برخصة المشاع الإبداعي: زينب محمد، فليكر
الشاطئ التابع لفندق العلمين في سيدي عبد الرحمن، الساحل الشمالي 2014

أثرياء مصر فقراء العالم

منشور الأربعاء 29 تموز/يوليو 2026

في 2019 زرت العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيرس. مدينة رائعة الجمال كثيفة الأشجار. ميادين واسعة ومبانٍ أوروبية كلاسيكية. يمر نهر لابلاتا الشهير حذاء المدينة، لا يخترقها، لا تظهر ضفافه في أغلب الأماكن للمارة والسائرين أو تؤثر في تفاصيل حياتهم اليومية، كحال المصريين مع نهر النيل.

لهذا السبب لم تتحول المناطق المطلة على "لاباتا" إلى مناطق سياحية، ربما باستثناء منطقة بويرتو ماديرو، التي تطل منها أبراجٌ شاهقة ترى منها مجرى النهر الشاسع.

ما أدهشني وأنا أتجول في هذه المنطقة لأول مرة، أن غالب الأبراج السكنية بدت خالية من أي علامات على الحياة أو وجود سكان، اللهم بعض أفراد الأمن القابعين على المداخل! فسألت صديقي الذي قادني إلى هذا الجزء من المدينة عن السبب، ليخبرني بأن سكّان هذه الأبراج في الغالب أجانب يأتون لزيارة المدينة أيامًا معدودة في السنة، إذا أتوا أصلًا. 

أُنشأت هذه الأبراج ضمن مخطط لإعادة تخطيط لبويرتو ماديرو. وهي لا تستهدف أبناء العاصمة الأرجنتينية بقدر ما تستهدف الأجانب الذين يأتون لزيارة المدينة أيامًا معدودة من السنة أو لا يأتون مطلقًا، فيما يُعرف لدينا بتصدير العقار، وذلك بالنظر إلى أن الوحدات العقارية بها هي الأعلى سعرًا في المدينة، وربما ضمن الأعلى عالميًّا.

لم تخلُ ثرثرة الأرجنتينيين بالطبع من حديث عن طبيعة مشتري تلك الوحدات الفاخرة، الذين قلما يظهرون في المدينة لأن غرضهم الاستثمار لا السُكنى. البعض يقول إنهم من أمراء الحرب في الشرق الأوسط، والبعض الآخر يتحدث عن أعضاء في المافيا الروسية، بينما يذهب فريق ثالث إلى أن الطلب يأتي من بارونات المخدرات من البرازيل وفنزويلا وبيرو.

بغض النظر عن دقة هذه المعلومات، فإن حال المنطقة الصغيرة يعكس واحدًا من نماذج لعنة تسليع السواحل والهوس بتصدير العقار، التي إن أصابت الأرجنتين بشكل عارض، فإنها في مصر باتت مرضًا متأصلًا.

هي قضية تعود إلينا في كل صيف، مع موجة الهجرة إلى الساحل الشمالي. ربما الجديد في الأمر أن تداعيات سياسات "تصدير العقار" تفاقمت حتى أصابت الشرائح الغنية من المصريين. هذا ما يمكن استنتاجه من متابعة الجدال الأخير حول طريقة إدارة منتجع مراسي في سيدي عبد الرحمن. 

فما الذي تقوله التجربة العالمية عن مستقبل الساحل الشمالي؟ وهل تفوق مزايا تصدير العقار أضراره أم العكس؟

سيناريوهات تصدير العقار في مصر 

منطقة بوريتو ماديرو في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، 2018

اللافت في ترند مراسي الذي سيطر على السوشيال ميديا مؤخرًا، أن الشكوى فيه قادمةٌ من فئات لديها قدر من النفوذ، ولا تمانع مبدأ تسليع الشواطئ وفرض رسوم مرتفعة على السياحة الساحلية لقدرتها على الاستهلاك.

لكن حتى أبناء هذه الطبقة صُدموا بتسعيرٍ عالٍ لخدمات داخل الشاطئ، ما حوَّل أمرًا بسيط مثل نزول البحر؛ إلى عبءٍ ماديٍّ مرهقٍ حتى بالنسبة لمستويات دخولهم المرتفعة.

تعكس هذه الواقعة طبيعة ما ينتظرنا مع المضي قدمًا في سياسة تصدير العقار، من سيناريوهات عدة ستحوّل كلها الساحل الشمالي لمنتجع يستهدف الأجانب، بشكل أساسي، بالتالي ستُستبعد منه العديد من الشرائح، بما فيها أغنياء القوم.

طغى هدف تصدير العقار على الخطاب الحكومي قبل بضع سنوات، وصولًا إلى تأسيس منصة لتسهيل عمليات التسويق للأجانب ضمن استراتيجية وطنية. وليس بخافٍ أن صفقة رأس الحكمة خطوةٌ عملاقةٌ في هذا الاتجاه، إذ إن تسويق الوحدات العقارية للأجانب كان في صلب المشروع الذي يقوده المطور العقاري؛ شركة أبو ظبي التنموية القابضة.

هذا يعني أنه آجلًا أو عاجلًا ستؤول بعض الوحدات المباعة في الساحل الشمالي إلى ملاك أجانب انطلاقًا من قاعدة الزبائن في الإمارات، التي حتمًا لن تقتصر على أبناء البلد الشقيق (وهم يمثلون بالكاد 10% من إجمالي السكان هناك على أي حال)، بل ستمتد لتشمل جنسيات شتى من العالم بأسره تيمنًا بنموذج دبي، التي قدّرت دراسةٌ صدرت مؤخرًا أن 43% من إجمالي قيمة الوحدات العقارية مملوكة لأجانب، 68% منهم لا يقيمون في المدينة أصلًا.


طرد الأغنياء 

سيكون من حسن طالع عوام الأغنياء المصريين أن يكتفي مشترو الوحدات العقارية هناك بالاستثمار لا السكن والإقامة، أو حتى الزيارة في الصيف. ربما يعاد ساعتها إنتاج نموذج بويرتو ماديرو في بوينوس آيرس؛ أبراج شاهقة وشقق فاخرة مباعة لأجانب غير مقيمين.

أما إن نجح مشروع رأس الحكمة وأخوته القائمة على الاستثمارات الإماراتية والقطرية (والسعودية لاحقًا) في تطوير الساحل ليصبح مقصدًا سياحيًّا، ربما على غرار موناكو أو مدن السواحل الشمالية للمتوسط في فرنسا وإسبانيا، ساعتها لن يكون هناك مفر من إعادة تخطيط وتطوير الساحل بما يغير من استخداماته، ولن يكون هذا إلا باستبعاد الشرائح ذات الدخل المرتفع من المصريين. 

سيمثل هذا تغيُّرًا جوهريًّا في نمط حياة الفئات الغنية من الطبقات العليا والشرائح العليا من الطبقات المتوسطة، التي اعتادت على السياحة المحلية. ومع الترويج للساحل الشمالي كساحل عالمي؛ يصبح تكرار ظواهر مثل تسعير الخدمات بالدولار أمرًا طبيعيًا، ولن يقدر حتى الأكثر ثراءً على مجاراة نمط السياحة العالمية. اللهم إلا إذا لجأوا إلى الساحل القديم ليعيدوا تطويره هو الآخر لأغراض السياحة المحلية.

الساحل مصدرًا للعملة الصعبة

كيو أر كود للبحر في مراسي بالساحل الشمالي

لن يكون هذا بالضرورة أمرًا سيئًا بالنسبة للاقتصاد ككل، وإن استغلب استغلال الساحل في إنشاء منتجعات خرسانية تُهجر كل السنة عدا شهرين على الأكثر  الكثيرَ من النقد مرارًا وتكرارًا من زوايا كثيرة، لعل آخرها مقال سلمى حسين الذي وصفه بالتنمية العرجاء.

لكن التحول إلى استخدام الساحل وموارده لتوليد مكتسبات بالعملة الصعبة، سواء من خلال تصدير العقار أو بالتحول من السياحة المحلية إلى السياحة الدولية، سينعكس إيجابًا على الاقتصاد الكلي، وسيكون وسيلةً أفضل على الصعيد المالي على أقل تقدير.

المشكلة أن نعتبر "تصدير العقار" نموذجًا شاملًا لتحقيق التنمية، ليس فقط بسبب مخاطر عدم استقرار التدفقات الناتجة عنه، إنما لتعارض الاستثمار العقاري مع التنمية في أكثر من نقطة فهو مثلًا لا يوفر وظائف مستقرة للمشتغلين فيه.

إضافةً لكل ما تجادلنا فيه سابقًا حول خطورة المراهنة على تصدير العقار حلًا لمشكلاتنا الاقتصادية الراهنة، تكشف أزمة مراسي عن وجه جديد لمشكلات هذا النمط وهو تعميق عملية الاستبعاد من الموارد الطبيعية في مصر.

سيكون من الطريف أن تُستبعد الشرائح الأعلى دخلًا في مصر، مقابل تحقيق عوائد مالية أكبر للدولة عبر إعادة تعريف الاستخدامات المكانية، على عكس أشكال الاستبعاد السابقة التي رأيناها مثلًا في محاولات تنمية مربع ماسبيرو وغيرها من المناطق التي أصابت الطبقات الأقل دخلًا.

لسنوات طويلة ظلَّت الشرائح الأعلى دخلًا في مأمن من الاستبعاد الناجم عن مخططات "إعادة التخطيط والتطوير"، فهل حلَّ دورهم ليقفوا إلى جوار الفقراء خارج أسوار الكمباوند من أجل أن "تحيا مصر"؟