بدأت السلطات الإيرانية، فجر السبت، مراسم الوداع الشعبي للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي في العاصمة طهران، بعد أكثر من أربعة أشهر على اغتياله في ضربة أمريكية إسرائيلية خلال اليوم الأول من الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، في مراسم تمتد لعدة أيام.
وافتتح مصلى الإمام الخميني أبوابه منذ السادسة صباحًا أمام عشرات الآلاف من الإيرانيين الذين بدأوا التوافد منذ مساء الجمعة، بعد نقل جثمان خامنئي وأربعة من أفراد أسرته إلى المصلى، حيث تقام مراسم الوداع الشعبي التي تسبق التشييع الرسمي المقرر الاثنين المقبل في شوارع العاصمة.
ووفق تقارير إعلامية إيرانية وأجنبية، امتلأت الساحات والطرق المحيطة بالمصلى بالحشود، وسط أجواء غلب عليها الحزن والهتافات والدعوات إلى "الانتقام"، فيما دفعت السلطات بإجراءات تنظيمية واسعة لتفادي التدافع، تضمنت تحديد مسارات الحركة، وحث المشاركين على عدم التوقف أمام منصة الجثمان لإتاحة الفرصة لأكبر عدد من المعزين.
تشييع يمتد إلى العراق
وتستمر مراسم تشييع خامنئي حتى التاسع من يوليو/تموز الجاري، في جدول غير مسبوق يمتد عبر مدن إيرانية وعراقية.
ومن المقرر أن تُقام صلاة الجنازة الأحد، قبل انطلاق الموكب الرئيسي في طهران الاثنين على مسافة تقارب عشرة كيلومترات بين ساحة الإمام الحسين وساحة آزادي، ثم يُنقل الجثمان إلى مدينة قم، ومنها إلى النجف وكربلاء في العراق لإقامة مراسم دينية، قبل إعادته إلى مدينة مشهد في التاسع من يوليو، حيث سيدفن في مرقد الإمام الرضا، مسقط رأسه وأحد أهم المزارات الشيعية.
وتنظر السلطات الإيرانية إلى هذا المسار باعتباره مناسبة لإبراز البعد الديني والإقليمي للنظام، وإظهار امتداد نفوذه خارج الحدود الإيرانية.
ولم تقتصر مراسم الوداع على طابعها الديني والشعبي، بل حملت رسائل سياسية واضحة، إذ استقبلت طهران، الجمعة، وفودًا رسمية من عشرات الدول لتقديم العزاء، في حضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب عدد من كبار القادة العسكريين الذين غابوا عن الظهور العلني منذ اندلاع الحرب.
وفود أجنبية ومشاركة مصرية
وشهدت مراسم العزاء أمس، التي سبقت الوداع الشعبي، مشاركة وفود رسمية من عشرات الدول، كان أبرزها الحضور المصري بوفد رأسه رئيس مجلس الشيوخ المستشار عصام فريد، الذي ظهر في مقطع فيديو وثّقته قناة الميادين.
وتحمل المشاركة المصرية دلالة دبلوماسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تأتي في ظل مسار التقارب بين القاهرة وطهران بعد سنوات طويلة من القطيعة، وفي وقت لعبت فيه مصر دورًا في الاتصالات الإقليمية التي سبقت وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة.
وكان البَلدان قطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، قبل أن تُستأنف من جديد بعد ذلك بـ11 عامًا، لكن على مستوى القائم بالأعمال ومكاتب المصالح، وشهدت الفترة الأخيرة تحركات إيرانية من أجل تطبيع العلاقات، وتعززت الاتصالات في ظل الحرب الأخيرة على غزة.
وشارك في العزاء وفد باكستان برئاسة رئيس الوزراء شهباز شريف، الذي ضم أيضًا قائد الجيش ووزيري الخارجية والداخلية، كما شاركت قطر بوفد ترأسه رئيس مجلس الشورى حسن بن عبد الله الغانم، إضافة إلى وفود من السعودية وسلطنة عمان والعراق ولبنان وأفغانستان والصين والهند وعدد من الدول الأخرى.
كما حضر ممثلون عن الحشد الشعبي العراقي، وحركة أمل وحزب الله اللبنانيين، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وجماعة الحوثيين اليمنية.
تحذيرات من غدر أمريكي
وبالتزامن مع انطلاق مراسم التشييع، أصدر الحرس الثوري الإيراني بيانًا حذر فيه "الأعداء" في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل من "ارتكاب أي خطأ" أو تنفيذ أي هجوم خلال أيام الجنازة، مؤكدًا أنه "سيواجه برد حاسم وأشد قوة من أي وقت مضى".
وأكد الحرس أن قواته، بالتنسيق مع بقية تشكيلات الجيش، في أعلى درجات الجاهزية، معتبرًا أن الاستعدادات العسكرية "ليست استعراضًا للقوة، بل تعبيرًا عن غضب شعب يسعى للرد على من يقف وراء اغتيال المرشد".
كما دعا قاليباف الإيرانيين إلى المشاركة بكثافة في مراسم التشييع، معتبرًا أن الحضور الشعبي سيكون "رسالة وحدة في مواجهة الضغوط الخارجية".
في المقابل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال خطاب ألقاه اليوم السبت، إن واشنطن منحت إيران "أسبوعًا لإتمام الجنازة" قبل استكمال مسار التفاوض، مضيفًا أن طهران "تتوق إلى التوصل لتسوية"، في إشارة إلى توقف المحادثات بسبب مراسم دفن خامنئي.
وعلّقت إيران المفاوضات مع أمريكا مؤقتًا من أجل جنازة خامنئي، وغادر الوفد الإيراني العاصمة القطرية الدوحة التي تشير إلى أن المحادثات الأخيرة بين الجانبين كانت "إيجابية" وأنها ستُستأنف بعد انتهاء مراسم التشييع.