تصميم: أحمد بلال، المنصة
مركب محملة بمهاجرين

أنين الصامتين في قارب مطروح: قسوة الفقر أمضى من البحرِ

منشور الثلاثاء 19 أيار/مايو 2026

قبالة سواحل مطروح، تحرَّك قارب صغير ببطء فوق مياه المتوسط.

السكون والوحشة يسيطران على الأجواء، لا فرق بين القارب الذي يحمل جثث 12 شابًا أسكتهم الموت، والقارب الذي يحمل أحياء أخرستهم الصدمة.

لا أحد يعرف بالضبط ماذا دار داخل القارب في ساعاته الأخيرة. هل تشاجر الركاب على زجاجة مياه أخيرة؟ هل حاول أحدهم إقناع البقية بأن النجدة قادمة، وأن النهاية لا يمكن أن تكون على هذا النحو؟ هل جلس أصغرهم الذي لا تتجاوز سِنُّه الثالثة عشرة يتذكر قبلة أمه الأخيرة ووعده لرفاق الشارع باستكمال دور السيجا المعلق عند عودته؟ هل تخيل أحدهم أن مصيرَه سينتهي جثةً مجهولةً على مركب هجرة متهالك؟

من اختار الطريق؟

المشهد قاسٍ إلى حدٍّ يصعب استيعابه. شباب ماتوا جوعًا وعطشًا في عرض البحر، وهم يحاولون الهروب إلى "حياة أفضل". لكنَّ القسوة الحقيقية ليست طريقة الموت فقط، بل في سؤال: كيف وصل هؤلاء إلى مرحلة يختارون فيها هذا الطريق؟ وهل هم من اختار الطريق أصلًا أم أن الطريق هو من اختارهم.

الهجرة غير النظامية لم تعد مجرد "مغامرة شباب"، إنما أصبحت إعلانًا جماعيًا عن فقدان الأمل.

تجار البشر لا يبيعون رحلة سفر فقط لكنهم يبيعون أملًا أخيرًا

قبل سنواتٍ ارتبط حلم الهجرة بأمانٍ وردية. عمل جيد، شوارع نظيفة، مستقبل أفضل، حياة مستقرة. الآن، لا يملك كثير ممن يركبون البحر حتى هذا الوهم.

الشاب الذي يركب البحر اليوم يعرف جيدًا أنه قد لا يصل. يرى الفيديوهات، يشاهد الجثث الطافية، يتابع أخبار القوارب الغارقة وحكايات الناجين عن فيلم الرعب الذي عاشوه، ويعرف أن البحر لا يرحم.

الشاب الذي يركب البحر اليوم، يعرف جيدًا ما ينتظره على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، هو يقرأ ويسمع ممن سبقوه أن أوروبا تغيرت؛ العنصرية تتنامى، قوانين اللجوء أصبحت أكثر قسوة، وفرص العمل لم تعد كما كانت، وأن كثيرين سبقوهم وعاشوا سنوات في معسكرات أو وظائف مُهينة أو حياة معلقة.

هو يعرف كل ذلك، لكن البقاء بالنسبة له أصبح أكثر رعبًا من البحر.

تجارة الموت المربحة

شبكات التهريب تدرك كل ذلك، تجار البشر لا يبيعون رحلة سفر فقط، بل يبيعون أملًا أخيرًا، يستغلون اليأس، ويحولون البشر إلى أرقام داخل قوارب متهالكة.

شاب يبيع ذهب أمه، وآخر يستدين، وثالث يودع أسرته كأنه ذاهب إلى معركة بلا عودة، ثم يبدأ الطريق الذي ينتهي به في معسكرات لاجئين غالبًا، أو غريقًا في قاع البحر أحيانًا، أو جائعًا على سطحه كما حدث هذه المرة.

لكن تحميل المسؤولية للمهربين وحدهم نوعٌ من الهروب السهل. السؤال الحقيقي ليس من قاد القارب، ومن خطط للرحلة، بقدر ما هو سؤال عن الدافع الذي يقذف بآلاف الشباب داخله. هناك شيءٌ ما انكسر داخل قطاعات واسعة من الشباب المصري والعربي.

إحساسٌ ثقيلٌ بأن المستقبل مؤجلٌ دائمًا، وبأن العمل لا يكفي، وبأن الأحلام شديدةُ البدائية في بيت وزوجة وسيارة وحياة مستقرة تحولت إلى رفاهية بعيدة، ومع الوقت، لم يعد السفر حلمًا بل مجرد محاولة نجاة.

هؤلاء لا يبحثون عن الثراء أصلًا، ولا يبحثون عن أكثر من حياة "عادية"، لكن حين تبدو هذه الأشياء "العادية" مستحيلة، يصبح البحر أقل رعبًا من اليابسة.

لهذا السبب، ربما لن تتوقف قوارب الهجرة، لأن الجثث وحدها لا تردع اليائسين.

الحلول الأمنية لا تكفي

تقول البيانات الرسمية والتقارير الدولية إن مصر نجحت منذ عام 2016 بشكل كبير في تقليص انطلاق أعداد مراكب الهجرة المنطلقة مباشرة من سواحلها بعد تشديد الرقابة وإقرار قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية، حتى أن مسؤولين أوروبيين تحدثوا أكثر من مرة عن تراجع القوارب الخارجة مباشرة من مصر مقارنة بالسنوات الخمس التي أعقبت 2011.

لكنَّ هذا النجاح الأمني لم يُنهِ الظاهرة نفسها، بل غيّر شكلها فقط. فآلاف الشباب المصريين ما زالوا يحاولون الوصول إلى أوروبا عبر مسارات بديلة، خصوصًا من خلال ليبيا، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة العبور الأخطر والأكثر نشاطًا لشبكات التهريب في المنطقة.

الأزمة لم تعد فقط في البطالة بالمعنى التقليدي لكن في اليأس من المستقبل نفسه

الأخطر أن محافظات بعينها أصبحت مرتبطةً اجتماعيًا بفكرة "السفر بأي طريقة"، مثل كفر الشيخ والبحيرة والشرقية والدقهلية والفيوم، حيث تحولت الهجرة لدى بعض العائلات هناك إلى مشروع اقتصادي كامل؛ بيت وذهب يُباع وأرض تُرهن، لتجهيز الآلاف الكثيرة التي يطلبها المهربون. تقول شهادات المهاجرين السابقين إن تكلفة الرحلة الواحدة قد تتجاوز 300 ألف جنيه بعد ارتفاع سعر الدولار وتوسع شبكات التهريب، وهو رقم صادم إذا قُورن بمستوى دخول الأسر التي تدفعه.

مع ذلك تستمر المحاولات، لأن الأزمة لم تعد فقط في البطالة بالمعنى التقليدي، بل في اليأس من المستقبل نفسه.

كثير من الشباب اليوم يعملون بالفعل، لكنْ برواتب لا تسمح بتأسيس حياة مستقرة، وسط تضخم تاريخي وارتفاعات متتالية في أسعار السكن والغذاء والتعليم والعلاج.

لم تعد الهجرة غير النظامية محاولةً للثراء السريع، كما كان يُنظر إليها قديمًا، وتحولت عند البعض إلى محاولة للهروب من شعور بالعجز. لهذا تحديدًا، فإن صور الجثث التي خرجت من قارب مطروح ليست مجرد مأساة بحرية عابرة، بل رسالة قاسية عن حجم اليأس الذي يدفع إنسانًا لأن يركب البحر وهو يعرف جيدًا أنه قد لا يعود.

كل مرة تحدث مأساة مشابهة، ينشغل الناس بالصدمة الأولى؛ عدد الضحايا، صور القارب، تفاصيل الوفاة، منشورات غاضبة وحزينة على فيسبوك، مادة للنقاش تهون أوقات الانتظار في المواصلات، وبعد أيام يعود كل شيء كما كان، ويظهر قاربٌ جديدٌ، وحكاية جديدة، وجثث جديدة.

كل كارثة تصبح ترند عدة أيام، ثم ينساها الجميع، بمجرد ظهور الترند الجديد.

كل جثة خرجت من هذا القارب تحمل حكايةً كاملةً، وأمًا تنتظر، وحلمًا صغيرًا بالحياة، لكن البحر، والحكومة، لا يسمعان الأحلام.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.