عن القابضين على الجمر في مراسي
لم يكن الكيو آر كود هو القضية، ولم تكن خناقة على دخول الشاطئ.
ولو تعلق الأمر فقط بمن دخل ومن مُنع، أو بمن يملك الحق ومن تجاوزه، لما استمرت القصة كل هذه الأيام، ولما تحولت إلى حديث البيوت والمقاهي والسوشيال ميديا. فمثل هذه الخلافات تحدث كل صيف، في مصر وخارجها، وتنتهي عادة باعتذار أو توضيح أو قرار إداري.
لكن ما حدث في مراسي كان لحظةً كشفت شيئًا أكبر بكثير.
في السنوات الأخيرة، لم تبع شركات التطوير العقاري شققًا أو فيلات فقط، إنما كانت تبيع حلمًا، تبيع أسلوب حياة، تبيع صورة لعائلة تمشي في شوارع هادئة، وأطفال يركضون بأمان، وشاطئ نظيف، وخدمات لا تنتهي، ومجتمع مختلف.
الملاك من جانبهم لم يشتروا أمتارًا من الخرسانة فقط، إنما مكانة اجتماعية ولايف ستايل. لذلك، عندما وقعت أزمة داخل هذا الحلم، لم يتعاملوا معها باعتبارها مشكلة عابرة، إنما بوصفها مساسًا بما دفعوا ثمنه.
من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
في أغلب الأسواق، تنتهي العلاقة بين البائع والمشتري بمجرد تسليم المنتج. لكن في العقارات، العلاقة تبدأ بعد التسليم.
المطور لا يختفي بعد البيع. يظل موجودًا من خلال الإدارة، والخدمات، واللوائح، والرسوم، والقرارات اليومية التي تؤثر في حياة آلاف الأسر.
على هذا الأساس، ليست العلاقة بين الطرفين علاقة بائع ومشترٍ، إنما هي شراكة طويلة، وأي خلل فيها يتحول بسرعة إلى أزمة ثقة.
ربما لهذا السبب خرجت شكاوى بعض ملاك مراسي إلى العلن. لم تقف كلها عند واقعة الشاطئ، إنما عبرت عن شعور متراكم لدى البعض بأن هناك أسئلة لم تجد إجابات واضحة؛ ماذا يحق للمالك؟ وما الذي يظل من حق الشركة؟ وأين تنتهي الإدارة؟ وأين تبدأ الملكية؟
في مقابل هذا، يرى كثيرون أن الحفاظ على مستوى أي مشروع سياحي أو سكني لا يكون إلا بقواعد صارمة تُطبق على الجميع، وأي تهاون في التنظيم يضر بالمكان نفسه وبالاستثمار الذي دفع فيه الملاك أموالهم.
الرفاهية قبل الإسمنت
تغيرت سوق العقارات في مصر، بينما لم تتغير طريقة التفكير داخلها. قبل عشرين عامًا، كان المشتري يبحث عن شقة. اليوم، يبحث عن مجتمع كامل. يريد الأمن، والنظافة، والخدمات، والخصوصية، والهدوء، وإدارة محترفة، وتجربة معيشية متكاملة.
لم يعد يشتري أربعة جدران. يشتري وعدًا. والوعود الكبيرة تحتاج إلى شفافية أكبر. كلما ارتفع سعر الوحدة، كلما ارتفعت توقعات صاحبها. وكلما قيل للناس إنهم يشترون "أسلوب حياة"، يصبح من الطبيعي أن يسألوا عن تفاصيل هذا الأسلوب، وعن القواعد التي تحكمه، وعن حقوقهم داخله، قبل أن يسألوا عن مساحة الفيلا أو عدد الغرف.
ربما لهذا السبب تحديدًا لم يتعاطف الناس مع طرف واحد في الأزمة. كل شخص رأى فيها نفسه. هناك من قال: لو اشتريت بيتًا بملايين الجنيهات، فمن الطبيعي أن أعرف حقوقي كاملة، وأن تكون القواعد واضحة ومستقرة ولا تتغير مع الوقت. وهناك من رد: ولو تركنا كل شخص يفعل ما يشاء، فسنفقد السبب الذي جعل الناس تدفع هذه الأسعار من الأساس.
هذا الجدل لا يتعلق بمراسي وحدها. إنه يتعلق بكل المجتمعات السكنية المغلقة، وبكل مشروع يَعِد الناس بحياة مختلفة. ففي النهاية، ليست المشكلة في وجود لوائح، بل في وضوحها وعدالتها، وفي طريقة تطبيقها، وفي وجود مساحة للحوار عندما يشعر أحد الأطراف بالضرر.
يمتد الأمر إلى نقاش أوسع حول حق مجموعة ما في احتكار جزء من البحر لأنها تملك المال بينما يحرم الباقون
اللافت في هذه الأزمة ليست الفيديوهات، ولا البيانات، ولا التعليقات، إنما سرعة تحولها إلى قضية رأي عام. فخلال ساعات، أصبح ملايين المصريين يناقشون قواعد الدخول إلى شاطئ داخل منتجع خاص تصل سعر الوحدة فيه إلى عشرات الملايين.
قد يبدو الأمر غريبًا، لكنه في الحقيقة يعكس شيئًا مهمًا، العقار في مصر لم يعد مجرد استثمار، إنما أصبح جزءًا من النقاش الاجتماعي. كل أسرة تقريبًا لديها قريب اشترى وحدة، أو يحلم بشرائها، أو يدفع أقساطها، أو ينتظر استلامها، أو تراقب وترصد الفارق الضخم في الرفاهية بين هذه المجتمعات المغلقة التي يسمعون عنها ويرون تفاصيلها على فيسبوك وتطل عليهم يوميًا في المسلسلات وبين مجتمعهم الذي ينتمون إليه.
لهذا أيضًا لم يكن النقاش عن الشاطئ فقط، كان عن العلاقة بين الشركات والعملاء، وعن معنى الملكية، وعن حدود الإدارة، ثم يمتد الأمر إلى نقاش أوسع حول حق مجموعة ما في احتكار جزء من البحر لأنها تملك المال بينما يُحرم الباقون.
علاقة غامضة
الأزمة تستحق أن تكون فرصة للمراجعة. ليس من أجل إصدار أحكام على طرف أو الانتصار لطرف آخر، إنما لإعادة التفكير في العلاقة بين المطور العقاري والعميل. هل العقود واضحة بما يكفي؟ هل اللوائح تصل إلى المشتري قبل التعاقد بنفس الوضوح الذي تصله به الكتيبات الدعائية؟ هل توجد آليات سريعة لحل الخلافات قبل أن تتحول إلى ترند؟ هذه الأسئلة لا تخص مشروعًا بعينه، بل تخص صناعة كاملة أصبحت واحدة من أكبر الصناعات في الاقتصاد المصري، ويعتمد عليها ملايين المشترين والمستثمرين.
تحتاج شركات التطوير العقاري إلى أن تنفق على خدمة ما بعد البيع، وعلى التواصل مع الملاك، وعلى بناء الثقة، بالقدر نفسه الذي تنفق به على الإعلانات الضخمة واللوحات المنتشرة على الطرق.
العقار أصبح بالنسبة للمصريين أكثر من مجرد مكان للسكن. بالنسبة لكثير من الأسر بات أكبر استثمار في العمر. سنوات من العمل، ومدخرات، وقروض، وأقساط تمتد لعشر سنوات أو أكثر. لذلك، من الطبيعي أن يكون المالك حسَّاسًا تجاه أي قرار يشعر أنه يؤثر في قيمة ما يملك أو في طريقة استخدامه له. وفي المقابل، من الطبيعي أيضًا أن تسعى الشركة إلى حماية المشروع الذي بنت عليه سمعتها. المشكلة تبدأ عندما يشعر كل طرف أنه يدافع وحده عن مصلحته، بينما تغيب المساحة التي تجمع بين الحقين.
العميل الذي يشتري اليوم لا يقارن بين تصميمين فقط، بل يقارن بين تجربتين. تجربة شركة يشعر معها أنه شريك، وتجربة أخرى يشعر فيها أنه مجرد رقم في قاعدة بيانات.
وفي سوق أصبحت فيها المنافسة شرسةً، قد لا يكون أجمل شاطئ هو الذي يحسم القرار، بل قد تكون أفضل إدارة، وأوضح قواعد، وأسرع استجابة، وأكبر احترام للعميل.
ربما تنتهي أزمة مراسي خلال أيام، وربما تُطوى صفحتها مع ظهور قضية جديدة، لكن الدرس سيبقى. في زمن تزيد فيه المنافسة على جودة الحياة، لم يعد كافيًا أن تبني مشروعًا جميلًا. الأصعب هو أن تحافظ على ثقة من اختاروا أن يعيشوا فيه. فالعمارات يمكن بناؤها في سنوات. أما الثقة، فتحتاج سنوات لتُبنى، وقد تكفي أزمة واحدة حتى تبدأ في التصدع.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

