معركة المسجون والسجان في انتخابات "أطباء الأسنان"
ليس لانتخابات التجديد النصفي للنقابة العامة للأسنان، التي تُجرى غدًا الجمعة 24 أبريل/نيسان، من عنوانٍ سوى مرشحها المحبوس الدكتور محمد أسامة في مشهد دالٍ على استمرار التضييق الأمني على العمل النقابي.
إصرار أسامة أصغر المرشحين سنًا على مواصلة خوض المعركة من محبسه بسجن العاشر 6، الذي يقبع فيه منذ 70 يومًا، والتضامن الواسع معه بين صفوف زملائه، يعيد الاعتبار لقيمة العمل الجماعي بعد شيوع الإحباط واليأس وانتشار حالات الانتحار، وصولًا لاضطرار صغار التجار لحرق بضائعهم علنًا تعبيرًا عن فقدان الثقة في استجابة السلطات.
حشد ودعم
هذه الرسالة وغيرها جعلت ترشح أسامة، الذي ينتمي إلى عائلة طبية مهتمة بالعمل العام في الدقهلية، يتخطى أسوار النقابة ويتجاوز أعضاءها الذين يصل عددهم إلى 115 ألفًا، ليكون محور اهتمام قطاع واسع من الشخصيات العامة وقوى سياسية وحقوقية ونقابية طالبت في بيان قبل أيام بالإفراج عن أسامة، وزميلين آخرين من زملائه، داعين الحكومة إلى "فتح حوار جدي مع ممثلي خريجي الدفعات الطبية لحل أزمة التكليف بما يضمن العدالة والشفافية وحق الجميع في عمل لائق".
أسامة، ورفيقاه طبيب الأسنان مصطفى عرابي، وهو للمفارقة عضو أمانة الشباب بحزب مستقبل وطن في محافظة دمياط، والممثل المعتمد لدفعة 2023 في النقابة، والصيدلي إيهاب سامح من الشرقية، ألقي القبض عليهم نهاية فبراير/شباط الماضي على خلفية اعتراضهم على تغيير الحكومة، فجأة، نظامَ تعيين خريجي الكليات الطبية في قطاعات وزارة الصحة، ما يُعرف بـ"التكليف" بدءًا من خريجي دفعة 2023.
لم يقف "جرم" أسامة ورفيقيه، الذي استوجب اتهامهم بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة"، عند هذا الحد، بل سعوا إلى تنسيق الحراك بين خريجي كليات طب الأسنان والصيدلة والعلاج طبيعي المتضررين من القرار، وكانت البداية اعتزامهم حضور جلسات التقاضي ضد قرار الوزارة معًا!
ورغم ما طال الأطباء الثلاثة، فإن حملة عودة التكليف الكلي لم تجهضها الحملة الأمنية. على العكس، تصاعدت ووصلت طلبات إحاطة عديدة للبرلمان تدافع عن نظام التكليف الذي يوفر لـ5300 وحدة رعاية صحية في القرى المعزولة والنائية جيشًا من الأطباء، هي في أمس الحاجة إليه. كما يشهد مجلس الدولة يوم 4 مايو/أيار المقبل جلسةَ المرافعات الأخيرة في القضية المرفوعة من دفعة 2023 ضد قرار وزارة الصحة.
الأهم أن صمود أسامة في محبسه دفع قطاعًا واسعًا من أطباء الأسنان للانشغال بالمعركة الانتخابية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، اعتبرها الدكتور محمد بدوي الأمين العام الأسبق للنقابة "معركة الكرامة"، داعيًا للتصويت وبكثافة لأسامة، بل وجه رسالةً إلى المرشحين المحسوبين على أحزاب الموالاة، وخص بالذكر المرشح الدكتور أمين مهنيي حزب مستقبل وطن بالدقهلية، ونقيب أطباء أسنان الدقهلية السابق حاتم الجندي، والمرشح أمين النقابات المهنية بحزب الجبهة الوطنية بالإسكندرية ونقيب أطباء أسنان الإسكندرية الحالي، وليد الديب، نصها؛ "فيه أوكازيون إخلاءات سبيل، فلو فيه حد له أمارة بحجم الصفات المكتوبة في الانتخابات دي فيه اتنين زملا لينا فيهم واحد مرشح معاكم ومعاهم زميل صيدلي، محبوسين، كل مشكلتهم التكليف، اللي يقدم أمارة ويسعى في خروج العيال دي يبقى حقه المقعد".
لم ينحصر التعاطف غير المسبوق مع الأطباء المحبوسين الثلاثة في الكادر المحلي، ووصل إلى الطيور المهاجرة التي دعت لدعم أسامة، وكتب الطبيب محمد خورشيد؛ "كنت قررت أبتعد عن العمل العام والنقابي لأسباب عديدة، لكن في ظل الظروف التي يمر بها الدكتور محمد أسامة والدكتور مصطفى عرابي، ولأني خارج مصر ومش هعرف أشارك بصوتي، يصبح من الواجب الإنساني أن نقف بجانبهم ولو بالدعم المعنوي".
أبعد من "الأسنان"
يتجاوز حراك خريجي الكليات الطبية (أسنان وصيادلة وعلاج طبيعي) دفعة 2023 ضد قرار الحكومة الصادم والمفاجئ بالتكليف الجزئي المطلب النقابي، ويشير بوضوح إلى الآثار الاجتماعية السلبية للسياسات الاقتصادية للحكومة، فتقليص عدد العاملين بالدولة هي أحد شروط صندوق النقد لإقراض الحكومة الغارقة في دوامة الديون، بهدف خفض بند الأجور في الموازنة العامة على حساب حق العمل، مما يعني، ضمن أشياء أخرى، التخلص من سياسة التكليف المستقرة منذ عام 1961، التي توفر للأطباء فرصة مدفوعة الأجر لاكتساب مهارات فنية وميدانية، وإنجاز دراساتهم العليا خلال عامي التكليف.
اللافت كذلك أن مشاهد تحدي القبضة الأمنية والانتصار لقيم التضامن، وإن تراجعت في السنوات الأخيرة، ليست جديدةً على نضال العاملين بأجر، ففي عام 1999 اعتقل الكاتب الصحفي مجدي أحمد حسين بسبب معارضته للتطبيع الزراعي، وخاض انتخابات نقابة الصحفيين من محبسه، وكاد يحقق المفاجأة ويفوز لكنه خسر بفارق بسيط حوالي مائة صوت. وفي عام 2017 فاز كلّ من الصحفيين عمرو بدر وجمال عبد الرحيم بعضوية مجلس النقابة، على الرغم من أنّهما كانا يواجهان اتهامات تستوجب الحبس.
وألقت الشرطة القبض على بدر من مقر النقابة بناءً على ضبط وإحضار أصدرته النيابة العامة، وهو ما أثار أكثرية من الصحفيين احتجوا ونظموا فعاليات رفضًا لاقتحام النقابة في سابقة هي الأولى في تاريخها الممتد منذ 75 عامًا، وأحيل نقيب الصحفيين وقتئذ يحيى قلاش وعبد الرحيم الذي كان يشغل منصب السكرتير العام للنقابة وخالد البلشي وكيل النقابة إلى المحاكمة بتهمة إيواء بدر وصحفي آخر هو محمود السقا في مبنى النقابة ونشر أخبار كاذبة تفيد باقتحام المبنى.
وقبل أيام، اعتبر خالد البلشي الذي أعيد انتخابه نقيبًا للصحفيين العام الماضي حكم براءة 9 من صحفيي "البوابة نيوز" وعضوي مجلس النقابة محمود كامل وإيمان عوف في القضية المتهمين فيها بسب وقذف إدارة "البوابة نيوز"، انتصارًا للممارسة النقابية الحرة ضد الانتهاكات بحق العاملين.
والعام الحالي، رفض المهندسون الخضوع لإملاءات أحزاب الموالاة، وقاوموا سياسة الحشد الحكومي بانتخاب محمد عبد الغني نقيبًا لهم في مواجهة الوزير الأسبق هاني ضاحي.
لا يمكن فهم تنامي الغضب وسط المهنيين بمعزل عن تأثير الانهيار الكبير في سعر الصرف والتضخّم المُفرط الذي أكل قدرتهم الشرائية، وانحدار السواد الأعظم منهم إلى ما دون خطّ الفقر، بالتوازي مع الانهيار التام للخدمات العامة الأساسية، التي كانت الدولة تدعمها.
في هذا السياق، انتخاب طبيب الأسنان محمد أسامة وحصوله على مقعد مستحق في مجلس إدارة نقابته العامة، وخروجه مع رفيقيه للحرية، رسالة مقاومة لسياسات الظلم الاجتماعي والانفراد بالقرارات والبطش الأمني، ورسالة دعم للعمل الجماعي والتضامن تعيد للنقابة وجمعيتها العمومية وجودها وتأثيرها، وجرس إنذار أخير، لوزارة العمل والاتحاد الحكومي اللذين يسعيان إلى تجميل صورة الحكومة في مؤتمر منظمة العمل الدولية. الواقع أبلغ إنباءً من الكتب، وكما يقال قد تستطيع أن تخدع الناس بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع خداعهم كل الوقت.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
