأن الملف اللبناني ليس قضية ثانوية يمكن إدارتها عبر مسار منفصل يستثني إيران، بل هو شرط أساسي للتوصل إلى أي تسوية. ويبقى السؤال عما إذا كان هذا الموقف يمثل سقفًا تفاوضيًا أم خطًا أحمر حقيقيًا.

"هذا جزء من العقيدة؛ عقيدة المرشد الأعلى الراحل تقوم على نصرة المقاومة. ينص الدستور الإيراني على الدفاع عن المستضعفين في العالم كله، وليس المسلمين فقط. نحن ندافع عن المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها فلسطين، ولذلك ندعم المقاومة الفلسطينية أولًا، ثم لبنان. لبنان خط أحمر بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا نتجاوز هذه الخطوط الحمراء في أي تفاهم أو اتفاق مع الولايات المتحدة".

مراسم جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في طهران، 4 يوليو 2026

أين المرشد؟

خلف هذه التطورات يبرز سؤال أكثر غموضًا: من يمسك بزمام القرار الفعلي في طهران؟

عُيّن مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى للثورة بعد أيام قليلة من ضربة فبراير/شباط التي أودت بحياة والده ووالدته وشقيقته وصهره وابنة شقيقته البالغة من العمر 14 شهرًا، وجاء ذلك وسط تقارير تفيد باعتراض البيت الأبيض والرئيس الأمريكي الذي أبدى رغبته في التدخل في اختيار خليفة المرشد.

ومنذ ذلك الحين، لم يظهر المرشد الجديد علنًا ولو لمرة واحدة، ولم تُنشر له أي صورة، ولم يُسمع صوته إلا عبر بيانات يتلوها مذيعو التليفزيون الرسمي. واليوم ومع عودة شبح الحرب مرة أخرى فإن سؤال من يملك القرار الإيراني فعليًا، في مواجهة رئيس أمريكي يتوعد علنًا بـ"إنهاء المهمة"، لم يعد تفصيلًا هامشيًا. فمجتبي خامنئي يتعامل مع التفاوض مع الولايات المتحدة بوصفه خيارًا مشروطًا لا مبدأيًا؛ وتشير التقارير إلى أنه تبنّى "رأيًا آخر" بشأن الاتفاق، لكنه سمح بالمضي فيه بعد تعهدات داخلية بتحمل المسؤولية.

"المرشد موجود. كان موجودًا في مراسم تشييع الجثمان في العاصمة، ونُشرت صور للمرشد الجديد أثناء حضوره وتواجده في مراسم توديع والده. لكن هناك إعلانات من الكيان الإسرائيلي، وترامب صرّح أيضًا، بأنهم قادرون على استهداف إيران خلال أيام تشييع جثمان المرشد الأعلى. كما قال وزير الحرب الإسرائيلي (يسرائيل كاتس) إنهم وضعوا علامة على المرشد الجديد وسيستهدفونه خلال الأيام القادمة. لذلك، لماذا يخرج في إطار لا يضمن سلامته؟"

وكانت وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة، قالت إن الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة للمرشد الجديد غير موثوقة. من جانبنا، أبدينا دهشتنا من تصريحات فردوسي بور، خاصة وأن مجتبي ظل متواريًا عن الأنظار في الجنازة، التي ظهر فيها ثلاثة من أخوته. فعاد السفير الايراني ليؤكد "مَن ظهروا هم أشقاء المرشد، وهذا صحيح، لكن وجوده كان في مكان خاص. يمكن أن نرسل لكم ما يثبت ذلك. كل إخوانه وكل أبناء المرشد الأعلى الراحل كانوا موجودين، حتى في الصلاة".

يتابع "لكن سماحة المرشد، حسب المتطلبات الأمنية، لم يكن خروجه إلى العلن قرارًا شخصيًا. الجهات الأمنية منعته. كان موجودًا في مكان خاص يوم الوداع، وهناك صور وفيلم من بعيد. كما أن مدير المراسم أعلن أمام الناس أن سماحة المرشد الأعلى موجود في المنصة فوق سطح المصلى، وأشار إلى المكان وقال إنه حاضر".

إيران من الداخل

متظاهِرة متضامنة مع النساء الإيرانيات خلال مظاهرة في ملبورن، 26 سبتمبر 2022

لفهم تداعيات هذه الحرب على إيران، ينبغي استحضار المشهد الداخلي في الأسابيع التي سبقت اندلاعها؛ فبحلول أواخر ديسمبر/كانون الأول، اتسعت رقعة الاحتجاجات من سوق طهران الكبير، حيث أغلق التجار محالهم احتجاجًا على انهيار الريال وتجاوز التضخم حاجز الـ50%، لتشمل إحدى وثلاثين محافظة.

ولا تزال حصيلة ضحايا تلك الحملة الأمنية موضع خلاف؛ إذ تشير التقديرات إلى أن عدد القتلى تجاوز ثلاثة آلاف. وتحدث خامنئي نفسه بصراحة نادرة في يناير/كانون الثاني، عن سقوط عدة آلاف من الضحايا بسبب أعمال الشغب والتدخل الخارجي، لا قوات الأمن.

ومن هنا، فإن الحرب عندما اندلعت في أواخر فبراير، داهمت نظامًا قضى الشهرين السابقين في إخماد ما بدا بوادر انتفاضة ضده؛ وهذا السياق الاقتصادي لم يختفِ بمجرد تصدر أزمة أخرى للمشهد.

"أريدكم أن تنظروا مرة أخرى إلى ما حصل في التشييع داخل إيران وخارجها. حضور الشعب الإيراني كان بالملايين. أقول إن 20 مليونًا كانوا في الشوارع في الصيف. هذا أكبر استفتاء في تاريخ العالم… المجتمع المدني الإيراني راقٍ ومتعلم. الإصلاحيون موجودون، والأصوليون موجودون، والمحافظون موجودون، وكل التيارات تُطرح على الشعب الإيراني، والشعب يختار. الحضور بالملايين في التشييع كان استفتاء رفيع المستوى، وغيّر نظرة العالم إلى المجتمع الإيراني والبلد الإيراني".

كان من المفترض أن يرتكز الحوار بأكمله على رقم واحد: ستون يومًا، وهي المهلة التي منحتها طهران وواشنطن لنفسيهما في سويسرا لتحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق دائم. بدأت المهلة في الأسبوع الأخير من يونيو، وكان من المفترض أن تنتهي، لو لم يعترضها شيء، في منتصف أغسطس/آب. لكن الواقع اختلف ولا يمكن لأي طرف في القاهرة أو طهران أو واشنطن التكهن اليوم بما إذا كان هذا التطور يمثل تراجعًا مؤقتًا سيعقبه احتواء للأزمة، على غرار أزمات سابقة، أم أنه اللحظة التي تفقد فيها مهلة الستين يومًا قيمتها.


(*) أعد الحوار للنشر الزميل ساهر أحمد