بين اقتصاد المال والتكنولوجيا.. ماذا بقي من العمل في عيد العمال؟
في خضم الثورة الصناعية في أوروبا قبل قرن ونصف، تولَّد إجماعٌ بين الاقتصاديين بمختلف ميولهم، ليبراليةً كانت أو اشتراكيةً، بأن كل قيمة اقتصادية تأتي من العمل. بمعنى أنه لولا عنصر الإنتاج الحي المتمثل في قوة العمل لما خرج أي إنتاج يُذكر من الطبيعة أو حتى من رأس المال الذي هو نفسه نتاج العمل البشري في صورة آلات وأجهزة ومبانٍ لازمة للإنتاج.
كانت الأمور واضحة حينذاك فيما يخص مركزية العمل في فهم العلاقات الاقتصادية، وفي تقدير مصدر إنتاج أي قيمة اقتصادية تخضع للتبادل النقدي في الأسواق، بينما انحسر الاختلاف بين الليبراليين والاشتراكيين في توصيف العمل.
فبينما ذهب الليبراليون إلى اعتباره أحد عناصر الإنتاج الأخرى، ذهب الاشتراكيون إلى إبراز الطابع الاجتماعي للعمل على النحو الذي سمح بالحديث عن دولة الرفاه وإعادة توزيع الدخل عند الإصلاحيين منهم، وعن الصراع الطبقي والثورة الاجتماعية بين الأكثر راديكالية.
ثوابت تهتز
خلافًا لما كانت عليه الأمور حتى منتصف القرن العشرين؛ فإن الإجماع بين الاقتصاديين على مركزية عنصر العمل اليوم تراجع كثيرًا، اللهم إلا عند القابضين على جمر الماركسية ومن لفّ لفَّهم.
أما في الجسم الرئيسي للاقتصاديين فقد حلت عوامل أخرى محل العمل في توليد القيمة الاقتصادية، على رأسها الإبداع، خصوصًا في المجالات التكنولوجية، وهو ما يقوم على نوع من العمل لكنه عمل ماهر ذو إنتاجية مرتفعة، علاوة على اعتماده على تطبيقات التكنولوجيا في صورتها المادية أو الرقمية حتى يمكنه تطوير التكنولوجيا نفسها.
في ظل غلبة الاقتصاد المالي يعتمد توليد القيمة على مكونات قريبة من تلك الموجودة في الإبداع التكنولوجي
الأمر نفسه ينطبق على الخدمات المالية التي اتسع نطاقها في الاقتصادات الرأسمالية الأشد تطورًا في العقود القليلة الماضية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وسنغافورة وهونج كونج، حتى باتت تعتبر اقتصادًا ماليًا في حد ذاتها بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي، وليس مجرد قطاع في الاقتصاد فحسب.
ففي ظل غلبة الاقتصاد المالي يعتمد توليد القيمة على مكونات قريبة من تلك الموجودة في الإبداع التكنولوجي؛ تقنيات رقمية معقدة ترتبط بثورة الاتصالات، ومكونات مهارية بالغة التعقيد لعدد قليل من الخبراء والسحرة والمشعوذين، كما يُطلق عليهم البعض. يتاجر هؤلاء في الأصول المالية بصورة لا نهائية في صورة أسهم وسندات ومشتقات وعملات مشفرة وأصول افتراضية لا وجود لها خارج الإنترنت، وهو نفسه ليس مكانًا ماديًا.
أين العمل من اقتصاد عالمي ومعولم يحمل مثل هذه الملامح؟ هل هو صدى من أوقات سابقة كانت الصناعات كثيفة العمال هي العمود الفقري للنشاط الاقتصادي ومصدر كل قيمة؟ أم أن الاستمرار في الدفع بمركزية وجوهرية عنصر العمل في الاقتصاد ما هو إلا انعكاس لتحيزات أيديولوجية يسارية عفا عليها الزمن؟
عولمة العمل
تكمن الإجابة على هذه الأسئلة في ملاحظتين أساسيتين: الأولى أنه من الزاوية الموضوعية، وحتى الآن على أقل تقدير، فإن العمل البشري لا يزال الشرط الجوهري لإنتاج أي قيمة.
ربما لحين هيمنة الذكاء الاصطناعي مقرونًا بنشاط الروبوتات على إنتاج السلع والخدمات، بفرض أن الذكاء الاصطناعي لن يطلب بشرًا يديرونه ويوجهون استخدامه، يظل العمل البشري بمستوياته المهارية المختلفة بما في ذلك العمل البشري الإبداعي والفكري وليس فحسب اليدوي أو منخفض أو متوسط المهارة، لا غنى عنه لتوليد أي قيمة، تمامًا كما كان الحال في القرنين التاسع عشر والعشرين عندما تحول العمل إلى تشغيل الآلات والماكينات ثم الأجهزة.
أما الأمر الثاني، فإنه على الرغم من استمرار الأهمية الموضوعية للعمل، تعرضت شروط العمل والأطر المؤسسية والقانونية والسياسية الحاكمة له للكثير من التدهور في العقود الأربعة الماضية مع هيمنة الفكر النيوليبرالي، بل يمكن القول إن الدفع بتراجع العمل كعنصر إنتاج لصالح التكنولوجيا أو الماليات ما هو سوى تتويج أيديولوجي لتردي ظروف العمل المادية مع تفشي العلاقات غير الرسمية، وتراجع الحماية الاجتماعية وتحلل التنظيمات النقابية والأحزاب العمالية.
انخفض نصيب العمل من 61% في 1980 إلى 53% في 2025
وهو التردي الذي بدأ في الثمانينيات مع العمالة منخفضة ومتوسطة المهارة، ثم أخذ في الصعود ليشمل مِهنًا ذات محتوى مهاري مرتفع باتت هي الأخرى رهينة علاقات عمل غير رسمية وغير محمية بأي إطار تحت زعم تحرير أسواق العمل وزيادة مرونتها.
على أن العولمة الاقتصادية التي وقعت في الأربعين سنة الماضية تحت هيمنة الفكر النيوليبرالي، والنفوذ السياسي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، استندت إلى اجتذاب مئات الملايين من أبناء الأطراف، لا سيما في آسيا، إلى الاقتصاد العالمي كعمال في الصناعات الثقيلة والخفيفة، التي ميزت ما بات يعرف بسلاسل القيمة أو سلاسل التوريد والإمداد العالمية.
اعتمدت تلك الصناعات على تجريف القاعدة الصناعية في اقتصادات المركز ما ترتب عليه إضعاف الطبقات العاملة هناك لصالح بناء قواعد صناعية، أكبر وأعمق، في اقتصادات ككوريا الجنوبية وتايوان ثم الصين وتايلاند وإندونيسيا وماليزيا وصولًا إلى فيتنام وكمبوديا وبنجلاديش، وينطبق الأمر نفسه على الهند إذا ما فكرنا في الخدمات التي اعتمدت على ثورة الاتصالات منذ التسعينيات.
ولم يكن توسيع القواعد العمالية من منظور الاقتصاد السياسي العالمي إلا وجهًا من وجوه العولمة، وكان الوجه الآخر التمدد الرهيب في قطاعات الخدمات، التي اجتذبت بدورها مئات الملايين من العمال لأداء أعمال ذات محتويات مهارية متفاوتة، بعضها منخفض كحال الخدمات الشخصية أو سائقي السيارات والموتوسيكلات والعاملين في مجالات الدليفري، التي للمفارقة ارتبطت ببعض تطبيقات التكنولوجيات المتطورة لشركات كبرى مثل أمازون وعلي بابا وأوبر ودي دي وغيرها، وبعضها الآخر ذو محتوى مهاري مرتفع كالمبرمجين والعاملين في مجالات التعليم.
إذا استحضرنا هذه الأبعاد لتمكنا من رؤية صورة أعم وأشمل من تلك المجتزأة التي يقدمها لنا متبنو الطرح النيوليبرالي، والتي تصور لنا العولمة الاقتصادية وثورة التكنولوجيا كبضعة آلاف من المهندسين والمبرجمين والمستثمرين ومستشاريهم الماليين، وهم يعقدون الصفقات أو يتحدثون عبر تطبيقات الإنترنت من أركان الدنيا الأربعة.
العمل كل القيمة
ظل العمل جوهريًا ومحوريًا جاذبًا لمئات الملايين من البشر رجالًا ونساءً، ممن لم يكونوا في قبضة الأسواق الرأسمالية قبل أربعين سنة في الصين أو الهند أو البرازيل، ولكن تماشى هذا مع تدهور في موقع العمل، لا سياسيًا فحسب بل اقتصاديًا أيضًا، إذ يكفي رصد التراجع المستمر لنصيب العمل في الدخل العالمي في مواجهة الدخل المتولد عن رأس المال، إذ هبط نصيب العمل من 61% في 1980 إلى 53% في 2025.
ولكن هذا لا يعني أن العمل أمسى أقل أهمية في الاقتصاد بقدر ما يعبر عن تردي ظروف وشروط العمل، بما قد يفسر لنا تفاقم اللامساواة في توزيع الدخل في العقود الأربعة نفسها لتقترب مستوياتها مما كان سائدًا في مطلع القرن العشرين.
وكما قاد التطور الكبير في التكنولوجيا في العقود الماضية توسيع قواعد العمل على الصعيد العالمي في الصناعة والخدمات، فإن نمو الاقتصاد المالي في الفترة نفسها اعتمد على العمل وإن كان بشكلٍ غير مباشر، إذ إن تمدد اقتصاد المال قد استند في العقود الماضية إلى التضخم الهائل في شتى أشكال المديونيات عامةً كانت أو خاصة، في بلدان الشمال كما الجنوب العالمي.
شمل هذا تضخم المديونيات العامة للحكومات والخاصة، بما في ذلك المديونيات الشخصية التي تُستخدم لتمويل الاستهلاك كحال القروض الشخصية وقروض السيارات والبطاقات الائتمانية.
كيف يمكن أن تكون المديونيات استثمارات ناجحة لأصحاب رأس المال من البنوك والصناديق؟ لا يتأتى هذا إلا من خلال قدرة المقترضين على سداد التزاماتهم، وهو أمر لا يكون إلا بالاعتماد على دخول العمل المستقبلي لدى الغالب الكبير من سكان المعمورة، خاصةً وأن نصيب نصف سكان العالم من الثروة في 2025 لم يتجاوز 2% فحسب! ما يعني أن 50% من سكان الأرض لا يملكون أي مصدر آخر لتوليد الدخل سوى العمل.
الأمر نفسه ينطبق على المديونيات الحكومية، ففي ظل تراجع قدرة (أو رغبة) الدول في تحصيل الضرائب من أصحاب رأس المال في العقود الأربعة الماضية، ومع تراجع الضرائب على التجارة الخارجية نتيجةً لتحريرها المتزايد، فإن القدرة على خدمة الديون العامة يستند بشكل أساسي على تحصيل الضرائب على عنصر العمل.
الخلاصة هي أن الاقتصاد لا يزال يدور حول استخلاص القيمة من العمل، وأن القدرة على الاستهلاك لاقتصاد معولم يعاني من وفرة في الإنتاج مرهونة بالدخول الناتجة عن العمل، سواء الحالية أو المستقبلية (كحال سداد أقساط الديون الخاصة أو العامة من خلال الضرائب). وأنه لحين انتقال الإنتاج بالكامل إلى روبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي، والاختفاء المفترض حينها للعمل البشري، فإن تراجع محورية العمل لا يعدو أن يكون دعاية فارغة أو على سبيل التمني من حائزي رأس المال ومنظريهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.