Gemini
تكوين مولد بالذكاء الاصطناعي يرمز لتأثير الخوارزميات في الحروب العسكرية الميدانية

عسكرة التقنية| حرب تديرها الخوارزميات

منشور الاثنين 27 نيسان/أبريل 2026

ركزت في المقال الأول من هذه السلسلة على الجذور التاريخية لنشأة الإنترنت في دوائر وأغراض عسكرية، وهنا أتناول كيف تحولت الشركات الكبرى للتقنية إلى مقاولي حرب.

اليوم يُصنع القرار العسكري داخل بنية تتجاوز غرفة العمليات. سلسلة كاملة تمتد من السحابة ومنصات دمج البيانات وشركات الرقائق وصور الأقمار الصناعية وعقود الدولة وتمويل رأس المال المخاطر تتضافر لتنتج ما كان يبدو في السابق قرارًا سياديًا صِرفًا.

وبينما كانت الأرباح تأتي في الاقتصاد العسكري التقليدي عن طريق المعدن والوقود والذخيرة وخطوط الإنتاج الثقيلة، ينتقل حاليًا جزء متزايد من القيمة إلى من يستطيع تحويل الفيض الهائل من الصور والإشارات والسجلات إلى خريطة تفاعلية ترصد وتحدد الأهداف وتسهل على القادة تدمير الأهداف بضغطة زر. هذا ما دفع وزارة الدفاع الأمريكية إلى إطلاق برنامج Project Maven، فالدولة لم تعد تشتري قطعة عتاد فحسب، لكنها تشتري وعدًا بتقليص زمن اتخاذ القرار. من هذه النقطة بدأت السوق تتوسع. 

من الدبابة إلى السحابة

لماذا لا تكفي مناشدات تحسين السلوك مع عمالقة التكنولوجيا؟

حين أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في ديسمبر/كانون الأول 2022 عقود القدرة السحابية المشتركة للعمليات القتالية/Joint Warfighting Cloud Capability لأربع شركات كبرى، أمازون وجوجل وميكروسوفت وأوراكل، كان ذلك تأكيدًا على أن السحابة صارت جزءًا من البنية السيادية للقتال. هي المكان الذي تُدمج فيه البيانات وتُدار الصلاحيات، وتُنقل التطبيقات من المقرات الاستراتيجية إلى الحافة الأقرب لمسرح العمليات.

يحوّل إدراج هذا المستوى من البنية في العقود العسكرية شركاتِ التكنولوجيا الكبرى إلى مقاولي حرب من نوع جديد، حتى لو بقيت لغتها التسويقية مدنية ظاهريًا.

يفسر هذا أيضًا صعود قطاع تقنيات الدفاع في أوساط رأس المال المخاطر، إذ تُظهر بيانات S&P Global ارتفاعًا حادًا في جولات الاستثمار بالشركات الدفاعية الناشئة خلال السنوات الأخيرة، مع بلوغ عدد الصفقات ذروته في 2024 وارتفاع القيم إلى مستويات قياسية في 2025. 

ما يلفت النظر هنا هو تبدّل المزاج الاستثماري، فالقطاع الذي كان يُوصف بالبطء والارتهان للبيروقراطية الحكومية صار يُقدَّم بوصفه مجالًا قابلًا للنمو السريع، لأن المنتج لم يعد دبابةً تنتظر دورة تصنيع طويلة، بل منصة برمجية يمكن تحديثها وتكرار بيعها ونقلها بين حلفاء وأسواق متعددة.

تظهر هذه القابلية للتكرار بوضوح في صعود شركات مثل Palantir، التي لا تبيع جهازًا واحدًا بقدر ما تبيع بيئةَ قرار متكاملةً تجمع البيانات وتنسقها وتقدمها في واجهات تسمح بالاستهداف والتخطيط والربط بين الاستخبارات والعمليات. وحين أعلن الناتو في أبريل/نيسان 2025 إتمام التعاقد على Maven Smart System NATO لاستخدامه داخل قيادة العمليات في الحلف/Allied Command Operations، كان المشهد أكثر دلالةً من كونه مجرد صفقة جديدة، فالأداة نمت داخل البيروقراطية العسكرية الأمريكية وتحوّلت إلى منتج قابل للتصدير داخل حلف كامل.

البنية التحتية الخفية

كل هذا البناء ينهار سريعًا إذا ما أتى ذكر التقنية أو الذكاء الاصطناعي كأنه طبقةٌ برمجيةٌ معلقةٌ في الفراغ. الخوارزمية تحتاج جسدًا يتمثل في رقائق متقدمة، ومراكز بيانات، وكهرباء، وتبريد، وشبكات نقل، وكابلات بحرية، وأقمار صناعية، وموانٍ، ومورّدين موزعين عبر قارات.

يقدَّر تقرير وكالة الطاقة الدولية عن الطاقة والذكاء الاصطناعي استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بنحو 415 تيراواط/ساعة في 2024، مع توقعات بتجاوزه 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030. بلغةِ الأمن، كل وعد بالذكاء الاصطناعي يمر من خلال بنية طاقة ضخمة وقابلة للتعطل والاستهداف، بالتالي فإن تعطّل الكهرباء أو التبريد أو الربط الشبكي يعني تقلّص "ميزة القرار" مهما بلغت جودة النماذج.

خصص الناتو شبكة معنية بحماية البنية التحتية تحت البحر في اعتراف بأنها أضحت موضع تنافس أمني

تضيف الرقاقة الإلكترونية طبقة أخرى من الهشاشة، وتشير تقارير الأكاديميات الوطنية الأمريكية ومواد وزارة الدفاع عن "الميكروإلكترونيات الموثوقة" إلى أن الأنظمة العسكرية الحديثة تعتمد على مزيج من العتاد التجاري المتقدم والرقائق المتخصصة، وأن الاعتماد على سلاسل توريد عالمية يمثل تحديًا استراتيجيًا مستمرًا. 

كما يتحول النقاش حول أشباه الموصلات إلى مسألة أمن قومي وتفوق عسكري، فمن يملك القدرة التصنيعية يملك سقف السرعة الحاسوبية، ومن يملك القدرة على تقييد التوريد أو تصديره يملك قدرةً غير مباشرة على رسم حدود الأداء في الحرب الخوارزمية. 

يمتد الأمر إلى الكابلات البحرية العابرة للقارات. الناتو نفسه خصص في 2024 شبكة معنية بحماية البنية التحتية تحت البحر، في اعتراف بأن الكابلات والأنابيب أضحت موضع تنافس أمني.

إدارة السكان

هنا يضيق الفاصل بين الحرب والأمن، فالشركات التي تبيع منصات دمج بيانات للجيوش تبيع أدوات مماثلة لوكالات الهجرة والشرطة. Palantir تقدم المثال الأوضح على هذا العبور، حيث تُظهر وثائق مركز معلومات الخصوصية الإلكترونية/Electronic Privacy Information Center عبر دعاوى حرية المعلومات، إلى جانب مواد تفسيرية وحقوقية نشرها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية/American Civil Liberties Union حول علاقة الشركة بسلطات الهجرة الأمريكية، كيف استُخدمت أنظمة مثل ICM، وهو نظام لإدارة التحقيق في القضايا، وFALCON، وهو منصة للبحث في قواعد بيانات متعددة وربطها وتحليلها، في التحليل والتتبع والبحث داخل قواعد بيانات ضخمة في سياق إنفاذ قوانين الهجرة.

كيف غيّرت تكنولوجيا المُسيّرات الحرب في الشرق الأوسط

المنطق التشغيلي واحد تقريبًا؛ جمعٌ متباين للمعلومات، وربط آلي بين سجلات متفرقة، ثم إنتاج ملف مخاطر أو قائمة أولويات. 

في فلسطين المحتلة تبدو هذه الصلة بين العسكري والمدني أكثر كثافة، لأن الأداة الواحدة تعمل في فضاء يمزج السيطرة العسكرية بإدارة السكان. ويوثق تقرير منظمة العفو الدولية عن "Automated Apartheid" استخدام تقنيات التعرف على الوجوه، بينها نظام "Red Wolf"، في نقاط تفتيش بمدينة الخليل، حيث تُستخدم الصورة البيومترية لتقرير المرور والمنع والاشتباه. وهذا يقود إلى سؤال: مَن يُنتج القيمة البشرية اللازمة لتحسين هذه المنظومات؟

الحرب مختبرًا

لكي تتعلم الأنظمة العسكرية في ظروف حقيقية تحتاج لبيانات يصعب توليدها خارج الحرب؛ صور حرارية تحت تشويش، سلوك مسيّرات يتغير باستمرار، مدن مدمرة، كثافة سكانية عالية، وضوضاء استخبارية متراكبة. هذه الندرة هي ما يجعل بعض الجبهات أعلى قيمة للشركات والدول التي تريد تحسين نماذجها.

يمكن فهم هذه العملية عبر مفهوم استعمار البيانات، وهو أطروحة تعتبر أن الرأسمالية المعاصرة توسع قدرتها على اقتطاع الحياة نفسها وتحويلها إلى قيمة قابلة للتراكم. وحين تسقط هذه الفكرة على الحرب الخوارزمية يظهر أن بعض السكان لا يُقتلون أو يُراقَبون أو يُهجَّرون فقط، بل يُزج بهم أيضًا، قسرًا، في دورة تحسين نماذج الذكاء الاصطناعي. 

التجربة البشرية تحت النار أو تحت المراقبة أو عند الحدود تتحول إلى مادة تدريب. لا موافقة هنا ولا تبادل متكافئ، بل علاقة قوة تُنتزع من الواقع البشري الذي يعاد إنتاجه في صورة منفعة عسكرية وتجارية. غزة تقدم المثال الأشدَّ حساسيةً، لأن النزاع هناك ارتبط بتحقيقات صحفية وحقوقية بشأن استخدام أدوات رقمية في تحديد الأهداف وتقدير ما إذا كان الشخص أو الموقع أو توقيت الضربة يقع ضمن عتبات مقبولة لدى الجيش الإسرائيلي.

الدولة المعاد تركيبها تقنيًا

لم تعد التكنولوجيا أداة محايدة، بل أصبحت ساحةً للصراع نفسه

الحديث عن "الشركات" بصيغة مجردة يطمس حقيقة أن هذه المنظومات يرسمها مهندسون، ويختبرها محللون، ويصمم واجهاتها مطورون، ويبرر عقودها مديرون وفرق قانونية. لم يكن غريبًا إذن أن يظهر اعتراضٌ داخل شركات التكنولوجيا نفسها في لحظات مفصلية. 

احتجاجات موظفي Google ضد Project Maven عام 2018 كانت نقطةً مبكرةً أظهرت أن شريحةً من العاملين في الصناعة لم تعد ترى العمل الدفاعي مسألةً عاديةً أخلاقيًا أو مهنيًا.

ساهمت الضغوط في قرار الشركة عدم تجديد العقد، ومن ثم انتقل مركز ثقل الاحتجاجات من عقود تحليل الصور المحددة إلى عقود البنية التحتية الأوسع.

يكشف مشروع نيمبوس/Project Nimbus هذا التحول، فالمشروع الذي رست مرحلته الأساسية في 2021 على Google وAmazon قُدم في الخطاب العلني بوصفه انتقالًا حكوميًّا واسعًا إلى السحابة داخل إسرائيل، مع تأكيد رسمي على بقاء البيانات ضمن البنية المحلية. لكن هذا الطابع الإداري الظاهر لم يمنع تصاعد اعتراضات داخلية بشأن ما يمكن أن تتيحه هذه البنية من قدرات تحليلية ورقمية للدولة وأجهزتها. 

وحين تصاعدت الاحتجاجات في 2024، انتهى الأمر بفصل 28 موظفًا في Google، ثم تلت ذلك شكاوى عمالية وبيانات من اتحاد عمال Alphabet.

ما تكشفه هذه الواقعة هو حدود الاحتجاج الداخلي حين يصبح العقد الحكومي نفسه أصلًا استراتيجيًّا داخل نموذج الأعمال. خطوط المقاومة من الداخل واضحة. الموظف يستطيع أن يكشف، وأن يعطل مؤقتًا، وأن يرفع التكلفة الأخلاقية وتكلفة السمعة، لكنه في الأخير يعمل داخل سوق تكافئ التوسع في العقود السيادية، وفي شركات ترى في الدفاع والأمن والحدود مسارًا مستقرًا للإيرادات حين تتباطأ قطاعات أخرى.

المسألة تحتاج إلى أدوات أخرى ربما مثل وجود شفافية تعاقدية، وحماية فعلية للمبلغين والمعترضين، ورقابة برلمانية وقضائية، ومعايير واضحة تفصل بين ما يمكن أن تقدمه الشركات من حوسبة عامة وما يتحول منها إلى جزء مباشر من سلسلة الاستهداف أو المراقبة السكانية.

المسألة تزداد صعوبة عندما نناقش المسؤولية في حال انهيار نظام دمج بيانات في لحظة حرجة أو أن ينتج النموذج قائمة اشتباه مبنية على مدخلات فاسدة؟

ذلك لأن الدولة نفسها تتغير تحت أثر هذا التحول، فحين تعتمد المؤسسة العسكرية على منصات تملكها شركات خاصة، أو على عقود سحابية متعددة المورّدين، أو على صور تأتي من أقمار صناعية تجارية، فإنها تعيد ممارسة سيادتها عبر السوق. 

هذا ترتيب مختلف عن الخصخصة الكلاسيكية. الدولة لا تنسحب لكنها تعيد بناء قدرتها من خلال أطراف خاصة باتت تَعرف تفاصيل تشغيلية لا تقل أهمية عن المعرفة التي تملكها البيروقراطية العسكرية. 

المسألة هنا تزداد صعوبة عندما نناقش المسؤولية في حال انهيار نظام دمج بيانات في لحظة حرجة، أو أن ينتج النموذج قائمة اشتباه مبنية على مدخلات فاسدة، إذ تتوزع المسؤولية على نحو يسمح لكل طرف بالتخفف من العبء السياسي، بينما تبقى النتيجة النهائية شديدة الوضوح على الأرض.

التراكم الهادئ 

في الحروب السابقة، كانت صورة التفوق العسكري تبدو أوضح وأسهل في الفهم؛ سلاح أكثر دقة، قوة نارية أكبر، ومنظومة اتصالات أكثر كفاءة. أما اليوم، صار جزء كبير من التفوق مرتبطًا بشيء أقل ظهورًا للعين وأكثر تأثيرًا في مجرى العمليات، وهو القدرة على إدارة البيانات بسرعة وثبات. فالمؤسسة العسكرية التي تستطيع جمع المعلومات من مصادر متعددة، وربطها، وترتيبها، وتمريرها في الوقت المناسب، تملك أفضلية حقيقية في الميدان. 

من هنا أصبحت المنافسة تدور حول تقليص زمن التحليل، وتسريع الربط بين المجسات وقواعد البيانات، وتحديث النماذج باستمرار مع تغيّر الظروف. ومع تصاعد قيمة السرعة داخل هذا المشهد، يتراجع الميل إلى التمهل، وتتعرض المراجعة البشرية لضغط متزايد، لأن كل تأخير قد يُنظر إليه بوصفه تعطيلًا للتدفق المطلوب في لحظة حساسة.

تمتد آثار هذه التقنيات إلى ما هو أبعد من ساحة القتال لأن كثيرًا من أدوات الدفاع الحديثة تتحرك بسهولة بين الحدود 

هذه الدينامية لا تغيّر أدوات الحرب فقط، إنما تعيد تشكيل طريقة عمل المؤسسات نفسها، فالتعبيرات المتداولة مثل تسريع القرار ودمج البيانات والعمل على الحافة تتحول تدريجيًا إلى قواعد تنظيمية تؤثر في أساليب الإدارة والإنفاق وخطط الشراء وتوزيع المسؤوليات داخل المؤسسة. يحدث هذا التحول بصورة تراكمية وهادئة إلى أن يصبح التراجع عنه أكثر صعوبة مع مرور الوقت. 

في السياق نفسه، تمتد آثار هذه التقنيات إلى ما هو أبعد من ساحة القتال، لأن كثيرًا من أدوات الدفاع الحديثة تتحرك بسهولة بين الحدود والمطارات والمنشآت الحيوية ومراكز القيادة الشرطية. هكذا تدخل الخبرة التي تولدها الحرب إلى الحياة اليومية في صورة أنظمة أمن حضري ومراقبة سكانية، فتغدو التكنولوجيا جزءًا من شبكة أوسع تعيد تنظيم العلاقة بين الأمن والمدينة والسكان.

واللغة التي تفصل بين "حالة استثنائية" في الحرب و"إدارة عادية" في الداخل تفقد إقناعها كلما تقدمت هذه الصناعة. الأداة التي تتعلم من الجبهة لا تنسى ما تعلمته عندما تنتقل إلى المعبر الحدودي أو نظام الفرز الاجتماعي. إنها تحمل معها تصورًا عن السكان بوصفهم مجموعات قابلة للتصنيف، وعن الفضاء الرقمي مصفوفة مخاطر، وعن الوقت قبل التحقق البشري. حين تستقر هذه اللغة داخل المؤسسات المدنية، تتبدل طريقة الحكم نفسها، لأن الإدارة تبدأ في استعارة منطق الحرب.

من يقرِّر مصير الأداة؟

هذه النقطة تساعد أيضًا في فهم موقع العمال داخل الشركات. الاعتراض لا يخرج فقط من رفض مساعدة جيش بعينه، بل من إدراك أن ما يُبنى تحت مسمى السحابة أو الذكاء الاصطناعي المؤسسي يمكن أن ينتقل بين الاستخدامات بسرعة لا تتيح للعامل التحكم فعلًا في مصير ما كتب أو صمم. 

مسيَّرة شاهد الإيرانية

المهندس الذي يشارك في أداة تصنيف أو بنية تخزين أو نظام وصول قد يُقال له إنه يعمل على منتج عام، ثم يكتشف لاحقًا أن هذه العمومية نفسها هي ما يمنح المنظومة قوتها التجارية، أي قابليتها للاستخدام في الحرب والشرطة والهجرة دون إعادة بناء جذرية. الاحتجاج داخل الشركات يرتبط إذن بسؤال مهني صميم "ما الذي أعمل على بنائه فعلًا، ولمن، وتحت أي شروط؟".

تحويل هذا السؤال الفردي إلى قوة تنظيمية يظل صعبًا، فالشركات العملاقة تعلمت كيف تمتص الاعتراض الجزئي وتعيد تأطيره في لغة "الاختلاف الداخلي" أو "الفصل بين الآراء الخاصة والعمل المهني"، وتسمح لها ضخامة العقود الحكومية وندرة المنافسين القادرين على تقديم البنية نفسها بأن تتعامل مع الاعتراض كتكلفة محتملة. 

والمفارقة أنه كلما اتسع اعتماد الدولة على حفنة من المورّدين، ازداد نفوذهم، وازدادت صعوبة الضغط عليهم من الداخل وحده، ليحتاج النقاش إلى الانتقال من أخلاقيات الفرد إلى هندسة السلطة نفسها، بدايةً ممن يراجع العقود، ومن يفرض الإفصاح، ومن يحمي الرافضين، ومن يقرر أن بعض القدرات لا يجوز تسويقها أو تصديرها وحتى سؤال ملكية كل هذه الأدوات والبيانات والتقنيات.

حدود النقاش الدولي

عند هذا المستوى، يصبح السؤال عن الحرب الخوارزمية سؤالًا عن شكل العالم الذي يُبنى تحتها. نحن أمام صيغة محدثة مما سماه دوايت أيزنهاور قبل ستة عقود "المجمّع العسكري الصناعي" لكن مع تبدل مركز الثقل.

ذلك المجمع الذي كان يدور حول مصانع السلاح والبيروقراطية الدفاعية والإنفاق العام، أصبح في النسخة الخوارزمية أوسع وأشد مرونة، المستثمرون فيها صناديقُ تبحث عن نمو سريع، والمنتج منصة قرار تُحدَّث باستمرار، والبنية ليست فقط قواعد ومنشآت حكومية بل سحابة تجارية وكابلات بحرية وأقمار خاصة ومراكز بيانات موزعة، لتبدو عبارة "مجمّع الحرب-التكنولوجيا" أقرب إلى وصف مرحلة تجمع الدولة بالسوق والبيانات والطاقة والفضاء في دورة واحدة.

هذه الدورة تفسر لماذا صار النقاش الدولي حول "الأسلحة الذاتية" أضيق من أن يحيط بالمشكلة كلها، رغم أهميته. قرارات الأمم المتحدة والنقاشات الحقوقية حول التحكم البشري وحدود الأتمتة تظل ضرورية، لكنها تلتقط جانبًا واحدًا من المشهد، هو لحظة الضغط على الزناد أو ما يسبقها مباشرة. 

ما يفرضه هذا المشهد ليس رفضًا للتكنولوجيا، بل إعادة ترتيب للسؤال السياسي. وما دام القرار قد صار سلعة، فإنه لا يمكن ترك مسألة الرقابة عليه لشركات تقول إنها تقدم بنية عامة، ولا لدول ترى السرعة قيمة بحد ذاتها، ولا لمستثمرين يبحثون عن عائد أعلى من عائد القطاعات المشبعة. 

المطلوب حدود واضحة بين الحرب والأمن، وبين البنية الحاسوبية العامة والبنية المصممة للفرز عالي المخاطر، وحق المجتمعات في المعرفة والمساءلة. دون هذه الحدود، سيبقى من يربح بعيدًا عن ميدان الحرب، وسيبقى من يُجرَّب عليه أقرب إلى النار، وسيواصل من يبني الآلة العمل داخل دورة تعرف كيف تحوّل الدم والبيانات إلى منتج جديد.