غزوة سيزلر.. الحكم بعد الترند
أصبحنا نتعاطي الترندات حتى أدمناها. نستيقظ على ترند، وننام على ترند، وبينهما مئات الأحكام التي نصدرها على أشخاص لا نعرفهم، بناءً على دقائق قليلة من فيديو أو رواية كتبها طرف واحد.
واقعة بسيطة تبدأ بخلاف عابر بين شخصين، ثم تنتقل إلى السوشيال ميديا، فتتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام، وتقسم الناس إلى معسكرين، وتبدأ حملات الهجوم والدفاع، ثم تظهر المطالبات بالمحاسبة والعقاب، وكأننا أمام واحدة من القضايا الكبرى وليس خلاف عابر يحدث بأشكال مختلفة كل يوم وكان ينتهي قبل عصر الموبايلات المرفوعة بـ"ياجماعة استهدوا بالله" و"آدي راسك أبوسها"!
هوس ترند
واقعة مطعم "سيزلر" مثال واضح على هذه الحالة. خلاف داخل أحد الفروع حول صلاة امرأة، يجد طريقه بسرعة إلى السوشيال ميديا، قبل أن تعلن إدارة المطعم فصل مدير الفرع وتقديم اعتذار للمرأة. ثم ظهرت لاحقًا رواية أخرى من مدير الفرع نفسه حول تفاصيل ما جرى.
وبعيدًا عن السؤال حول من المخطئ ومن الضحية، يبرز سؤال آخر أكثر أهمية: متى فقدنا قدرتنا على ترك الخلافات الصغيرة تنتهي في مكانها؟
ليس كل خلاف يحتاج إلى جمهور، وليس كل موقف عابر يحتاج إلى حملة على السوشيال ميديا، وليس كل شخص نختلف معه يجب أن يعاقب.
كان يمكن لواقعة سيزلر أن تنتهي داخل المطعم. شكوى من العميلة، وتحقيق من الإدارة، والاستماع إلى الموظف، ومراجعة كاميرات المراقبة، ثم اتخاذ القرار المناسب.
بين تجاهل الخطأ وبين تحويل كل واقعة إلى محاكمة شعبية مساحة واسعة اسمها التروي
لكن ما حدث أننا أخرجنا الواقعة من نطاقها الطبيعي، وحولناها إلى معركة على السوشيال ميديا، لأن الخلاف أصبح محتوى، والمشادة أصبحت مادة للنشر، والشكوى أصبحت فرصة للشهرة، والترند أصبح أحيانًا هو الذي يحدد حجم الواقعة، وربما مصير أطرافها أيضًا.
يكفي أن يصور أحدهم جزءًا من موقف ما، وينشره مصحوبًا بروايته الخاصة، حتى تبدأ ماكينة التفاعل. مشاركات، تعليقات، اتهامات، دعوات للمقاطعة، مطالبات بالفصل.
ثم تتدخل المؤسسة أحيانًا تحت ضغط الغضب الجماهيري، قبل أن تكتمل الصورة، وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة، لأن السوشيال ميديا يمكنها أن تكشف خطأً حقيقيًا، وهذا أمر إيجابي، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التحقيق، فعدد التعليقات ليس دليلًا، والغضب الجماعي، مهما كان واسعًا، لا يعني بالضرورة أن الرواية المتداولة هي الرواية الكاملة.
لا أحد يطالب بتبرئة المخطئ، ولا ننادي بتجنب الشكاوى، لكن بين تجاهل الخطأ وتحويل كل واقعة إلى محاكمة شعبية، مساحة واسعة اسمها التروي.
نظرة متأنية
في واقعة سيزلر، ظهرت روايتان على الأقل لما حدث، وهذا وحده يكفي لكي نتوقف قليلًا قبل إصدار الأحكام، لكن التسرع و"الأفورة" حكما المشهد، فالخلاف حول الصلاة داخل مطعم، أصبح نقاشًا حول مدير الفرع، ثم حول قرار فصله، ثم حول قانونية هذا القرار وإجراءاته، ثم هوية الفتاة وانتمائها السياسي هي ووالدها وأسرتها وجيرانها.
نعم. وصلنا إلى هنا!
أزمتي الأكبر مع هذه الواقعة أنها جاءت بعد أيام من واقعة اتهمت فيها فتاة تدعي أنها صحفية -بخلاف الحقيقة- سائق أوبر بالتحرش بها والاعتداء عليها -بخلاف الحقيقة أيضًا- بينما هي من أصابت نفسها، ولولا أن السائق سجل ما حدث بكاميرا موبايله، لكنا جميعًا جزءٌ من حملة تطالب بمحاسبته على جرائمه، ولكان غالبًا الآن في السجن.
لا أقول إن كل شكوى كاذبة، ولا إن كل متهم بريء، وإنما أقول ببساطة إن الحقيقة لا تُستخرج من الترند
كنت أظن أن هذه الواقعة الصادمة ستعيد صياغة علاقتنا بالسوشيال ميديا وترنداتها، أن نعرف كيف يمنح الترند الناس شعورًا زائفًا بأنهم عرفوا الحقيقة لمجرد أنهم شاهدوا دقيقة أو قرأوا بوست. ثم يبدأ الحكم، ثم الإدانة، ثم المطالبة بالعقاب، بينما قد تكون هناك تفاصيل لم تظهر بعد، أو تسجيلات لم يشاهدها أحد، أو رواية أخرى لم تُسمع أصلًا.
كنت أظن أن واقعة أوبر علمتنا أن زاوية واحدة لم نشاهدها قد تقلب القصة رأسًا على عقب، وقد تحوّل المجني عليه إلى متهم، لكن هذا لم يحدث، بالعكس، انطلقنا بعدها بأيام وقبل أن يجف حبر الترند إلى ترند آخر نرتكب فيه الأخطاء نفسها ونصدر فيه الأحكام سريعا، وتتغير مشاعرنا وانحيازاتنا مع كل بوست وشهادة وفيديو.
ثمرة العقل
لا أقول إن كل شكوى كاذبة، ولا إن كل متهم بريء، وإنما أقول ببساطة إن الحقيقة لا تُستخرج من الترند، وإنما من الأدلة والتحقيق وسماع جميع الأطراف.
السوشيال ميديا وسيلة يمكن أن تمنح صوتًا لمن لا صوت له، وأن تكشف تجاوزات حقيقية، وتدفع المؤسسات إلى تصحيح أخطائها، لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى محكمة بلا قواعد، لا تحتاج إلى أدلة كاملة، ولا إلى سماع الطرف الآخر، ولا إلى معرفة السياق.
نحتاج، وسط كل هذا الضجيج، إلى شيء بسيط جدًا أصبح نادرًا: أن نترك بعض الأمور تمر، أن نمنح الناس فرصة للتوضيح، أن نسمع من الجميع قبل أن نحكم، وأن نتذكر أن الحياة الطبيعية مليئة بالخلافات وسوء الفهم والمواقف العابرة، وأن المجتمع لا يمكن أن يتحول إلى غرفة محكمة مفتوحة على مدار الساعة.
ستنتهي "غزوة سيزلر" قريبًا بمجرد ظهور ترند جديد.
لكن السؤال الذي سيبقى هو: هل نريد مجتمعًا يحاسب الأخطاء، أم مجتمعًا يبحث باستمرار عن خناقة جديدة؟ والفرق بين الاثنين كبير. الأول يحتاج إلى عدالة. أما الثاني، فلا يحتاج إلا إلى هاتف واتصال بالإنترنت.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.