تصميم أحمد بلال، المنصة
فرض التطور الرقمي أنواع جديدة من الجرائم تستلزم تطوير موازي في مفاهيم العدالة وآليات تطبيقها

الجرائم الدولية في الفضاء الرقمي

نحو إطار قانوني لتحديد المسؤولية أمام المحكمة الجنائية الدولية

منشور الأربعاء 29 نيسان/أبريل 2026

في ظل تحول رقمي متسارع، لم تعد الجرائم الدولية حبيسةَ الميدان التقليدي أو مرتبطة فقط بالأفعال المادية المباشرة، بل امتد نطاقها ليشمل أفعالًا تُرتكب عبر الوسائط الإلكترونية وشبكات الإنترنت.

تطور كذلك تصنيع الأسلحة التي تُدار وتُوجَّه بالذكاء الاصطناعي، القادرة على تحديد الأهداف واتخاذ القرارات بالهجوم. هذا يفرض واقعًا جديدًا على القانون الجنائي الدولي، ويثير تساؤلات جوهرية في مجتمع القانون والسياسة حول الكيفية التي تُكيّف بها هذه الأفعال، ومدى خضوعها لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، فضلًا عن الإشكالات المعقدة المتعلقة بتحديد المسؤولية الجنائية في بيئة رقمية تتسم بالتداخل والتشعب.

أسحلة غير مرئية

تُعرّف الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت، أو ما يُطلق عليه أحيانًا "الجرائم الرقمية ذات البعد الدولي"، بأنها الأفعال غير المشروعة التي تُستخدم فيها الوسائط الإلكترونية وسيلةً أساسيةً للتنفيذ أو التحريض أو المساعدة، ويكون من شأنها المساس بقيم ومصالح يحميها القانون الدولي الجنائي.

ليس معنى هذا أن كل جريمة إلكترونية تدخل في اختصاص المحكمة، بل يجب أن ترتقي هذه الأفعال إلى مستوى إحدى الجرائم الأربع المنصوص عليها في نظام روما الأساسي، وهي الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان.

رغم أن هذه الجرائم نشأت في سياق تقليدي يشترط أن تُرتكَب فى إطار هجوم منظم واسع النطاق من قبل قوات دولة أو تنظيم يعمل بمعاونة تلك الدولة، فإنها قابلة للتكييف لتشمل الأفعال المرتكبة عبر الإنترنت متى توافرت أركانها القانونية.

فيما يتعلق بجريمة الإبادة الجماعية، وهي أخطر الجرائم على الإطلاق، فإنها تقوم وفقًا لنظام روما الأساسي على نية تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية كليًا أو جزئيًا، وفي العصر الرقمي، قد يتخذ هذا التدمير شكلًا غير مباشر، من خلال التحريض العلني والمباشر على الإبادة عبر السوشيال ميديا، أو نشر محتوى ممنهج يحرّض على الكراهية والعنف ضد جماعة معينة.

وشهد العالم في السنوات الأخيرة أمثلة واقعية على استخدام الإنترنت أداةً لنشر خطاب إبادة جماعية، إذ تُستخدم الخوارزميات لتضخيم هذا الخطاب وانتشاره بسرعة غير مسبوقة.

أما الجرائم ضد الإنسانية، التى تشمل أفعالًا مثل القتل، والتعذيب، والاضطهاد، والاختفاء القسري، إذا ارتُكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين. في البيئة الرقمية، قد يلعب الإنترنت دورًا محوريًا في التخطيط لها وتنفيذها أو دعمها. فمثلًا، قد تُستخدم المنصات الإلكترونية لتتبع المعارضين السياسيين، أو نشر قوائم بأسمائهم، أو التحريض على استهدافهم، أو حتى تنسيق عمليات قمع ممنهجة.

بالنسبة لجرائم الحرب، التي تُرتكب في سياق نزاع مسلح، فإن استخدام الوسائط الإلكترونية أصبح جزءًا من أدوات النزاع الحديثة. فقد يستخدم الإنترنت لتوجيه أوامر عسكرية غير مشروعة، أو هجمات ضد أهداف مدنية، أو نشر معلومات مضللة تهدف إلى إرباك الخصم أو التأثير على السكان المدنيين. كما يمكن أن تُستخدم الوسائط الرقمية في توثيق الجرائم أو، على العكس، في إخفائها والتلاعب بالأدلة.

أما جريمة العدوان، فتتعلق باستخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى. ورغم أن هذه الجريمة تبدو بعيدة عن الفضاء الرقمي، فإن بعض الفقه بدأ يناقش إمكانية اعتبار الهجمات السيبرانية واسعة النطاق، التي تؤدي إلى تعطيل البنية التحتية الحيوية لدولة ما، شكلًا من أشكال العدوان، إذا بلغت من الخطورة ما يعادل استخدام القوة المسلحة التقليدية.

من هذا السياق، يتضح أن الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح بيئة يمكن أن تُرتكب فيها، أو من خلالها، أخطر الجرائم التي تهم المجتمع الدولي. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توصيف هذه الأفعال، بل في كيفية إثباتها وإسنادها إلى مرتكبيها.

سبل المحاسبة

تقوم فلسفة المحكمة الجنائية الدولية على مبدأ أساسي هو المسؤولية الجنائية الفردية، أي أن الأشخاص الطبيعيين وحدهم من يُسألون جنائيًا عن الجرائم الدولية. وفقًا لنظام روما الأساسي المُنشئ لها، لا تحاكم المحكمة دولًا بل أفرادًا ينتمون إلى دول ارتكبوا واحدة أو أكثر من الجرائم التى تدخل فى اختصاها والسابق ذكرها، بالتالي، فإن المستخدم الذي ينشر محتوى يشكل تحريضًا على الإبادة، أو يساهم في التنسيق لارتكاب جرائم ضد الإنسانية يمكن أن يُلاحق جنائيًا إذا توافرت لديه النية والعلم.

غير أن هذا التصور التقليدي يواجه تحديات كبيرة في البيئة الرقمية. غالبًا ما يكون الفاعل مجهول الهوية، أو يستخدم حسابات وهمية، أو يعمل ضمن شبكات معقدة عابرة للحدود. كما أن الفعل الإجرامي قد يكون نتيجة تفاعل عدة أطراف: مستخدم ينشئ المحتوى، وآخر يعيد نشره، وخوارزمية تضخمه، ومنصة تسمح بانتشاره.

النظام الحالي للمحكمة الجنائية الدولية لا يسمح بمساءلة الشركات كأشخاص اعتباريين

هنا يبرز التساؤل حول دور شركات التكنولوجيا. هذه الشركات ليست مجرد وسيط محايد، بل لاعب رئيسي في تشكيل المحتوى الرقمي. خوارزميات التوصية، على سبيل المثال، قد تدفع بالمحتوى المتطرف إلى عدد أكبر من المستخدمين، مما يضاعف من تأثيره وخطورته. كما أن بعض الشركات قد تتأخر في إزالة المحتوى الضار، أو تفشل في وضع سياسات فعالة لمنعه.

رغم هذا، فإن النظام الحالي للمحكمة الجنائية الدولية لا يسمح بمساءلة الشركات كأشخاص اعتباريين. ذلك لا يعني أن المسؤولية لا يمكن أن تمتد إلى الأفراد داخلها، مثل المديرين أو المسؤولين عن اتخاذ القرار، إذا ثبت أنهم علموا باستخدام منصاتهم في ارتكاب جرائم دولية ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنع ذلك، أو ساهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في وقوعها.

إضافةً إلى ذلك، تبرز فكرة "المسؤولية المشتركة" باعتبارها أحد الحلول الممكنة. فبدلًا من البحث عن فاعل واحد، يمكن النظر إلى الجريمة بوصفها نتيجةَ سلسلة من الأفعال المتداخلة، يتحمل كل طرف فيها نصيبًا من المسؤولية وفقًا لدوره. هذا التصور يتماشى مع طبيعة الجرائم الدولية، التي غالبًا ما تكون جماعية ومنظمة.

معوقات التطبيق

لكن تطبيق هذا المفهوم يواجه تحديات قانونية، خصوصًا فيما يتعلق بإثبات القصد الجنائي لكل طرف، وتحديد مدى مساهمته الفعلية في الجريمة. فليس كل من ساهم في نشر محتوى ما يمكن اعتباره شريكًا في جريمة دولية، بل يجب التمييز بين الفعل العمدي والفعل العرضي، وبين من يعلم بخطورة المحتوى ومن يجهلها.

من أبرز الإشكالات أيضًا مسألة الأدلة الرقمية، فإثبات الجريمة في الفضاء الإلكتروني يتطلب تتبع بيانات رقمية قد تكون موزَّعة على خوادم في دول متعددة، أو مشفرة، أو قابلة للتلاعب. كما أن الحفاظ على سلامة الأدلة وضمان عدم تغييرها يمثل تحديًا تقنيًا وقانونيًا في آن واحد.

المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت لا يمكن حصرها في طرف واحد

على جانبٍ آخر، تطرح مسألة الاختصاص القضائي المكاني (مكان وقوع الجريمة) إشكالية إضافية، إذ يُرتكب الفعل في دولة، وتأثيره يقع في دولة أخرى، بينما توجد الشركة المالكة للمنصة في دولة ثالثة. هذا التداخل يطرح إشكالات تتعلق بالاختصاص المكاني للمحكمة الجنائية الدولية الذي يُلزمها بالنظر فقط فى الجرائم التي تقع فى أراضي دولة طرف فى اتفاقية روما، أو الدول التى تقبل باختصاص المحكمة.

وقد تُرتكب جريمة على أراضي دولة عبر شبكة الإنترنت من على متن سفية تتبع دولة أخرى، باستخدام شبكة فى دولة ثالثة، وهو الأمر الذى يفرض تعزيز التعاون الدولي، وتطوير آليات قانونية أكثر مرونةً تسمح بملاحقة الجرائم الرقمية ذات الطابع الدولي.

 لا يمكن حصر المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت في طرف واحد بشكل مطلق، فالمستخدم يظل في كثير من الحالات المسؤول المباشر، لكن دور الشركات، والأفراد العاملين فيها، لا يمكن تجاهله. ومع تطور التكنولوجيا، قد يصبح من الضروري إعادة النظر في الإطار القانوني الدولي، بما يسمح بمساءلة أكثر شمولًا وفاعلية.

الخلاصة، الفضاء الرقمي وإن كان يفتح آفاقًا جديدة أمام البشرية ويدعم حقوقًا مثل الحق فى المعرفة وحرية الفكر والتعبير، فإنه في الوقت نفسه يخلق تحدياتٍ غير مسبوقة أمام العدالة الجنائية الدولية. وبينما تسعى القوانين المحلية لبعض الدول إلى مواكبة هذا التطور، يحاول الآن مجتمع القانون البحث عن الإطار القانوني القادر على مواجهة الجرائم الأشد خطورة وتحديد المسؤولية الجنائية عن الجرائم الدولية التى تُرتكب في أو عبر الفضاء الرقمي.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.