توطين المرض في الطبقات الأفقر.. تصوُّرات واستدلالات
في أمور الصحة والمرض تعتمد احتمالات التحسُّن والشفاء إلى حدٍ بعيدٍ على مقدار الرعاية المقدمة، وتوفُّر أدوات التشخيص، وسهولة الحصول على العلاج. المستشفيات والمصحَّات التي تحمل صِفة "المجانية" عاملٌ مؤثرٌ وشديدُ الأهمية في تحديد اتجاهات المرض ومآلاته، وفي السيطرة على النتائج وتحسين التوقعات؛ خصوصًا حين يتعلق الأمر بالطبقات الدنيا التي تتحصَّل على قوتها بالكاد، وتُفضل أن تتحمَّل الأوجاع والأعراض؛ كي توفر دخلها لأوجه إنفاق أخرى تبدو أهم وأجدى مثل التعليم.
للأمراض العضوية والاضطرابات النفسية نسب مئوية معروفة، ولانتشارها في طبقة معينة أو نوع اجتماعي أو سن محددة ما يمكن تمثيله باستخدام الجداول الإحصائية والمنحنيات البيانية، وإتاحته للمتخصصين والمهتمين؛ لكن ماذا إذا تغيرت الصورة لسبب أو آخر، وماذا لو تراجعت على سبيل المثال الأحوال الاقتصادية بصورة ملحوظة، واتسعت المسافات التي تفصل جموع الناس عن بعضها البعض فتحولت إلى فجوات وهوات؟ مثل هذا التغيير لا بد وأن ينعكس على هيئة علامات فاضحة، تدمغ صورة المجتمع وتشوه الحصاد. قد لا تتأتى ملاحظة هذه العلامات مبكرًا؛ لكنها تنمو في الظل بسرعة، ولا تلبث أن تتضخم وتخرق الحُجُبَ وتعلن عن نفسها بقسوة.
صُورة مُتخيَّلة شبه حَقيقية
العيادات التي درج أطباؤها على استقبال المرضى متواضعي الحال؛ تتنكر وتتبدل. المشهد القديم يحوي أمهات فقيرات، دبرن ثمن المواصلات بالكاد أو استدن كي يحملن أطفالهن، ويحظين بدقائق ثمينة لعلهن يتحصلن خلالها على تشخيص سليم، ثم يقمن بجولة إضافية لصرف الدواء، ويغادرن ممتنات، آملات في رأب الصدع وتدارك العلة، ورؤية الصغير وقد صار عفيًّا يتحرك ويتكلم ويتصرف مثله مثل أولاد الجيران والزملاء.
المشهد الجديد مختلفٌ تمام الاختلاف. سيارات متوسطة القيمة تقف أمام العيادات نفسها، يشعر الناظر إليها بحرجها واستحيائها. تحمل الزبائن؛ لكنهم هذه المرة ليسوا من أفراد الطبقات الدنيا الذين اعتاد المكان على استقبالهم. هم أشخاص مُستجَدُّون على الفقر، مُستوحِشون في شعورهم بالحاجة، عجزوا عن ممارسة الطقوس والعادات التي ألفوها؛ لم يعد بمقدورهم الذهاب إلى الطبيب في عيادته الخاصة؛ فلجأوا إلى الخدمات "المجانية" التي صارت بدورها مدفوعة الأجر.
المبنى واحد، والخدمة المُقدَّمة واحدة، وعدد التذاكر المباعة واحد أيضًا؛ لكن المشهد مغاير وحزين، إذ يكشف عن غير قصد غياب فئة من البشر عن الصورة، وحلول فئة أخرى مكانها؛ كلتاهما بائسة تنعى حظها، وتبحث عن الغوث. هناك في الغرف التي تأكل جدرانها الفاقة تقبع أمهاتٌ لم يتمكن من تدبير ثمن ركوب الحافلة العامة أو أجرة التوكتوك والميكروباص، وعجزن بالتالي عن اصطحاب أبنائهن وبناتهن لتلقي العلاج، وعن توفير ثمن الجلسات التي قد تساعد الأطفال في ممارسة حياة عادية، ومتابعة الدراسة، والحصول على قسط ولو ضئيل من فرص التقدُّم والترقي، وهنا أمام مكتب الطبيب؛ يجلس أبٌ خجلان من وجوده، وأم تواري احمرار وجهَها، تطأطئ رأسها، تنظر بعيدًا، وتلعن اليوم الذي اضطرت فيه للتنازل عن بعض كبريائها وطرق أبواب المُدعَّم والمجان.
في المشهد الجديد يعاد توزيع المرض توزيعًا طبقيًا لا جدال في قسوته وإجحافه. نسبة من الناس تختفي من الإحصاءات والتقارير، تُحسَب في تعداد الأصحاء؛ بينما معاناتها تتجاوز الممكن والمقبول. نسبة تُحرَم من مجرد الجَّهر بمرضها والشكوى من الأعراض، ويُنتزَع منها حقُّ التداوي مثلما انتُزِعَت حقوقٌ أخرى لا أول لها ولا آخر، ويبدو أن اختفاءَها الكامل يُجمّل الصورة ويجعلها أكثر نصاعةً.
وَجَع النفس ووَجَع الجَسد
في الأفق يمكن العثور على شواهدَ غير مباشرة لعملية توطين بعض الأمراض العضوية أيضًا، بين الطبقات الأكثر عوزًا وفقرًا. على مدار الأعوام الأخيرة، يخلو باب الاجتماعيات العريق بجريدة رسمية شهيرة من مباركة خطبة، أو تهنئة بمولود جديد، أو حتى احتفاء بنجاح؛ لكنه يعجُّ بإعلانات مُوجَّهة للراغبين في التبرُّع بالكُلى، مَشفوعة بفصيلة الدم ووسيلة التواصل، ويُوضع تحت كلمة "التبرُّع" هنا ألف خط وثلة من علامات الاستفهام.
الفقير المُصاب بداء الفشل الكلوي يُستبعَد في صَمت من المشهد إذ تتكاثف العوامل والأسباب التي ترجح اختفاءه
الدعوات التي تحتضنها الجريدة مرآة، تعكس عملية التمايز الطبقي المُخيف في نطاق المرض؛ حيث تترسخ عللٌ بعينها وربما تصبح حكرًا على شريحة تعسة من الناس؛ فالقادر على نشر إعلان باهظ الثمن، يعفيه ما أتى بثماره من وطأة الغسيل المتكرر والمضاعفات المتوقعة؛ هو شخصٌ ميسورُ الحال دون شك، بينما الساعي للتنازُل عن كليته؛ هو بالتأكيد الفقير الذي لا يملك غيرها.
ربما يُشفى الأول، وتمضي حياة الثاني كدأبها على الحافة، أما عن الثالث؛ أي الفقير المُصاب في الوقت ذاته بداء الفشل الكلوي، فيُستبعَد في صَمت من المشهد؛ إذ تتكاثف العوامل والأسباب التي ترجح اختفاءه، ولا بأس في هذا المقام بالتنويه إلى أثر البيئة المتردية التي تحيط به، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى تكريس حال التفرقة والتباعد، فما بين غياب كامل لمصدر مياه نظيفة صالحة للشرب يستخدمها قسم لا بأس به من الناس، وبين الزجاجات الرائقة التي تخوض عمليات معقدة للتنقية من الشوائب والتصفية والتجويد لتبتاعها قلة قليلة؛ ما بين هذه وتلك تتعاظم الفجوات حتى لتتمزق أوصال القاعدة المشتركة التي يقف المجموع عليها، وتصبح لكل فئة أو شريحة قاعدة مستقلة؛ تمضي في سبيلها بمعزل عن الأخرى.
توزيع وإعادة توزيع
من المفهوم والمتوقع أيضًا أن تتحوَّل الطبقات الدنيا إلى مَرتع خصب، تنمو فيه العلل وتزدهر. من المفهوم أيضًا أن ترتفع معدلات الإصابة ببعض الأمراض العضوية التي تحفزها الظروف السلبية وتدعمها، خصوصًا مع تراجع جودة الغذاء لصالح ما يسد الجُّوعَ ويسكته.
أما عن الاضطرابات النفسية التي تصيب الأطفال؛ فكثيرها ينشأ دون وجود أسباب وعوامل بيئية قاطعة، وغالبًا ما تتساوى معدلات الإصابة في مختلف الشرائح الاجتماعية والطبقات؛ لكن الاستجابة ومحاولة التعامل مع الأعراض وفحص الطفل وتقييمه؛ خطوات تحيد تمامًا عن فكرة التساوي، وينحرف مسارها تبعًا للموقع الاقتصادي.
وبينما يمكن من الناحية العلمية الحدُّ من التبعات التي قد تلحق بالطفل، وتُقعِده عن التقدُّم في أيّ مِضمار، وتعطل قدراته إلى ما لا نهاية؛ فإن عدم طلب المساعدة في المراحل المبكرة يخفض الاحتمالات الإيجابية ويزيد من التوقعات السيئة، ويضيف إلى أعباء العائلة المثقلة بهمومها ما يضاعف من ميلها إلى إهمال الموقف العصيب برمته، وتجاهل الطفل بمشكلاته المستعصية، وتوجيه الاهتمام إلى ما يبدو أكثر جدوى وأبسط احتياجًا.
على كل حال، تتكاثر الشواهد والعلامات الدالة، وتتوالد في رحابها تصوُّرات قاتمة يصعب التجاوز عنها، والظن أنها مرشحة للتفاقم والانفجار؛ ما لم يتأت الانتباه لها على النحو المطلوب، وما لم يتسن العمل على انتشال هؤلاء الذين سقطوا من المشهد عفوًا، وخلت منهم الصورة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
