تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الكابتن حسام حسن مدرب منتخب مصر.

نوبة حنين إلى مصر العربية

منشور الاثنين 13 تموز/يوليو 2026

بقدر ما عمت مشاعر البهجة العواصم العربية بعد فوز المنتخب المصري على نظيره الأسترالي وتأهله لدور الستة عشر في كأس العالم لكرة القدم، عمت مشاعر الحزن والغضب تلك العواصم عقب خسارته وخروجه أمام المنتخب الأرجنتيني، في مباراة حسمها بارونات فيفا قبل بدايتها.

تعلُّق قلوب جماهير العواصم والمدن العربية بالمنتخب المصري، كما وثقته الصور ومقاطع الفيديو وضجت به السوشيال ميديا، أعاد طرح سؤال عروبة مصر من جديد؛ فكيف توحد كل هؤلاء خلف بلد أُريد له التنكر لعروبته والانكفاء على ذاته؟ وكيف نجحت مباريات كرة قدم في إيقاظ مشاعر بدا أنها دُفنت تحت ركام السياسة؟

بيت العائلة

منذ منتصف القرن الماضي، لم تتوقف الخلافات بين مصر وبعض أشقائها العرب، ووصل الأمر في بعض المحطات إلى حدِّ تآمر بعض الأنظمة مع أعدائها عليها، فيما سعى آخرون لاحقًا إلى عزلها، لكنهم لم يختلفوا يومًا على مكانتها، ولم تتأثر منزلتها في قلوب شعوب تلك الأمة.

على امتداد قرون، ظل باب مصر، التي شاءت الأقدار أن تتوسط الوطن العربي، مفتوحًا لأبناء هذه الأمة؛ يفد إليها طالب العلم، وقاصد التجارة، والعاشق لفنونها وآدابها، والباحث عن ملاذ آمن من الحروب والصراعات.

صنعت مصر جانبًا كبيرًا من دورها وتأثيرها في المنطقة باعتبارها البيت الكبير، أو الوطن الثاني الذي لا يغلق بابه في وجه أبناء هذه الأمة. كل من عاش فيها تشرَّب من طباعها، حتى إن بعضهم تمصَّر دون أن يدري.

في منتصف القرن الماضي، وقبل رحيل الاستعمار بجيوشه، عمل على صناعة أنظمة تابعة له

وكلما تاهت مصر عن طريقها، أو حاولت بعض الأنظمة حصرها داخل حدودها، أو سعت بعض نخبها إلى التنكر لهويتها وإبعادها عن طريق العروبة، عادت لتجد نفسها في قلب أمتها، وكأن الجغرافيا والتاريخ يرفضان لها أي موقع آخر.

في منتصف القرن الماضي، عمل الاستعمار على صناعة أنظمة تابعة وحليفة له في المنطقة العربية قبل أن يرحل عنها، وسعى في الوقت نفسه، إلى غرس بذور التغريب حتى ينسى أبناء الأمة هويتهم. غير أن مقاومة العصابات الصهيونية الساعية إلى احتلال فلسطين، ثم صدمة هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948 وما أعقبها من قيام الكيان الإسرائيلي، دفعت في الاتجاه المعاكس؛ إذ أعادت إحياء فكرة القومية العربية، ورسخت القناعة بأن تحرير فلسطين واستقلال الأقطار العربية قضيتان لا تنفصلان.

وكما كانت حرب فلسطين الشرارة التي أشعلت الثورة على حكم أسرة محمد علي في مصر، كانت أيضًا المحطة التي تعمق فيها وعي جمال عبد الناصر بقضية الوحدة العربية؛ فقد أدرك أن التخلص من الاستعمار وتحرير فلسطين لن يتحققا في ظل أنظمة فاسدة تابعة، وشعوب منقسمة، ودول عربية مفككة.

وفي غضون أربع سنوات على هزيمة الجيوش العربية في فلسطين، وحصار عبد الناصر ورفاقه في الفالوجة، كان فجر جديد يبزغ في سماء القاهرة. سقط حكم الأسرة العلوية، وبدأت مصر تستعيد، مع استقلالها، عافيتها وهواها العربي ومكانتها التي تستحقها في إقليم قطَّع الاستعمار أوصاله، حتى بدا التئامه أمرًا مستحيلًا.

ناصر العثرات والنهوض

مع بزوغ نجم عبد الناصر، ومصارحته الشعوب العربية بما يواجهها وما يُحاك ضدها، وخوضه معارك التأميم والسد العالي والوحدة العربية، ودعمه حركات التحرر في المنطقة والعالم في مواجهة القوى الكبرى التي أرادت الهيمنة على مقدرات دول الجنوب، استعادت القاهرة مكانتها كمركز للعالم العربي، وقبلة تتطلع إليها شعوب المنطقة.

حتى وفاته، ظل عبد الناصر، يقاتل من أجل تحرير الأراضي المحتلة ومن خلفه ملايين العرب

"عروبة مصر ستبقى، لأن تلك هي الطبيعة نفسها، وليست إرادة فرد أو أفراد.. علينا أن ندرك أن وحدة الأمة العربية أيضًا طبيعية كطبيعة وجودنا ذاته". هكذا عبر عبد الناصر عن إيمانه الراسخ بالوحدة العربية، رغم أنه قال هذه الكلمات في أعقاب الانفصال عن سوريا عام 1961. فالرجل الذي أعاد إحياء فكرة العروبة لم يكن ليتخلى عن عقيدته بسبب خيبة أمل أو تعثر أول تجربة وحدوية.

كانت مصر العربية، ومشروعها القومي، هدفًا دائمًا لقوى الاستعمار القديم والجديد؛ فبكسرها تنكسر الفكرة، ويتوقف المد القومي الذي أدركت تلك القوى أنه يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها وللكيان الذي زرعته في قلب المنطقة.

جمال عبد الناصر وهزيمة 1967

بعد هزيمة يونيو 1967، تجلت حالة الوحدة العربية في أعمق صورها، فلم يقبل العرب، حتى من كان منهم على خلاف مع عبد الناصر، أن تُهزم مصر وتُحتل أراضيها. لذلك جاءت قمة الخرطوم، بعد أسابيع قليلة من النكسة، لتعلن رفض الاستسلام، وترفع لاءاتها الثلاث: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل".

أدرك العرب حينها أن إزالة آثار العدوان "يتستوجب تعبئة الطاقات العربية"، مؤكدين إيمانهم بأن النكسة التي تعرضت لها الشعوب العربية ينبغي أن تكون حافزًا لوحدة الصف ودعم العمل العربي المشترك.

حتى وفاته، بعد تلك القمة بنحو ثلاث سنوات، ظل عبد الناصر يقاتل ومن خلفه ملايين العرب لتحرير الأرض، وتوحيد الصف، ومقاومة كل محاولات الهيمنة والإخضاع.

زمن التحول

بعد انتصار أكتوبر 1973 تبنى خلفه الرئيس أنور السادات مسارًا مغايرًا تمامًا؛ فانقلب على مشروع دولة يوليو ومقاصدها، واندفع في اتجاه عزل مصر عن محيطها العربي، وفصلها عن معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.

بعد أسابيع قليلة من عبور الجيش المصري خط بارليف وتحقيقه انتصارًا أذهل العالم، استقبل السادات وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في سلسلة من الزيارات المتعاقبة إلى القاهرة. وبعدها بدا الرئيس المصري مقتنعًا، بل ومروجًا، لجملة من المبادئ التي اعتقد أنها سترسم موقع مصر في مرحلة ما بعد الحرب.

منذ قيدت مصر نفسها بمعاهدة السلام وربطت مستقبلها بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، تركت فراغًا ما كان لغيرها أن يملأه

أولها أن الصراع العربي الإسرائيلي نفسيّ، على الأقل بنسبة 70% منه. وثانيها أن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب. وثالثها أن 99% من أوراق حل أزمة الشرق الأوسط في يد الولايات المتحدة. ورابعها أن موقع مصر الطبيعي ليس في العالم العربي، وإنما مع الغرب أو في فلكه. وأخيرًا، أن بإمكان القاهرة بناء علاقة خاصة مع واشنطن قد تتجاوز علاقتها بالسعودية، وربما تضاهي علاقتها بإسرائيل.

الرئيس السادات مع الوفد الإسرائيلي في كامب ديفيد

وبعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، المعروفة إعلاميًا بـكامب ديفيد، ثارت ثائرة العرب، وقررت غالبية الدول العربية مقاطعة مصر وتجميد عضويتها في جامعة الدول العربية. وساد الشارع العربي شعور بأن الشقيقة الكبرى تخلت عن مسؤوليتها التاريخية تجاه أشقائها.

وحتى بعد عودة العلاقات العربية المصرية في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، ظل شيء من هذا الجفاء قائمًا؛ فلم تعد تلك هي مصر التي راهنت عليها شعوب المنطقة، ولا الدولة التي سلمتها طوعًا موقع القيادة لتجمع الصف العربي وتوحده في مواجهة التحديات. ولم تعد الظهر والسند الذي يتحدى الكبار دون حساب النتائج والتداعيات.

منذ قيدت مصر نفسها بمعاهدة السلام مع إسرائيل، وربطت مستقبلها بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، تركت فراغًا ما كان لغيرها أن يملأه. وهو ما سمح للمشروعات الإقليمية المنافسة أو المعادية بالتمدد على حساب النظام العربي، لتشهد المنطقة ما شهدته لاحقًا في فلسطين ولبنان والعراق واليمن.

ورغم ذلك كله، ورغم انكفائها على أزماتها الداخلية، ورغم محاولات تهميش دورها، بقيت مصر حاضرة في وجدان العرب. ظلت الشقيقة الكبرى، حتى وإن لم يُرد لها حكامها أداء هذا الدور، وظلت المركز والوطن الثاني لكل عربي.

في لحظات الضعف والانكسار، يبحث كل شقيق عن شقيقه الأكبر؛ فإن لم يجده، كان أول من يلومه. وهذا ما تفعله شعوب المنطقة كلما اشتدت عليها المحن؛ يتساءلون: أين مصر؟.. قد يغضبون منها، ويتهمونها بالتقصير أو التخاذل، لكنه في النهاية لوم الأشقاء.

وما رأيناه في عواصم العرب من مشاعر الدعم والتشجيع، ثم الحزن والأسى على خروج المنتخب المصري، لم يكن سببه فقط رفع مدربه حسام حسن علم فلسطين، أو حديثه العفوي عن معاناة أهل غزة، بل لأنه أيقظ في وجدان العرب صورة مصر التي كانوا يعرفونها؛ مصر الحاضرة، حتى في غيابها.

كانت تلك نوبة حنين قوية إلى مصر العربية؛ عمود خيمة الأمة، والجسر الذي يصل شرقها بغربها.

ولهذا تعلقت قلوب العرب بمصر في مواجهتها أمام الأرجنتين. فمهما بلغت الخلافات، ومهما طال البعد أو اشتد الجفاء، تظل مصر، بحكم التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، قلب العرب؛ وكلما ابتعدت عن دورها، ازداد الحنين إليها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.