إسرائيل والممالك الصليبية والمصير المحتوم
لولاي لما كانت إسرائيل موجودة. لم تكن تلك العبارة مجرد تهديد أو تعبير عن غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من صديقه بنيامين نتنياهو، بل تذكير للإسرائيليين بحقيقة أن دولتهم ما كان لها أن تستمر لولا الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي وفرته لها الولايات المتحدة منذ قيامها.
أعادت تهديدات ترامب بـ ترك إسرائيل تواجه مصيرها وحدها إذا أصر نتنياهو على إفساد التفاهمات مع إيران، فتحَ نقاش قديم داخل إسرائيل حول حدود الاعتماد على الحليف الأمريكي؛ فسرعان ما اتهمت وسائل إعلام عبرية وأحزاب معارضة رئيس الحكومة بتحويل إسرائيل إلى محمية أمريكية يستند أمنها واقتصادها ومكانتها الدولية على المظلة التي توفرها واشنطن.
تاريخٌ يُعاد
الفكرة التي عبَّر عنها ترامب، سبقه إليها عدد من المؤرخين والمفكرين الإسرائيليين والغربيين الذين انشغلوا طويلًا بدراسة تجربة الممالك الصليبية في المشرق، وخلص بعضهم إلى أن هناك أوجه شبه مقلقة بين تلك التجربة والمشروع الصهيوني، وأن العامل الذي أطال عمر الممالك الصليبية نحو قرنين هو ذاته العامل الذي يوفر لإسرائيل حتى اليوم شروط البقاء والتفوق: "الدعم الغربي".
كثيرٌ من الدراسات العبرية والغربية انتهت إلى أن التجربتين تكادان تتطابقان في عناصر التأسيس والبقاء والتعثر؛ فكلتاهما نشأت كمشروع استيطاني مدعوم من الغرب، واستندت إلى رواية دينية تمنح الشرعية للسيطرة على الأرض، واعتمدت على التفوق العسكري للحفاظ على وجودها داخل بيئة إقليمية معادية.
قبل تأسيس إسرائيل بسنوات طويلة، أشار المؤرخ الصهيوني شموئيل أوسيشكين في كتابه غرب في شرق.. تاريخ الصليبيين في فلسطين إلى أن المشكلة الجوهرية التي واجهت الصليبيين ستواجه الدولة اليهودية المرتقبة أيضًا "كيف يمكن لكيان صغير أن يحافظ على بقائه داخل محيط عربي واسع يرفض وجوده؟".
وفي كتابه إسرائيل بدون صهيونية الصادر عام 1968، حذر المؤرخ الإسرائيلي أوري أفنيري من تجاهل الوجود العربي والفلسطيني، معتبرًا أن ذلك قد يحوّل إسرائيل إلى كيان محاصر يواجه في المستقبل المصير ذاته الذي واجهه الصليبيون.
مثلما اعتمد الصليبيون على القوة العسكرية لضمان بقائهم بَنت إسرائيل عقيدتها الأمنية على فكرة الحرب الدائمة
أما المؤرخ الإسرائيلي يوشع براور، أحد أبرز المتخصصين في تاريخ الحروب الصليبية، فقد كَرَّسَ جانبًا كبيرًا من أعماله لدراسة التجربة الصليبية واستخلاص دروسها؛ ومن بين أهم النتائج التي توصل إليها أن الصليبيين ظلوا مجتمعًا منفصلًا عن السكان المحليين، عاجزين عن الاندماج في محيطهم، وأن استمرارهم لم يكن نتيجة قوتهم الذاتية بقدر ما كان نتيجة الانقسامات التي عصفت بالمنطقة العربية والإسلامية، واستمرار الدعم الأوروبي.
تلك الاستنتاجات تتكرر بصورة أو بأخرى في كتابات مؤرخين غربيين وإسرائيليين؛ فالممالك الصليبية لم تكن قادرة على الاكتفاء الذاتي، إذ كانت تعتمد على التدفق المستمر للمقاتلين والأموال والإمدادات القادمة من أوروبا، كما اعتمدت على الدعم السياسي والروحي الذي وفرته البابوية والعالم المسيحي آنذاك، وعندما بدأ هذا الدعم يتراجع، دخل المشروع الصليبي مرحلة الأفول.
الكاتب البريطاني ديفيد هيرست أعاد إحياء هذا النقاش في مقال مطول نشره قبل عامين، تناول فيه أوجه التشابه بين إسرائيل والممالك الصليبية، ورأى أن العامل الحاسم في سقوط الصليبيين لم يكن فقدان القدرة العسكرية، بل تراجع الدعم الخارجي الذي كان يغذي مشروعهم ويضمن استمراره.
الصليبيون، كما يذكر هيرست، أمضوا ما يقرب من قرنين من الزمن يخوضون الحروب في المشرق، وخلال تلك الفترة كانت أوروبا تمدهم باستمرار بالمقاتلين والموارد؛ أما إسرائيل، فتحصل على دعم أمريكي سنوي هائل، إضافة إلى غطاء دبلوماسي يكاد يكون غير محدود، يتجسد في استخدام واشنطن المتكرر لحق النقض "الفيتو" لحمايتها من أي مساءلة دولية.
ويرى هيرست أن التشابه لا يقتصر على الدعم الخارجي، بل يمتد إلى طبيعة المشروع نفسه؛ فكما اعتمد الصليبيون على القوة العسكرية لضمان بقائهم، بَنت إسرائيل عقيدتها الأمنية على فكرة الحرب الدائمة والتفوق العسكري المستمر.
غير أن التاريخ، حسب هيرست، يطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث عندما يتغير موقف الراعي الخارجي أو تتبدل أولوياته؟
توازن الضعف وتوازن القوة
قد تبدو المقارنة مغريةً للبعض ومبالغًا فيها للبعض الآخر، لكن المؤكد أن الممالك الصليبية لم تسقط بسبب عامل واحد؛ فكما احتاج قيامها إلى توافر مجموعة من الشروط، احتاج سقوطها أيضًا إلى اجتماع عدة عوامل في وقت واحد.
أول هذه العوامل كان تراجع الدعم الأوروبي، فمع مرور الوقت انشغلت أوروبا بصراعاتها الداخلية، وتراجعت الحماسة للحملات الصليبية، وبدأت المصالح التجارية والسياسية تطغى على الشعارات الدينية.
أما العامل الثاني، فكان نجاح المسلمين في تجاوز حالة التشرذم التي سادت المنطقة خلال العقود الأولى من الغزو الصليبي. فحين وصلت جيوش الفرنجة إلى المشرق، لم تكن المنطقة موحدة؛ فكان الصراع محتدمًا بين السلاجقة والفاطميين، وبين أمراء الشام والجزيرة، وكانت الحسابات الضيقة تتقدم على أي شعور بالمصلحة العامة.
الأزمة لم تكن يومًا في قوة الصليبيين وحدها بل في ضعف البيئة التي واجهتهم
لم يتردد بعض الحكام في التحالف مع الصليبيين ضد أبناء جلدتهم، كما لم يكن الانتماء الديني أو الحضاري كافيًا لتوحيد الصفوف في مواجهة الخطر القادم من وراء البحر.
ولم يبدأ ميزان القوى في التغير إلا عندما ظهرت قيادات استطاعت تجاوز جانب من تلك الانقسامات، بدءًا من عماد الدين زنكي، مرورًا بنور الدين محمود، وصولًا إلى صلاح الدين الأيوبي، ثم دولة المماليك بقيادة السلطان الأشرف خليل بن قلاوون الذي وجه الضربة النهائية للوجود الصليبي في المشرق.
هنا تكمن النقطة التي تمنح المقارنة مع إسرائيل أهميتها السياسية اليوم؛ فالأزمة لم تكن يومًا في قوة الصليبيين وحدها، بل في ضعف البيئة التي واجهتهم. بالمثل، فإن استمرار التفوق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بالدعم الأمريكي والغربي، إنما أيضًا بحالة الانقسام العربي والإقليمي التي وفرت للكيان المحتل بيئة مثالية للتمدد وفرض النفوذ.
لقد أدركت إسرائيل منذ وقت مبكر أن تفتيت المنطقة وإدامة الصراعات داخلها يمثلان ضمانة استراتيجية لأمنها؛ لذا لم تتوقف عن تأجيج الانقسامات الطائفية والإثنية في المنطقة العربية، وعملت بدعم غربي على إسقاط أي مشروع قد يهدد استقرارها وبقاءها.
إشارة الطوفان
لكن المشهد بدأ يتغير تدريجيًا منذ عملية "طوفان الأقصى"، فحجم الدمار والإبادة التي نفذتها إسرائيل في قطاع غزة، والدعم الغربي غير المشروط الذي وفر لها الحماية السياسية والعسكرية، ساهما في إحداث تحول ملحوظ في الرأي العام الغربي، خصوصًا بين الأجيال الشابة.
لم تعد صورة إسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا كما كانت قبل سنوات، فقد اتسعت دائرة الانتقادات الموجهة إليها، وارتفعت الأصوات التي تتساءل عن جدوى استمرار الدعم المفتوح لكيان متهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.
كما باتت الجامعات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني تشهد نقاشات غير مسبوقة حول طبيعة المشروع الصهيوني ومستقبله.
لا يعني ذلك أن واشنطن على وشك التخلي عن إسرائيل، كما لا يعني أن الغرب قرر رفع الحماية عنها؛ لكن علينا أن ندرك أن التحولات الكبرى تبدأ عادة بتغيرات تدريجية في المزاج العام، وأن الدعم الخارجي ليس قدرًا أبديًا، بل تحكمه المصالح وموازين القوى.
لهذا فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة الممالك الصليبية لا يتعلق بمصير إسرائيل وحدها، بل بمصير المنطقة كلها. تلك الممالك لم تسقط عندما أصبح المسلمون أقوى فحسب، بل عندما اجتمع عاملان معًا: تراجع الدعم الخارجي، ونجاح المنطقة في إنتاج حد أدنى من التماسك السياسي والعسكري.
أما اليوم، فما زالت المنطقة العربية تعاني من الانقسامات نفسها بأشكال جديدة، وما زالت بعض الأنظمة تفضل بناء شراكات أمنية مع أعدائها التاريخيين: إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، بدل البحث عن صيغ للتعاون الإقليمي وتحصين الأمن العربي المشترك.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يكرر دروسه؛ وإذا كان الإسرائيليون قد أمضوا عقودًا في دراسة تجربة الممالك الصليبية بحثًا عن أسباب سقوطها، فربما يجدر بالعرب أن يدرسوها هم أيضًا، لا بوصفها قصة انتصار عسكري على غزاة أجانب، بل باعتبارها درسًا في أن قوة الخارج تصبح محدودة عندما تنجح المنطقة في تجاوز انقساماتها وبناء مصالحها المشتركة. وعندها فقط يمكن أن يتحول ما يبدو اليوم مستحيلًا إلى احتمال سياسي وتاريخي قابل للتحقق.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
