تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
مخاوف من استحواذ الاستثمارات الأجنبية على الأصول العامة وسيطرتها على بعض أوجه النشاط الاقتصادي

سيادة الدولة ومصالح الشركة.. الاستثمار الأجنبي يواجه المعضلة الوطنية

منشور الأحد 30 آب/أغسطس 2026

أصبحت أغلبُ أخبارِ الاستثمار تأتي هذه الأيام محملةً برائحة السياسة، خاصة تلك المتعلقة بالاستحواذات الخليجية، وما تثيره من مخاوفَ هيمنةٍ قد تطال استقلال وسيادة القرار المصري، خاصةً مع الحساسية المتجذرة تاريخيًا لدى المصريين من نمط نقل ملكية الأصول الثابتة للأجانب، منذ التنازل عن أسهم قناة السويس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

لذلك لم يكن مستغربًا أن تعود المخاوفُ على السيادة إلى تعليقات المصريين على صفقات بيع آلاف الأفدنة للخليجيين أو منحهم امتيازات للمرافق العامة، أو حتى تيسير تمليك الأجانب للعقارات. وبدت تلك المخاوف في أوضح صورها في الجدل الذي ثار مؤخرًا حول تشديد شركة إعمار الإماراتية لشروط زيارة الشواطئ في منتجع مراسي، ثم تحوَّل إلى ترند استمرًّ أيامًا.

فهل علينا أن نقلق على استقلالنا الوطني ونحن في زمن تُبرم فيه الحكومة صفقات ضخمة مثل رأس الحكمة وعلم الروم للحفاظ على استقرار علاقاتها المالية بالعالم الخارجي؟

قلق تبرره النيوليبرالية

كانت إحدى صدمات ميلاد القومية المصرية الحديثة؛ شراءَ الحكومة البريطانية أسهم قناة السويس من خديو مصر المفلس إسماعيل باشا عام 1876، الأمر الذي مهَّد طريق الاحتلال البريطاني إلى مصر بعدها بست سنوات، ولأكثر من سبعين سنةً تالية. 

تركت هذه التجربة أثرها على النظام القانوني المصري بعد الاستقلال وإعلان الجمهورية؛ إذ استمرت التشريعات حتى عام 1996 تحظر تملّك الأجانب للعقارات. وحتى بعد فك هذا الحظر، ظل الأجانب ممنوعين من التملك في أماكن حدودية أو ذات حساسية خاصة، مثل شبه جزيرة سيناء.

لذلك، ومن الناحية النظرية، تدافع التشريعات المصرية، وأصول التشريعات الدولية منذ أفول القوى الاستعمارية القديمة بعد الحرب العالمية الثانية، عن سيادة البلاد على أصولها ومرافقها، وهو ما فتح الباب لموجات التأميم والمصادرة التي انتشرت في بلاد عدة خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

أكبر المخاطر لا يزال يكمن في تفاصيل جذب الاستثمارات ذات الطابع المالي والتنظيمي لا السيطرة على الأرض

لكن مع تمدد السياسات النيوليبرالية مطلع الثمانينيات، بدأ نفوذ الشركات الأجنبية يتنامى، وأصبحت الممارسات الفعلية على الأرض تتعارض مع روح التشريعات القائمة.

ربما أبرز مثال على هذا اتفاقيات الاستثمار الثنائية التي أُبرمت خلال هذه الحقبة، وكثيرًا ما اشتملت على بنود تقيد من حق الدول المضيفة للاستثمارات على استخدام سيادتها، وصولًا إلى تقييد إصدار تشريعات جديدة أو اللجوء إلى القضاء الوطني، واستبدال تلك الآليات بالتحكيم أو اللجوء إلى قضاء دولة ثالثة؛ كثيرًا ما تكون دولة المستثمر الفرد أو الشركة.

لذلك، يحق للناس، والمصريون ضمنهم، القلق من أي توسّع مرتقب في منح الأجانب حقَّ امتلاك الأصول، سواء كانت أراضيَ كحال مشروعات رأس الحكمة أو علم الروم، أو مبانيَ أو موانيَ ومرافقَ عامةً أخرى. فسيادة الدول مصونة نظريًا، أما عمليًا فاحتفاظ الدولة التي تستضيف الاستثمارات بسيادتها بات رهينةَ توازنات القوة مع المستثمر، وفي بعض الأحيان مع الدول التي تقف وراءه.

ويزداد القلق من قوة نفوذ الشركات أو صناديق الاستثمار إذا كانت مملوكة لدول أجنبية، كحال الصناديق السيادية أو الهيئات العامة وشركات القطاع العام، وهو الأمر على سبيل المثال مع الكثير من رؤوس الأموال الخليجية والصينية في مصر وغيرها من دول العالم.

ثقل يحفظ التوازن 

لكن رغم ذلك، فسيادة الدول لا تزال مستقرة في التعامل مع المستثمرين خاصة فيما يتعلق بملكية الأصول الثابتة الواقعة في أقاليمها الوطنية.

ربما تتقوض بعضُ تلك السيادة فيما تحمله شروط التعاقدات من تبعات مالية كالتعويضات والغرامات، أو حتى شروط إنفاذ قوانين تنظيمية في مجالات كالعمل والبيئة. إلا أننا لم نبلغ بعد درجة يتمكّن فيها المستثمر -مهما بلغ نفوذه أو نفوذ دولته- من تحويل ملكيته إلى ممارسة فعلية للسيادة على جزء من إقليم دولة أخرى.  

وفي هذا السياق تحضرنا قصة جيبوتي وشركة موانئ دبي العالمية عندما حصلت على امتياز تطوير مواني جيبوتي  لمدة 50 سنة عام 2005.

رغم أنها بلد صغير وفقير؛ تمكنّت جيبوتي من استغلال أهمية موقعها الاستراتيجي الفريد على مدخل البحر الأحمر، واستضافت قواعد عسكرية دائمة لبلدان كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وإيطاليا والصين.

لكنَّ جيبوتي تطلعت لتجاوز القواعد العسكرية وانتقلت إلى استغلال موقعها في تطوير ميناء بحري يقدم خدمات لوجستية ويحوز على حصة من المبادلات التجارية العالمية، وطرحت موانئ دبي نفسها كمطور قادر على إحداث هذه النقلة من خلال تشغيل ميناء دوراليه.

لكنَّ خلافًا وقع بين الجمهورية والشركة، بسبب إسناد بعض أعمال التطوير في مناطق محيطة بالميناء إلى شركة صينية، ما رأته موانئ دبي نقضًا لشروط تعاقدها مع الحكومة الجيبوتية. تفاقمت الأزمة بين الجانبين إلى أن ألغت جيبوتي الامتياز الممنوح لموانئ دبي من طرف واحد في 2018، ثم طردت الشركة من البلاد.

ربط محللون خطوة جيبوتي تجاه الشركة الإماراتية بتطورات إقليمية تمس توازنات القوى الهشة في القرن الإفريقي مع إرتيريا وأرض الصومال وإثيوبيا، فيما رأى آخرون المسألة امتدادًا لتنافس استراتيجي بين الإمارات ودول خليجية أخرى ذات ثقل.

لم ينتهِ الأمر سريعًا مع لجوء موانئ دبي إلى التحكيم الدولي، ونجحت بالفعل في استصدار حكم بالتعويض ضد حكومة جيبوتي، لكن جيبوتي في المقابل لم تعترف بالحكم، واعتبرت أن من صميم سيادتها إلغاء الامتياز المجحف من طرف واحد، ولا تزال الأزمة مستمرة  قضائيًا ودبلوماسيًا إلى يومنا هذا بين البلدين.

مع كامل الاحترام لجيبوتي بالطبع؛ فإن بلدًا مثل مصر يملك من أوراق الضغط والقوة ما هو أكثر، بحكم الموقع والمساحة وتعداد السكان والقوة العسكرية والوزن الاقتصادي. وإذا استطاعت جيبوتي استخدام شبكة حلفائها الإقليميين والدوليين للتحرك ضد ما رأته امتيازًا مجحفًا مع مستثمر أجنبي، فإن موارد مصر أكبر في هذا المجال.

بل ربما كان ميناء دوراليه ذاته مثالًا على الوزن الذي لا تزال مصر تتمتع به، كونها حصلت بالفعل على أعمال تطوير في الميناء ذاته في 2025، ما اعتبر خطوة في اتجاه كبح جماح طموحات إثيوبيا، ومن ورائها حلفاؤها، للوصول إلى شواطئ البحر الأحمر.

نخلص مما سبق إلى أن الاستثمار الأجنبي في الأصول الثابتة يحمل مخاطر ولا شك لكن لا ينبغي المبالغة في تصورها أو تصويرها كتهديد شامل وكلي للسيادة الوطنية على غرار ما وقع معنا من قبل في قناة السويس. بل إن أكبر المخاطر لا يزال يكمن في تفاصيل جذب الاستثمارات ذات الطابع المالي والتنظيمي لا السيطرة على أراضٍ تقع داخل إقليم الدولة، خاصة في مواجهة دول صغيرة في النظام الدولي لا تستطيع تغيير قواعده بإرادتها المنفردة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.