إسرائيل والأعراض الأبارتايدية
خلافًا لما يروّج جهلاء ومغرضون، فإن انتهاء الفصل العنصري/الأبارتايد في جنوب إفريقيا لم يكن بالكفاح السلمي وحده، إنما قرَن زعماء الحركة الإفريقية -ممثلةً بالأساس في حزب المؤتمر الإفريقي- العملَ السياسيَّ بالعمل المسلح والمقاومة غير المسلحة في صورة احتجاجات وإضرابات عمالية.
لقد تورطت جنوب إفريقيا في مواجهات عسكرية مستمرة من منتصف سبعينيات القرن الماضي حتى بداية التسعينيات. لم تهزم على أيِّ من الجبهات الكثيرة فيما عُرف بحرب الحدود (1966 - 1990)، لكنها لم تحسم أيها لصالحها. العجز عن ترجمة التفوق العسكري التقليدي وكذلك غير التقليدي (إذ كانت جنوب إفريقيا قوة عسكرية نووية وقتها) إلى انتصارات قاطعة تؤمن وجود نظام الفصل العنصري على المدى البعيد تسبب في الانسحاب من الكثير من الجبهات، والشروع في التفاوض مع المعارضة السوداء، ما أفضى إلى تفكيك الأبارتايد في منتصف التسعينيات.
معارك معلّقة
السؤال هنا هل يبدو على إسرائيل بعد ثلاث سنوات من المواجهات العسكرية المتعددة والممتدة على جبهات كثيرة أيُّ من ملامح نظام الفصل العنصري مع ارتفاع التكلفة البشرية والاقتصادية دون بوادر للحسم الذي اسماه نتنياهو في أعقاب أكتوبر 2023 النصر المطلق.
لا تزال حماس في غزة، التي رغم تدميرها بشكل منهجي لإفقادها مقومات الحياة، فإن خطط تهجير سكانها باءت بالفشل. لا يزال حزب الله موجودًا قريبًا من الحدود بقدرات عسكرية، أُضعِفت نعم بعد شهور من المواجهات لكنها أثبتت أنها قابلة لإعادة البناء، والصمود في مواجهة إسرائيل. لم يسقط النظام الإيراني رغم حربين في سنتين متتاليتين.
لم يُهزم نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عسكريًا رغم هذا فإن العجز عن الانتصار كان سببًا في فتح السبيل لتحولات كبرى
صحيح أن برنامجه النووي عُطِّل لكن المخزون المخصب لا يزال قائمًا، والمقومات موجودة لأي إحياء مستقبلي، فيما يحتفظ بالقدرات الصاروخية وبالأذرع العسكرية في الإقليم، وقد أضيف إلى قوته التهديد المستمر بإغلاق هرمز مع استنفاد الورقة العسكرية الأمريكية دون تحقيق أي منجزات ملموسة على الأرض.
لم تُهزم إسرائيل عسكريًّا على أي جبهة من الجبهات المذكورة لكنها لم تحسم أيًّا منها كذلك، رغم نجاح نتنياهو الاستثنائي في توريط الولايات المتحدة نفسها ولأول مرة في تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بصراعٍ لم ينته مع إيران.
جنوب إفريقيا لم تهزم هي الأخرى، إلا أن العجز عن الانتصار كان سببًا في فتح السبيل لتحولات كبرى، ولعب الشق العسكري دورًا أساسيًّا في إنهاء الأبارتايد، بالأخص مع جلاء الاستعمار البرتغالي عن أنجولا وموزمبيق بانهيار النظام الفاشي في البرتغال في 1974، واستقبال الدول حديثة الاستقلال مقاتلي المؤتمر الإفريقي لشن غارات ضد جنوب إفريقيا العنصرية.
السقوط البطيء
سرعان ما امتد الصراع العسكري إلى زيمبابوي التي عُرفت باسم روديسيا الجنوبية، والتي أرادت الأقلية البيضاء فرض نظام فصل عنصري فيها على غرار جنوب إفريقيا، واجه بدوره مقاومة مسلحة. وبما أن هذه الصراعات الإقليمية كانت تدور في سياق الحرب الباردة فقد تدخل الاتحاد السوفيتي لدعم النظم اليسارية في أنجولا وموزمبيق، وأسهم في دعم تدخل كوبا عسكريًّا لدعم قوى التحرر الوطني في ناميبيا، التي كانت تسمى بجنوب غرب إفريقيا، خاضعة للانتداب الجنوب إفريقي الأبيض منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
قابلت الحكومة العنصرية في جنوب إفريقيا هذه التحديات بتدخلات عسكرية عدوانية في دول الجوار فسارعت بدعم عناصر يمينية في أنجولا وموزمبيق ضد الحكومات اليسارية؛ حركة يونيتا في أنجولا ورينامو في موزمبيق، ما أشعل حروبًا أهليّةً بالغة العنف فيهما تزامنت مع تدخلات عسكرية من جنوب إفريقيا، التي سرعان ما وجدت نفسها تتدخل لإنقاذ نظام الأبارتايد الآخر في موزمبيق، وتقاتل الكوبيين المدعومين سوفيتيًّا في ناميبيا في الوقت نفسه الذي تقمع فيه المقاومة السوداء داخل جنوب إفريقيا وتقاتل حزب المؤتمر الإفريقي المحظور في الداخل.
تمكن الاقتصاد الإسرائيلي من زيادة صادراته ما رسخ من مكانة إسرائيل كاقتصاد مصدر للعنف
هذه الفترة المضطربة إقليميًّا والممتدة من 1975 إلى 1990 أنهكت النظام الأبيض في جنوب إفريقيا، ليجد نفسه رغم الدعم العسكري الأمريكي في سياق الحرب الباردة في الثمانينيات غير قادر على حسم أي من الجبهات المفتوحة.
ورغم أن التكلفة البشرية التي تكبدها الجيش الجنوب إفريقي الأبيض تراوحت ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف قتيل فقط (بما فيهم المدنيون البيض الذين سقطوا في عمليات داخل الحدود، والمقدر عددهم بعدة مئات في عقدين كاملين) مقابل نحو مليوني ضحية من الأفارقة في الفترة نفسها في الصراعات الإفريقية الممتدة (خاصة الحروب الأهلية في أنجولا وموزمبيق)، فإن جنوب إفريقيا خسرت في النهاية، إذ سقط النظام العنصري في زيمبابوي في 1980، ثم اضطرت للانسحاب من ناميبيا في 1990، وإنهاء تورطها العسكري في أنجولا وموزمبيق قبل أن تبدأ في التفاوض مع المؤتمر الإفريقي الذي انتهى بسقوط الأبارتايد في 1994.
تشابه لا تطابق
لنكن واضحين، إسرائيل ليست جنوب إفريقيا الأبارتايد، هي أكثر اندماجًا في سيطرة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، كما أن المصالح الإسرائيلية ممثلة بقوة داخل النظام السياسي الأمريكي ما يجعل المقارنة أكثر صعوبة.
كما أن إسرائيل لا تواجه أزمةً اقتصاديةً خانقةً مثل جنوب إفريقيا في الثمانينيات على أثر انخفاض أسعار المواد الخام الأولية التي يعتمد عليها الاقتصاد للتصدير في المقام الأول، ذلك لأن إسرائيل نجحت في تركيز صادراتها في المنتجات ذات التقنية بالغة التطور سواء للاستخدام العسكري أو المدني، وهو ما خلق ديناميات مختلفة للاقتصاد الإسرائيلي في علاقته بالاقتصاد العالمي، إذ تمكن الاقتصاد الإسرائيلي من زيادة صادراته أثناء الصراع الدائر ليرسخ من مكانته اقتصادًا مصدرًا للعنف بشتى أشكاله.
على أن ملمح الإنهاك البشري والعسكري مع طول الصراعات وتعدد الجبهات قد يكون مشتركًا خاصة وأن إسرائيل تحارب بقوة بشرية مخفضة مع ضيق قواعد التجنيد في ضوء الخلافات حول تجنيد الحريديم، إلى جانب إعفاء الأقلية الفلسطينية في الداخل من التجنيد ما يشكل نحو ثلث إجمالي السكان، بل والأكثر شبابًا في التعداد اليهودي.
من المبكر الحكم على تبعات وتداعيات مثل هذا الوضع، لكن هناك ما يدل على أن غالبية الإسرائيليين يدركون أنهم لم يحققوا أي إنجاز طويل الأجل رغم طول الصراع، وحِدَّته (أكثر كثيرًا مما واجهته جنوب إفريقيا الأبارتايد).
ربما تكون الانتخابات المقبلة لحظةً مفصليةً، فخسارة أقصى اليمين الديني/القومي الذي يقوده نتنياهو على خلفية عجزه عن علاج قضايا الأمن الإقليمي (وهي طالما كانت نقطة قوته انتخابيًا) ربما يفتح المجال أمام عملية سياسية خاصة إذا التقى هذا مع تنامي الفتور في العلاقة مع قواعد في اليمين الجمهوري في الولايات المتحدة، والنفور من جانب المعسكر الديمقراطي بشكل أوسع بالتزامن مع تدهور صورة إسرائيل بين الأمريكيين بشكل غير مسبوق.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.