تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
عوامل عدة تتضافر لإنتاج الخرافة في المجتمع

حقيقة واحدة وألف كذبة.. سيرة الدجل من جهاز الكفتة لطائفة العوضي

منشور الخميس 21 أيار/مايو 2026

"كل شِيء أصبح مُزيَّف.. الناس فِ حاجة ليقين، لحقيقة واحدة ثابتة".

مُستطاع الطعزي/أحمد زكي، من فيلم البيضة والحجر (1990) للمخرج علي عبد الخالق


يطلب مُستطاع، الذي أصبح دجالًا محترفًا بعد أن فقد وظيفته في تدريس الفلسفة لاتهامه بالشيوعية، من مساعده أن يأتيه بـ"حقيقة واحدة" عن ضحيته المرتقبة، ليبني حولها صرح أكاذيبه، في مشهد يختزل جوهر ما نعيشه اليوم مع ظاهرة ضياء العوضي.

الحقيقة الوحيدة هي تخلف المنظومة الصحية في مصر. أما الأكاذيب فهي النظام الغذائي الذي أسماه الطيبات، ووعد فيه أتباعه بالشفاء من السرطان والسكري وأمراض المناعة، مقابل الامتناع عن تناول الدجاج والبيض والخضروات، والإقبال المفتوح على السكر والملح والتدخين. لم يكتفِ الرجل بوصف نظامه بأنه علمي، لكن غلّفه بهالة دينية ليُسكِت أي صوت ناقد، محوّلًا الطب إلى عقيدة بديلة.

إنتاج الوهم محليًا وأمميًا

بعد وفاة العوضي فجأة في دبي عن 47 عامًا، وتأكيد السلطات أن الوفاة طبيعية، كان ممكنًا طي الصفحة. لكن حدث العكس، انفجرت الإنفوديميا/الجائحة المعلوماتية، التي تُعرّفها منظمة الصحة العالمية بأنها "فائض من المعلومات، بعضها دقيق وبعضها لا، يجعل الناس في حيرة ويدفعهم إلى سلوكيات خطرة ويفقدهم الثقة في المؤسسات الصحية".

في بلدٍ يتحمل فيه المواطن نسبة تقارب الـ 60% من الإنفاق الصحي من جيبه تصبح زيارة الطبيب أو شراء الدواء رفاهية

اشتعلت السوشيال ميديا بنظريات مؤامرة عابرة للحدود عن شركات الأدوية الكبرى التي اغتالته، وزادت بعض الروايات صناعة الدواجن في المعادلة لأن نظامه كان يحظر الدجاج والبيض. ولم تنجح حملات الإعلام التقليدي الاستنكارية في احتواء الهياج، بل زادت أتباعه تشبثًا به "شهيدًا للعلم" و"مُخلِّصًا" أسكته "الأخ الأكبر" قبل أن يكمل رسالته. وُلدت ما يمكن تسميتها بـ"الطائفة العوضية"؛ جماعة لا يهزها دليل، لأنها لا تبحث عن دواء، بل عن يقين.

تداول أيضًا بعض مريدي العوضي مقاطع مجتزأة للدكتور مصطفى محمود فيها اتهامات لمصنعي الدواء بتعمد إجراء التجارب السريرية في الدول النامية لتصدير أدوية منتهية الصلاحية لنفس الدول. مرة أخرى بناء على خبرتي في هذا القطاع والتي تضمنت التخطيط للتجارب السريرية في كلٍ من أوروبا والأمريكتين وإفريقيا، أؤكد عدم صحة تلك المزاعم، إذ تمر هذه التجارب بمراحل بالغة التعقيد والتدقيق لا تسمح بمثل تلك المزاعم.

صورة تعبيرية للقاح كورونا- - الصورة: Flickr برخصة المشاع الإبداعي

هذه الأزمة ليست مصرية خالصة، وظاهرة الطوائف المعلوماتية المغلوطة ليست وليدة اليوم، لكنها تسارعت خلال جائحة كورونا، ووثّقت الدراسات كيف لعبت المنصات الرقمية والخوارزميات دورًا في إنتاج المغالطات بسرعة غير مسبوقة، مما أدى إلى تراجع الالتزام بالإجراءات الوقائية واللقاحات في قطاعات واسعة من العالم.

في الولايات المتحدة على سبيل المثال، أعلن روبرت كينيدي الابن، الوزير الحالي للصحة والخصم التاريخي للتطعيم، عن إقالة كافة أعضاء اللجنة الاستشارية لسياسات التطعيم في مركز مكافحة الأمراض بحجة تضارب المصالح، ثم أعاد تشكيلها بوجوه معروفة بعدائها للقاحات، مثل الدكتور روبرت مالون ومارتن كولدورف.

وفي ذروة الهجوم على المؤسسة العلمية، عُيّن جاي بهاتاشاريا، أحد مهندسي إعلان بارينجتون الذي دعا إلى مناعة القطيع ورفض الإغلاقات على رأس المعاهد الوطنية للصحة. وصف خبراء الصحة العامة هذه التحركات بأنها ترسيخ لخطاب متشكك باللقاحات وربما أجندة مناهضة لها، محذرين من عواقبها الممتدة على برامج التحصين.

النمط نفسه يتكرر في أوروبا؛ كشفت مراجعة بحثية أجريتها مؤخرًا مع فريق من الباحثين عن عودة مرض المستدمية النزلية من النوع ب أو invasive Hib disease، الذي كان شبه منسي بفضل اللقاحات، في مناطق ما يُعرف باسم "الحزام الإنجيلي" الهولندي، حيث تتركز مجتمعات رافضة للتطعيم.

إنها صورة طبق الأصل مما يحدث في "الحزام الإنجيلي" الأمريكي، المعقل الجغرافي لحركة MAGA المؤمنة بترامب، حيث تنتعش الخطابات المشككة في العلم. وفي كلتا الحالتين، ليس العدو فيروسًا أو بكتيريا فقط، بل اتجاه متزايد نحو التردد في تلقي اللقاحات.

لنأخذ فنلندا كنموذج عكسي، هذه الدولة الإسكندنافية الصغيرة التي تتصدر بإصرار قائمة أسعد دول العالم. مع بداية الجائحة عام 2020، لم تكن الحكومة بحاجة إلى فرض الإغلاق بقوة القانون. خرج مسؤولو الصحة في مؤتمر صحفي وقالوا للناس: ابقوا في بيوتكم. فالتزم المجتمع وبشكل شبه كامل.

مطلوب إصلاح التعليم ليخلق عقولًا قادرة على النقد والفرز لا مستهلكين سلبيين للخرافات

هذا الانضباط الاجتماعي لم يولد فجأة. إنه نتاج عقود من الاستثمار الحكومي في نظام صحي وعادل، وثقة ترسخت بحملات واقعية لا خطابية. مثال ذلك: عند رصد ارتفاع خطر في أمراض القلب والدماغ، أطلقت الدولة برامج جادة هدفت إلى الوقاية الأولية والثانوية بما في ذلك الإقلاع عن التدخين، الذي روج له العوضي، دون أي رد فعل غاضب من السكان، ودون أن يخرج دجال واحد ليقول للناس إن الحكومة تخفي عنكم العلاج الحقيقي.

النتيجة لم تكن أرقامًا على ورق، لكن انخفاضًا في الوفيات الناجمة عن السكتات الدماغية وأمراض القلب التاجية بنسبة بلغت 80%. الثقة نفسها تتجلى من خلال المعدلات القياسية التي حققتها هذه الدولة في الإقبال على التطعيمات. ذلك هو المؤشر الأوضح ليس فقط على مستوى مناعة السكان ضد الأمراض المعدية ولكن على مناعة المجتمع ضد الخرافة.

وهمٌ ينتجه التسلط

قارن ذلك بمصر، في بلدٍ يتحمل فيه المواطن نسبة تقارب الـ60% من الإنفاق الصحي من جيبه، في ظل خدمة صحة عامة متهالكة، تصبح زيارة الطبيب أو شراء الدواء رفاهية.

في الوقت نفسه، يهرب الأطباء جماعيًا؛ 7000 استقالة في عام 2023 وحده، ودراسة من جامعة طنطا تؤكد أن 89% من طلاب الطب يخططون للهجرة بحثًا عن الحياة الكريمة. أضف إلى ذلك أن المصري العادي لا يجد مكانًا لممارسة الرياضة، ويستنشق هواءً ملوثًا، ويأكل طعامًا رديئًا، ويعاني من حساسيات غذائية نادرًا ما تُشخَّص.

في هذا المناخ، يظهر العوضي فيشعر بعض الناس بتحسن، ليس لأن النظام سحري، بل لأنهم ببساطة توقفوا عن تناول بعض مما كان يمرّضهم، وعندما علّقت نقابة الأطباء رخصة العوضي ووصفته بأنه خطر على صحة المواطنين، كان الأوان قد تأخر، وتحول القرار إلى دليل إضافي في عيون مريديه على أن المؤسسة تخفي الحقيقة.

صورة معدلة للواء إبراهيم عبد العاطي الذي زعم اختراعه جهازًا يعالج مرضى الإيدز والسرطان وغيرهم

الأمر لا يتعلق بالعوضي وحده، هو امتداد لسلسلة من الدجالين الذين صعدوا تحت سمع السلطة وبصرها، بل وبرعايتها أحيانًا، أبرزهم إبراهيم عبد العاطي وجهاز الكفتة الوهمي الذي زعم أنه يشفي الإيدز وفيروس سي بتغذية المريض بكفتة مصنعة من ذات الفيروس، وهو ما روّج له إعلاميون وأطباء، وغُطّي في وسائل إعلام رسمية، ووقفت السلطة خلفه، ولم تنكشف الفضيحة إلا متأخرًا.

العوضي مجرد حلقة جديدة في هذا المسلسل، والأخطر أن الظروف التي أنتجته قائمة وتتفاقم. تؤكد الدراسات الحديثة حول فجوة الإنصاف المعلوماتي أن المجتمعات التي تعيش في ظل أنظمة سلطوية هي الأكثر عرضة لانتشار المعلومات المضللة. لنتخيل كيف يخلق هذا الوضع فضاءً يملؤه الدجالون، ومع تآكل الثقة يحوّل كل إعلان رسمي إلى مادة للسخرية وكل تحذير صحي إلى دليل على المؤامرة.

في الحالة المصرية، تتجسد هذه المفارقة بأوضح صورة؛ مليارات الدولارات تُستدان لتشييد عاصمة في الصحراء، بينما يعجز مواطنون عن دفع ثمن دواء، ويختنق الأطفال في فصول دراسية مكتظة.

يتباهى رئيس الدولة بقيادة دراجته في شوارع أُخليت له تمامًا، ويُحاضر الشعب في إنقاص الوزن، بينما لا رصيفًا آمنًا للسير. ليست هذه تفاصيل جانبية، بل صُلب الموضوع، هذه هي "الحقيقة الواحدة" التي سيستند إليها كل عوضي محتمل، هذه هي التربة التي تَنبت فيها الأكاذيب.

لن تكفي قرارات الشطب ولا المنع الإعلامي وحدها لردم هذه الهوة. لن تكفي حملات التوعية ولا بيانات الاستنكار سواء من الإعلاميين أو الأطباء المحسوبين على النظام. أخشى أن لا أحد سيستمع إليهم وإن نطقوا صدقًا.

المطلوب مراجعة صادقة لسياسات عقود من العسكرة التي حوّلت موارد البلاد بعيدًا عن الإنسان. مطلوب إعادة بناء النظام الصحي العام من القاعدة، لضمان ألا يكون المرض مرادفًا للخراب الاقتصادي، والطب منظومة تحقيق ذلك الخراب، مطلوب إصلاح التعليم ليخلق عقولًا قادرة على النقد والفرز، لا مستهلكين سلبيين للخرافات.

وقبل أي شي مطلوب بناء الثقة، وهي عملية بطيئة لا تتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار ليس فقط في صحة الناس بل أعم وأشمل من ذلك، أو ما يعرف في الدول الاسكندنافية بالرفاهية.

حتى ذلك، وطالما بقيت الحقيقة الواحدة قائمة، سيبقى من ينسج حولها ألف كذبة، وسنظل ننتظر "طوائف عوضية" قادمة، قد يكون بطلها القادم أكثر مكرًا، وأوسع انتشارًا، وأشد خطرًا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.