
القضاء الصهيوني نموذجًا لهوس الإبادة.. متى نتحرك ونهاجم؟
قراءة في حكم المحكمة العليا الإسرائيلية بتقنين الجرائم في غزة ومسارات المواجهة الدولية
تخيّّل معي هذا العنوان يحتل صدارة الأخبار: محكمة مصرية تقضي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وتخيّّل أن هذه المحكمة استدعت في حيثيات حكمها، بعض الفتاوى الدينية ضد التطبيع، مثل تلك التي صدرت عن الأزهر عام 1956، بعدم جواز الصلح مع إسرائيل شرعًا، باعتباره صلحًا مع "المعتدي الغاصب" فيه إقرار بأحقية موقفه.
هل يمكن تصوُّر الهجوم الذي ستتعرض له السلطة والقضاء بعد هذا الحكم، من خارج مصر وداخلها، والاتهامات بخلط السياسة بالقانون، واستغلال الدين في كليهما، واعتناق معتقدات دينية لم يعد لها مكان في عصرنا، ودعم الإرهاب، ومغازلة الإسلام السياسي.
هناك من يرى فعلًا أن طرح معاهدة السلام في استفتاء شعبي، أو إحالتها إلى مجلس النواب للنظر فيها، أو رفع دعاوى قضائية بشأنها أمام مجلس الدولة بغية الوصول إلى المحكمة الدستورية العليا، سيناريوهات ممكنة نظريًا لتهديد إسرائيل ومجابهة تحرشها المستمر بمصر، الذي يتخذ صورًا لا نهائية.
فهل أدعو لإقحام القضاء أو استغلاله في ذلك؟ قطعًا لا. فالأضرار التي سبّبتها السياسة ينبغي أن تتحمل السلطة السياسية مسؤولية إصلاحها كاملة. والشعب ينتظر من السلطة السياسية وحدها تصحيح المسار وعلاج التشوّهات التي أصابت عقل مصر ومقوّماتها واقتصادها وجاهزيتها في عقود السلام البارد.
كما أن الأسباب الإنسانية والوطنية والسياسية والاقتصادية التي تدفع إلى مراجعة علاقتنا بإسرائيل اليوم، تتجاوز التفسيرات الدينية لشروط إعلان الحرب أو الجنوح للسلم. علمًا بأن نظام السادات كان سبَّاقًا إلى استغلالها في اتجاه معاكس، ترويجًا للمصالحة بين "دولة العلم والإيمان" والمشروع الصهيوني.
إفرازات واحة الديمقراطية
ما جعلني أفكر في هذا السيناريو التخيلي هو الحُكم الذي أصدرته المحكمة العليا الإسرائيلية، الخميس الماضي، برفض الالتماسات الحقوقية للسماح بدخول المساعدات إلى غزة.
إنه مهزلة كاملة، وسُبَّة في جبين العدالة ومنصات القضاء حول العالم. أتمنى لو أستطيع طباعة نسخة مترجمة منه أصفع بها وجه كل عربي متصهين أو ساذج، يحاول إقناعنا أن الكيان الصهيوني واحة للديمقراطية وللفصل بين السلطات والامتثال لحكم القانون.
شارَك في إصدار الحكم ثلاثة من أبرز القضاة الإسرائيليين الحاليين؛ يتسحاق أميت رئيس المحكمة، وناعوم سولبرج وديفيد مينتز، ليضربوا معًا عرض الحائط بمبادئ القانون الدولي التي تُلزم دولة الاحتلال، وفقًا لقرارات محكمة العدل الدولية الصادرة العام الماضي، أن تتصرف باعتبارها سلطة الاحتلال الفعلية القائمة في غزة، رافضين تطبيق القانون الدولي الإنساني وقواعد الاحتلال الراسخة منذ بداية القرن العشرين، في تنصل مما يترتب على احتلالها أراضي الغير من مسؤوليات إنسانية وتنفيذية تجاه الشعب المُحتل، زاعمين أن حركة حماس هي التي تدير غزة وأنها لم تفقد قدرتها على الحكم.
رفضت حكومة بنيامين نتنياهو الامتثال لتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب بغزة، لأسباب من بينها "تمتُّع إسرائيل بقضاء مستقل قادر على مراقبة أعمال الحكومة". وفي مذكراتها التي طالبت بغلق التحقيقات ووقف ملاحقة نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت، كررت الولايات المتحدة والمجر والأرجنتين هذا الادعاء، الذي من شأنه إذا نجحت إسرائيل في إثباته أن ينفي اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر القضية.
لكن الحكم الأخير يكشف كيف تحاول إسرائيل، بمختلف سلطاتها، مجابهة الوعي المتنامي عالميًا بخطر الإبادة الجماعية، إذ لا يمكن قراءته إلَّا في سياق رد الفعل على توجه القضاء الدولي لإدانة الجرائم الصهيونية ضد الإنسانية وملاحقة مرتكبيها. تزعم الحيثيات أن "إسرائيل نسّقت الاحتياجات اللوجستية والأمنية لضمان إدخال المساعدات الإنسانية بشكل متكرر وواسع النطاق، وأن العديد من الجنود والقادة قد تفانوا ليل نهار من أجل إيصال المساعدات، متجاوزين ما هو مطلوب وما تفرضه الالتزامات الدولية، إلى حد المساس بفاعلية بعض العمليات العسكرية".
تقنين التمرد على الشرعية الدولية
ثم تحاول المحكمة العليا "المستقلة" تكريس سردية مغايرة لما ترسَّخ في ذاكرة الملايين، ووثقته التقارير الأممية والقرارات القضائية الدولية، بادعاء أن حماس "القاتلة والوحشية" لم تتردد في استهداف أماكن توزيع المساعدات، والاستيلاء على الشحنات لاستغلالها في عملياتها.
ويكتب القاضيان سولبرج ومينتز ما يُفهم منه أن إدخال المساعدات محض تفضُّل من جيش الاحتلال "فلا يوجد أساس قانوني يلزم بتقديم مساعدات كبيرة أو مواد يمكن أن تستخدم بشكل مزدوج، قد تصل إلى أيدي حماس" معتبرين أنه "لا اختصاص للقضاء" في الرقابة على ما تُقدِّره الحكومة والجيش على ضوء الظروف الميدانية.
إن الصفحات الستين للحكم تضرب في مقتل أي ادِّعاء إسرائيلي، سابق أو لاحق، أمام القضاء الدولي، باستقلال قضائها المحلي. إذ تنضح كل صفحة باعتناق كامل لسردية نتنياهو وقياداته العسكرية، مع تغييب كامل لدفوع الملتمسين، علمًا بأن الدعوى أقيمت بعد شهرين من صدور قرار محكمة العدل الدولية الأول باتخاذ تدابير مؤقتة من بينها وقف الاعتداء والتحريض وتوفير الخدمات الأساسية ودخول المساعدات.
لكنَّ الحكم فاضحٌ أيضًا للذهنية المسيطرة على قطاع غير هيِّن من القضاة، إذ يُخفي الزي الرسمي تطرفًا دينيًا متجذّرًا، ينطلق من العقلية المهووسة ذاتها التي كتبت على جدران السجون وغرف الاحتجاز وقمصان الأسرى الفلسطينيين "الشعب الأبدي لا ينسى. ألاحق أعدائي فأهلكهم ولا أرجع حتى أبيدهم" واستعادت روايات العهد القديم عن حرب العماليق مستبشرة بالإبادة النهائية.
يُسهب القاضي مينتز في رأيه الخاص بالحكم، في التأصيل للعدوان الحالي على غزة باعتباره من صور "حرب الوصايا/ الأمر/الميتزفاه מלחמת מצווה"، وهي حرب يؤمن المتدينون بوجوب خوضها من أجل الحفاظ على الدولة اليهودية من الشرور التي تهددها، وتختلف عن حالة أخرى هي حرب الإذن، وفيها تكون الدولة في طور التعاظم وتوسيع الحدود. ولا تشترط الشريعة اليهودية في حرب الوصايا أن يحصل الملك/الحاكم/القيادة على إذن لخوضها، بينما تُعلِّق القتال في حرب الإذن التوسعية على موافقات ذات صبغة دينية.
يرى القاضي إذن أن هذه الحرب من صور حرب الوصايا لأنها "ضرورية لوجود شعب إسرائيل، مصممة لحمايتهم وإنقاذهم من محاولات الإهلاك"، مستندًا إلى تفسيرات العديد من الحاخامات لتصنيف عمليات حماس كـ"حالة طوارئ تقتضي إنقاذ الأمة".
ثم يتطرق إلى مساعدة الأبرياء من الشعوب المعتدية وأعداء إسرائيل، موردًا تفسيرات دينية متنوعة منها ما يسمح بترك "قناة واحدة لمن يريد الهروب في حالة الحصار الكامل لمدينة" ومنها ما يرى أن "من لم يهرب من منطقة القتال يمكن التعامل معه بقسوة"، طالما كانت الحرب ردًا على عدوان بدأه الخصم!
مهووس بدرجة قاضٍ مرموق
على العكس من زميليه آميت وسولبرج اللذين اكتفيا في شبابهما بالخدمة في الجيش، التحق مينتز بعدما قدم مع عائلته من بريطانيا مطلع السبعينيات بنظام هسدر الذي يجمع بين الدراسات التلمودية والخدمة العسكرية على مدار خمس سنوات، ويسمح بالتحاق اليهود الأرثوذكس بالجيش مع مواصلة الدراسة الدينية في نحو سبعين معهدًا موزعة على الأراضي المحتلة.
وليصل إلى ما يدعم رؤيته بعدم تدخل القضاء في التقديرات العسكرية لمساعدة الفلسطينيين في غزة، أورد مينتز تفسيرًا لأحد الحاخامات بأن "قرار السماح للمحاصرين في حرب الوصايا بالهروب يخضع لتقدير قادة الجيش والحكومة وحدهم"، واستند إلى فتوى أصدرها حاخام آخر عام 2013 "تجيز الخروج عن قاعدة عدم الإضرار بالسكان المدنيين في حالات الخطر المحدقة بالجنود الإسرائيليين، فلا مجال للقياس بين عدد جنودنا الذين قد يُقتلون في الحرب، وعدد مواطني دولة العدو الذين يكرهون إسرائيل وقد يدفعون ثمنًا للحرب".
ويختتم مينتز رأيه الذي يُنهي حيثيات الحكم بأن "إسرائيل تعيش في خضم حرب وصايا/ميتزفاه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكدولة يهودية حية فهي ملزمة بالدفاع بقوة عن سيادتها وأمنها ومصالحها الوطنية، وحتى إذا كان هناك أساس لتقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين (الفلسطينيين) غير المشتركين في القتال، فإنه ليس التزامًا واسعًا أو غير محدود، ولا يُستغل لإدخال مساعدات قد تصل إلى العدو لاستخدامه ضد بلدنا".
كم يثير السخرية أن توصف العبارات السابقة بأنها "حيثيات حكم قضائي مدني" أصدرته أعلى محكمة في دولة تدعي أنها ديمقراطية خاضعة لسلطة القانون؟! أليس من باب الهزل أن تستخدم نصوص وشروح دينية، وتصريحات عسكرية، في "حيثيات حكم قضائي"، لاستنتاج أن القضاء غير مختص بالرقابة على تقدير حجم المساعدات، واعتبار ذلك من أعمال السيادة الخارجة عن اختصاصاته.
هذا بالضبط عينُ إقحام القضاء في السياسة واستخدام الدين فيهما، لتقنين الخروج على الشرعية الدولية!
عودة إلى زمن العماليق
دخلت محكمة الصهاينة العليا الموضوع بكل قوتها وفصّلته وشرّحته بكل ما حُمِّل به أعضاؤها من عنصرية دينية وعرقية وانحيازات سياسية، لينتزعوه من سياقه الآني في القرن الحادي والعشرين، نحو زمن الأساطير. وبعد أن انتزعوا ما يتعلق بحقوق الإنسان والواجبات التي تمليها أسمى الاتفاقيات الدولية، لفظوه مجددًا كشأن حربي خالص، يرى الشعب الفلسطيني في غزة بأكمله أهدافًا عسكرية مستباحة.
هنا يصبح الربط منطقيًا بين أسباب هذا الحكم، والشعار الذي رفعته الحسابات الحكومية الإسرائيلية العام الماضي "لا أبرياء في غزة"، ووضعها إلى جانب تصريحات وزراء نتنياهو عن إلقاء قنبلة نووية في غزة، وإعدام الأسرى، واستخدام سلاح التجويع كـ"تكتيك مبرر".
لا أظن أن وثيقة قانونية أو قضائية أعطت تعريفًا أكثر فجاجة للإبادة.
ثم ماذا حصل؟ هل قامت الدنيا ولم تقعد؟ هل تحولت هذه الفضيحة القضائية إلى حديث منصات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام والمنتديات القانونية؟ هل اتُّهم القضاة أصحاب العقليات العسكرية بالهوس الديني والعرقي؟ أبدًا. مجرد اهتمام عربي محدود لبضع ساعات وانتهى الأمر قبل أن يتحول إلى تريند.
هل أدركت الآن لماذا علينا أن نفكر في السيناريو التخيلي للمحكمة المصرية وهي تقطع العلاقات مع إسرائيل؟
تصوّر كيف كان سيتصرف الكيان الصهيوني، ومن خلفه اللوبي الصهيوني، في أمريكا وأوروبا؟ اتهامات معلّبة بمعاداة السامية وحملات شيطنة كاملة واستهداف للاقتصاد والعلاقات الخارجية. ثم عشرات البيانات والمقالات، بل والرسائل النقدية والعلمية، ستصدر في عجالة لرصد هذا المنعطف الجديد، وسلسلة من التصريحات السياسية قد تصل حد إعلان فرض عقوبات على القاهرة، ثم ستنعكس على التعامل الدولي مع كل ما يصدره القضاء المصري من أحكام وقرارات، بالوصم والازدراء.
مسارات للفضح والمواجهة
لكن الحكم الكارثي يتيح لأصدقاء القضية الفلسطينية التحرك في ثلاثة مسارات، أولها أنه دليل دامغ على عدم استقلالية القضاء وتهافت ادعاءات الدولة الصهيونية وداعميها أمام القضاء الدولي، مما يدعم جهود ملاحقة مجرمي الحرب سواء في لاهاي أو المحاكم الأوروبية.
والثاني استخدام الحكم والقرارات الحكومية التي أيَّدها، في تحريك طلبات جديدة أمام محكمة العدل الدولية لاتخاذ تدابير مؤقتة تسمح بإدخال المساعدات وفتح المعابر تحت رقابة دولية صارمة، فضلًا عن ضم نفس الوثائق إلى دعوى جنوب إفريقيا أمام المحكمة الجنائية الدولية، كدلائل جديدة على اتجاه الإرادة الصهيونية نحو الإبادة الجماعية.
وأيضًا بالنسبة للطلب الذي تنظره "العدل الدولية" لإصدار فتوى بشأن التزامات إسرائيل تجاه المنظمات الدولية في الأراضي الفلسطينية، يجب تقديم الحكم ضمن المرافعات، كدليل على تعطيل عمل تلك المنظمات ومنعها من أداء مهامها.
والمسار الثالث، والأهم، أن يكون هذا الحكم محور حملة دعائية ودبلوماسية في الولايات المتحدة وأوروبا، وخاصة نيويورك والولايات والمدن التي ينشط فيها اللوبي الصهيوني، تركِّز على فضح أمارات الهوس الديني بالإبادة ومخالفة الاستقلال وقواعد العدالة.
فلنتعامل مع العدو بأسلحته، ليصير هدفًا لعمل متكامل وعابر للحدود والمنصات. ولنجرب مرّة التحول من وضعية الدفاع إلى الهجوم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.