انطلق في العاصمة الإيرانية طهران، صباح اليوم الاثنين، موكب تشييع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، في ذروة مراسم الوداع التي بدأت السبت الماضي، وسط حشود متفاوتة التقديرات تصل بعضها للملايين، ومطالبات بالثأر من الولايات المتحدة التي اغتالته في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير/شباط الماضي.
وتقدم نعش خامنئي، الملفوف بالعلم الإيراني، نعوش أربعة من أفراد أسرته قُتلوا معه في الضربات، على متن شاحنة جابت شوارع العاصمة ببطء، وسط إجراءات أمنية وتنظيمية واسعة شملت إغلاق عدد من الطرق والمجال الجوي، وإعلان عطلة رسمية تستمر حتى انتهاء مراسم التشييع.
وقال قائد الحرس الثوري في طهران، حسن زاده، إن الموكب يستغرق ما بين 10 و12 ساعة، قبل وصول الجثمان إلى مطار مهرآباد، تمهيدًا لنقله إلى مدينة قم لاستكمال مراسم التشييع.
وسلك الموكب مسارًا يمتد لنحو عشرة كيلومترات، مرورًا بشارع انقلاب وساحة آزادي، فيما أظهرت صور بثها التليفزيون الإيراني ووكالات الأنباء المحلية والدولية حشودًا غطت الطرق الرئيسية، رافعة الأعلام الإيرانية وصور خامنئي، إلى جانب لافتات حملت شعارات مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل.
وخلال الموكب، حمل عدد من المشاركين لافتات حمراء دعت إلى الثأر لمقتل خامنئي، فيما أظهرت مقاطع مصورة متظاهرين يرشقون بالحجارة لوحة دعائية تحمل صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كُتب عليها "الولايات المتحدة قتلت أبانا... لن ندعكم تفلتون".
وبينما أضرم المتظاهرون النار في أعلام الولايات المتحدة وبريطانيا، رفعت نساء يرتدين عباءات سوداء لافتات حمراء كُتب عليها باللغة الإنجليزية "اقتلوا ترامب" بأحرف سوداء.
ورفع آخرون لافتات تحمل صور ترامب، ونائبه جيه دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقد صُوّر كل منهم داخل منظار بندقية، مع عبارة "سيُراق الدم".
ودوّت هتافات المشيعين بالانتقام، وهيمنت على الحشود الأعلام الإيرانية وأعلام حمراء تحمل شعار "يا لِثارات الحُسين" في دعوة للثأر مأخوذة من التاريخ الإسلامي بعد مقتل الإمام الحسين حفيد النبي محمد في معركة كربلاء.
وفيما قدرت وكالة رويترز عدد المشاركين بعشرات الآلاف، قالت سكاي نيوز عربية الصادرة عن شراكة إماراتية بريطانية إن أعداد المشاركين كانت بالمئات، بينما تقدر السلطات الإيرانية عدد المشاركين بالملايين؛ بما يتراوح بين 15 و20 مليون شخص داخل طهران وحدها التي يبلغ عدد سكانها قرابة 30 مليون.
وتأتي مراسم اليوم بعد يومين من بدء الوداع الشعبي الذي استقبل خلاله مصلى الإمام الخميني في طهران مئات الآلاف من المعزين، إضافة إلى وفود رسمية من عشرات الدول، من بينها وفد مصري برئاسة رئيس مجلس الشيوخ المستشار عصام فريد، في مشاركة تُعد مؤشرًا على استمرار مسار التقارب بين القاهرة وطهران.
وتسعى السلطات الإيرانية إلى تحويل مراسم التشييع، الممتدة حتى التاسع من يوليو/تموز الجاري، إلى استعراض للوحدة الداخلية واستمرارية مؤسسات الدولة، بعد أشهر من الحرب التي انتهت بوقف مؤقت لإطلاق النار واستئناف مسار المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة.
وبعد انتهاء الموكب في طهران، يُنقل الجثمان إلى مدينة قم، حيث تقام مراسم دينية غدًا الثلاثاء، قبل انتقاله إلى مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين الأربعاء، ثم يعود إلى إيران ليدفن في مدينة مشهد، مسقط رأس خامنئي، داخل مرقد الإمام علي الرضا.
ويمثل هذا المسار، الذي يمتد بين إيران والعراق، محاولة لإبراز الامتداد الديني والإقليمي للجمهورية الإسلامية، وربط تشييع المرشد الراحل بالمراكز الدينية الشيعية الأبرز في المنطقة.
وتزامنت مراسم التشييع مع تصعيد جديد في الخطاب الإسرائيلي تجاه إيران؛ إذ قال وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، اليوم الاثنين، إن "أي قائد إيراني يحاول المضي في خطط تهدف إلى تدمير إسرائيل سيتم إحباطه"، معتبرًا أن إسرائيل "قضت على خامنئي" لأنه قاد، بحسب وصفه، خطة تستهدف إسرائيل من داخل إيران وعبر حلفائها في المنطقة.
وأضاف كاتس أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة "أزالت التهديدات الوجودية المباشرة" التي كانت تواجه إسرائيل، وألحقت أضرارًا كبيرة بالقدرات الاستراتيجية الإيرانية.
وتعكس تصريحات كاتس استمرار التوتر والتهديدات رغم توقف العمليات العسكرية، في وقت تحرص الولايات المتحدة على إبرام اتفاق "شامل" مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي ويحقق لواشنطن خروجًا آمنًا من حرب استنزفتها لنحو ثلاثة أشهر.