تصميم: أحمد بلال
يتعارض صعود اليمين المتطرف مع توقعات محللين بأن تساهم الضغوط الاقتصادية في ثورات عمالية ذات طابع اشتراكي

عمال العالم لم يتحدوا.. كيف صعد اليمين على أكتاف اللامساواة؟

منشور الأحد 10 أيار/مايو 2026

أتذكر قبل أكثر من عقدين، أثناء دراستي الجامعية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كيف كان يدور خطاب التنمية حول أهداف الألفية التنموية الطموحة التي توافقت عليها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة؛ بأهدافها المتعلقة بالقضاء على الفقر وتمكين المهمشين من الموارد الاقتصادية، وغيرها مما يتعلق بالمساواة الاقتصادية.

ينطلق هذا الخطاب من فرضية أن انعدام المساواة ناتج بالأساس عن الاستخدام الخاطئ للموارد الاقتصادية، دون طرح الأسئلة المتعلقة بمن يحظى بالقسم الأكبر من كعكة الاقتصاد، ومن يأخذ الفتات. ليس هناك ما يثير الريبة أو التحفظ على مثل هذا الخطاب بالنسبة لشباب في مطلع العشرينات من العمر يرون أن التحديات الرئيسية أمام بلادهم تتمثل في الاندماج بالعولمة الاقتصادية والثقافية التي هيمنت على عقولنا آنذاك، كنموذج نيوليبرالي أمريكي استطاع سحق الخصم السوفيتي.

سنستغرق عقدًا من العمر حتى الأزمة المالية عام 2008 لندرك أن قضايا العدالة التوزيعية والمساواة في توزيع الدخل والثروة غابت وربما غُيبت بشكل شبه كامل عن خطاب التنمية النيوليبرالي. المفارقة أنه حتى مع عودة الوعي، وبعد انتباهنا للتفاوت الكبير في توزيع الدخل والثروة باعتباره جوهر المشكلة، لم يثمر هذا عن ثورة اشتراكية غاضبة من انعدام المساواة، بل أسهم في إنتاج تيار يمين متطرف.

ربما يكون السؤال عن الأسباب الاقتصادية لصعود اليمين الفاشي الجديد مُلحًّا، ونحن في شهر عيد العمال؛ هذه الطبقة الواسعة التي تصوّر الاشتراكيون الأوائل أن تعرُّضَها للاستغلال الاقتصادي سيخلق طبقة جديدة تقود الثورة الحمراء، وليس إلى دونالد ترامب.

أوهام الثمانينيات والتسعينيات

اليوم تتركز نحو 53% من الدخل العالمي و75% من الثروة في يد 10% من سكان العالم، بل يبلغ نصيب الواحد في المائة الأعلى فيها 20% من الدخل و37% من الثروة. هذه المؤشرات الصادمة إنما هي نتاج عقود النيوليبرالية التي بدأت في الثمانينيات، وعملت على تفكيك اقتصاد الرفاه الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أطلقت يد رجال المال ومستثمري العقارات وغيرهم ممن هم على شاكلة ترامب.

عالج النموذج النيوليبرالي انعدام المساواة بإغراق الطبقات الوسطى والدنيا في الديون

لم تكن النيوليبرالية محل نقد واسع حتى أزمة 2008 التي قوّضت الثقة في هذا النموذج بعد كشف عيوب جسيمة تتعلق بهشاشة النظام المالي الذي أنتجه، لتتحول العولمة في أنظار الكثيرين إلى كابوس، وهُم يرون انعكاسها على الاقتصاد العالمي.

ومع تزايد التباطؤ الاقتصادي في أعقاب الأزمة، والخوف من السقوط في دائرة الركود، دعا كثيرون إلى تنشيط الإنفاق الاستهلاكي، لتنطلق الشرارة التي أعادت الروح لحديث انعدام المساواة، فكيف لنا أن نشجع الناس على الاستهلاك وهم يقعون في النصف الأدنى من هرم الدخل والثروة ويكافحون لتغطية أبسط احتياجاتهم الشخصية؟

ولأن أزمة 2008 كانت ماليةً بالأساس، فقد نبهت أيضًا إلى أن النموذج النيوليبرالي يعالج انعدام المساواة التي أنتجها عبر إغراق الطبقات الوسطى والدنيا بالديون، ففي الولايات المتحدة أضحت الاستدانة حلًا وحيدًا للملايين من أجل الحصول على منزل، ومع إطلاق حرية المؤسسات المالية تورطت قطاعات واسعة في ديون لا تستطيع سدادها.

يُضاف إلى ما سبق تقوّضُ الثقة في النموذج السياسي للنيوليبرالية، فقد ظهر كيف انعكست هيمنة الأثرياء على السياسة في تشريعاتٍ يسيطرون بها على كل الموارد، ومن ثم تراجع الإيمان بقدرة الديمقراطية الليبرالية على فرض آليات الرقابة والمحاسبة. 

عودة الوعي بانعدام المساواة

انعدام المساواة اظهر ميل الشعوب إلى اليمين المتطرف

بعد ما يقرب من عقدين على الأزمة المالية، انعكست عودة الوعي بقضايا اللامساواة بشكل جلي في استطلاعاتِ الرأي، منها على سبيل المثال استطلاع مركز بيو البحثي Pew لعام 2025، الذي ضم عينات من 36 دولة، جلها من الدول مرتفعة الدخل، مع حضور بلدان من الجنوب العالمي مثل المكسيك والبرازيل والهند.

غالبية كبيرة من المواطنين في تلك الدول (وكلها ديمقراطيات تمثيلية) رأت أن عدم المساواة الاقتصادية مشكلة كبرى في بلادهم أو "مشكلة" على أقل تقدير، إذ بلغت النسبة في الولايات المتحدة الأمريكية 83% ممن أدلوا برأيهم (منهم 51% رأوا عدم المساواة مشكلة كبرى)، وكانت النسب متقاربةً في كندا (86%) وفرنسا (86%) وألمانيا (92%) وبريطانيا (85%). ولم تختلف الصورة كثيرًا في الجنوب العالمي كالهند (81%) والمكسيك (83%) والبرازيل (82%).

ذلك كان بمثابة إعلانٍ عن التحرر من أوهام الثمانينيات والتسعينيات، وإن تأخر بعض الشيء، لكن ثمة وهمًا آخرَ سيطر على خيالنا، وهو أن انعدام المساواة سينتج بالضرورة ميلًا جماهيريًّا نحو انتخاب اليسار، لكنَّ ما ظهر في حالات الدول الديمقراطية خلال العقود الأخيرة هو أن الميل الشعبي توجّه نحو نقيض اليسار .. اليمين المتطرف.

بالرغم من أن بعضَ ممثلي اليسار حققوا بالفعل مكاسبَ هنا وهناك، لكن الفائز الرئيسي من أزمة النيوليبرالية كان اليمين الفاشي.

منطق الفاشية الجديدة

بدلًا من تصوراتنا عن ثورات اشتراكية تنفجر تحت ضغط انعدام المساواة، وجدنا الفاشيين يصعدون مع أزمتي الاقتصاد والديمقراطية في المركز الرأسمالي بأكثر الأشكال نجاعةً، ويخرجون بخطابات عنصرية وسلطوية ومعادية للمهاجرين والنساء والأقليات والبيئة.

بدا انتصار الفاشية جليًا خلال فترتي دونالد ترامب وتحولات الحزب الجمهوري الأمريكي، كما شهدناه في تحولات حزب المحافظين في بريطانيا التي انتهت إلى البريكست. وظهر أيضًا في صعود اليمين الجديد بأوروبا إلى سدة الحكم في المجر والنمسا وإيطاليا، ومكاسب اليمين الكبيرة  في هولندا وألمانيا، وأخيرًا صعود اليمين الشعبوي المحافظ دينيًّا في أهم ديمقراطيات الجنوب العالمي: الهند والبرازيل ثم الأرجنتين.

قد يكون منطق اليمين الفاشي بغيضًا قميئًا قصير النظر إلا أنه يكفي لبناء برامج سياسية وتحريك الجماهير

كيف يُفسَّر  اجتماع صعود الوعي بانعدام المساواة مع مكاسب اليمين الجديد؟ يمكن أن يعزى ذلك جزئيًا إلى ضعف اليسار أيديولوجيًّا وتنظيميًا لكن السبب الرئيسي نجده في خطاب اليمين ذاته، إذ لم تفسر التيارات المتطرفة عدم المساواة الصاعدة بأنها ناتجة عن نهب الأقلية الثرية لموارد الأغلبية المفقرة، إنما أرجعتها إلى تفسيرات أخرى عنصرية ودينية وجندرية، مثل التصور بأن المهاجرين من أمريكا الوسطى مثلًا هم السبب في مشكلات البطالة الأمريكية.

نجح اليمين الفاشي في إقناع ضحايا النيوليبرالية بأن مثل هذه التصورات العنصرية (وغيرها القائمة على الهوية عرقيةً كانت أو جندريةً أو دينيةً.,. إلخ) التفسير المنطقي لكل ما يعانون منه، وألقى لهم هذا الطعم في سنوات ما بعد الأزمة المالية؛ لحظةَ ما كانت هذه القطاعات في أكثر أوقاتها عسرًا، فاستطاع كسب أصواتهم والصعود إلى السلطة على أكتافهم.

ثم التفت إلى العولمة التي خلفتها النيوليبرالية المأزومة، وسدد الضربات لحرية التجارة والاستثمار تحت تصورات أن الأغراب من الصين والهند وجنوب شرق آسيا سببُ معاناة المواطن الأمريكي. من هنا نشأت حرب ترامب التجارية على كل المؤسسات التي بسطت سيطرتها في عقود النيوليبرالية مثل منظمة التجارة العالمية.

قد يكون منطق اليمين الفاشي بغيضًا قميئًا قصير النظر، إلا أنه يكفي لبناء برامج سياسية وتحريك الجماهير استنادًا إليها. إنه شبيهٌ بالمنطق الذي تلى أزمة الرأسمالية المعولمة في فترة ما بين الحربين العالمية الأولى والثانية، الذي أفضت فيه أزمة الليبرالية الكلاسيكية إلى صعود هتلر وموسوليني في خضم الكساد العظيم، كما أدت أزمة النيوليبرالية إلى صعود النيوفاشية في أيامنا هذه.

لقد كتب الله النجاة من كابوس الفاشية، رغم التكلفة البشرية والاقتصادية الفادحة؛ عندما انتصر تحالف الديمقراطية الليبرالية والشيوعية على النازية، فهل يفلت العالم هذه المرة من أزماته الجيوسياسية والبيئية وخياله محكومٌ من اليمين الجديد؟

أتذكر هنا مقولة الساخر الراحل جلال عامر عندما سُئل "البلد رايحة بينا على فين؟"، ليرد: مش تسألوا قبل ما تركبوا؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.