صورة لـ وكالة أسوشيتد برس/ نريمان المفتي
تُظهر هذه الصورة الملتقطة في 23 أكتوبر 2018 لوحات إعلانية لمجمعات سكنية جديدة تطل على مبنى في القاهرة، مصر.

نهش جسد المدينة

منشور الأربعاء 29 تموز/يوليو 2026

نشرت الطبيبة والأستاذة الجامعية والكاتبة هنا أبو الغار قبل أسابيع مقالًا في الشروق بعنوان "ماذا لو كان الحل ألا نبحث عن حل؟"، ترصد فيه بعض التغيرات الاجتماعية والسلوكية وشكل الحياة في مدننا، بالذات القاهرة، وعلاقتها بتغير البيوت وأماكن السكن. وكيف أن عوامل مختلفة غيرت علاقتنا بالمكان، وببعضنا البعض.

لأن مقالها مؤثر وصادق، والتزمت فيه بجانب ذاتي يتجنب التعميم، أثار نوستالجيا الكثيرين من أبناء الطبقة الوسطى الذين لعبوا في الشارع أطفالًا. سواء كان لهذا الشارع رصيف أم لا، متربًا أو مسفلتًا، فقبل أي شيء كان الشارع امتدادًا لبيوتنا، والجيران امتدادًا للأهل في السبعينيات والثمانينيات ذاك حيث كان الكثيرون من أبناء الطبقة الوسطى يخوضون معاركهم الأخيرة، كأفراد، ضد الانحدار الاجتماعي، في أحيائهم التقليدية مثل مصر الجديدة والعجوزة والدقي، أو الأحياء الحديثة مثل مدينة نصر وغيرها.

لكنَّ هنا أبو الغار ترصد تغيرات المدينة عبر رحلة صعود في سلم التراتب الاجتماعي؛ من شقة مؤجرّة في العجوزة قبل أن يصبح التمليك موضة أو ضرورة، ثم شقة تمليك في الدقي، وصولًا للاستثمار في شقة ثالثة داخل كمباوند في الشيخ زايد. بالتوازي مع تطور المصايف، أو البيت الثاني المؤقت، بداية من الإسكندرية، ثم الهجرة تجاه العجمي، ثم الهجرات الجديدة التدريجية غربًا لقرى الساحل الشمالي.

في مقابل كل رحلة وقصة شخصية في البحث عن مكان جديد صعودًا في السلم الاجتماعي، هناك على الأقل عشرات الرحلات العكسية. قصص تحكي عن هجرة المكان نزولًا في سلم التراتب الاجتماعي، والخروج لهامش المدينة. لا بحثًا عن هدوء ونظافة، بل اضطرارًا؛ لأن المدينة ومركزها أصبحا قاسيَين ماليًا على من قطنوهما طيلة عقود. وهو ما سيزداد مع قانون الإيجار القديم المفعّل منذ العام الماضي، حين يبدأ السكان في الرحيل مجبرين. لكنها قصص لا نعلم عنها شيئًا؛ لأن أغلب أصحابها لا يكتبون في الجرائد والمواقع، ولا يقرؤونها.

رائحة للأخلاقيات وأخرى للسياسة

حي الزمالك

التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية تفعل في مدننا ما تفعله في ذواتنا ومصائرنا. إما تغيرها تشويهًا، وهو ما يحولنا لغرباء فيها، ومرشحين لأن نُلقى خارجها، أو أن تنجو المدن نسبيًا من التأثير الحاسم لهذه الظروف، فتحافظ على روائحها الأصلية وروحها، إن انتبه السكان وأصحاب السلطة لأهمية حمايتها.

تواجه كل المدن في رحلة توسعها مخاطر الانهيار والتشوه، وأن تتحول لأماكن معادية لأصحابها. تنجو منها إن كانت الأنظمة السياسية الحاكمة منتبهة لمخاطر سطوة المال وتسليع البشر والأماكن، وتقف موقف التصدي له للحفاظ على جوهر المدينة، وألا يكون صاحب السلطة الفعلية فيها. وتنجو أيضًا إن استطاع أهلها تطوير مفاهيمهم الأخلاقية تجاه حالة أكثر انفتاحًا وتسامحًا مع رغبات ومعتقدات وعادات الأجيال الجديدة، واستيعابها، فتجذبهم المدينة، وفي المقابل يمنحونها هم استمرارية الحياة.

في حالتنا المصرية لم تحمِ السلطة سوى مصالح رؤوس الأموال الكبيرة منذ زمن الانفتاح الساداتي، ولم ترنا أو ترى بيوتنا والأمتار التي نعيش فوقها أبدًا من أي زاوية سوى أنها سلع للبيع والشراء. وهو المنهج السياسي الذي توحش مع السلطة السياسية الحالية القادرة على بيع أي شيء. أما عن المنظومات الأخلاقية المحافظة فتزداد انغلاقًا وتزمتًا، وتلعب دور المتواطئ مع السلطة ومصالح الكبار المالية.

وإن كان الغريب الوافد محل اشتباه، بالذات إن كان رجلًا وحيدًا في القرية المصرية الصغيرة، تقليديًا، ففي المدينة اعتدنا، ومن قبل انتشار السياحة خارج الفنادق، أن نستخدم تعبير "الشقة المفروشة" بارتياب، بصيغة تشكك تربطها بالانفلات الأخلاقي الجنسي. والرجال والنساء الذين يعيشون بمفردهم كانوا دائمًا موضع مراقبة، ومحل شبهة. فيتواطأ المجتمع مع البوابين والشرطة، بمنحهم سلطة رقابة وردع أخلاقية، تقمع المصريين والمصريات الذين لا ينسجمون مع قواعد المدينة الأخلاقية المحافظة، وتعيدهم للصراط المستقيم إن انفلتوا.

رائحة المدينة الجاذبة

في زيارة حديثة لمدينة باليرمو في صقلية، لفت انتباهي حفاظها على سمتين تميزانها؛ أنها جاذبة للشباب والفنانين والطلاب، وأنها محتفظة بطابعها القديم نفسه، رائحتها وروحها، كمدينة واحدة تكاد تضم بداخلها عدة مدن. في بعض شوارعها وميادينها الواسعة تبدو كإحدى مدن إمبراطورية قديمة، بالقصور والكنائس الضخمة. وفي شوارع أخرى تبدو مدينة تجارية عصرية، وفي شوارع ثالثة تبدو وكأنها قرية صيادين، أو مدينة ساحلية صغيرة، تُذكِّرنا شرفاتها بشرفات بيوت أجدادنا في وسط البلد السكندري، أو شبرا مصر، أو السكاكيني.

مبنى الجوانب الأربع بساحة فيليينا يعود تاريخه لبدايات القرن السابع عشر، مدينة باليرمو إيطاليا

تلك الرائحة نفسها هي ما تجذب أصحاب رؤوس الأموال، مدركين أنها ستمنحهم الأرباح الضخمة إن استثمروها، فيحاولون الاستيلاء عليها وتحويلها لمدينة سياحية، وللقادرين على الدفع فقط، وإن لم ينجحوا تمامًا بعد. إنها عكس مدينة مثل هافانا، التي أعرفها جيدًا منذ ما يقارب العقدين، حافظت على روحها مجبرة، بسبب فقرها، والقوانين التي كانت تمنع تملّك الأجانب للبيوت، وتحدد أن لكل مواطن الحق في بيت واحد فقط. والجوانب التي فقدتها المدينة من شخصيتها هي تلك المرتبطة بهجرة الشباب والفنانين الكوبيين للبلد كله إلى الشمال.

هذا المال الحاضر في الكثير من المدن الأوروبية الكبرى، الذي ينظف مراكزها من سكانها الأصليين، ليس إلا مال الصناديق الكبرى التي تشتري وتقضم المدن شيئًا فشيئًا. يسمونها صناديق الحداء نسبة للحدأة التي تأكل الجيف. وهي متماثلة مع الطائر، تجذبها الرائحة فتأتي لتنهش البيوت والأحياء التي لم تطورها وتحميها السلطة السياسية.

تدمر حياة السكان المستقرين، عبر شبكات Airbnb التي تجتاح المدن، بعد أن تحولت البيوت إلى مجرد سلع في السوق. إنه ما حدث في باريس وبرلين ومدريد وروما وبرشلونة وغيرها، ويحدث في القاهرة والإسكندرية الآن. فمن عوائد إيجار البيوت بضعة أيام للعابرين، يربح أصحاب الشقق أضعاف ما يربحونه من الإيجار التقليدي، قديمًا أو حديثًا. فيضطر سكان تلك المناطق للقبول بشقق أصغر في الضواحي البعيدة عن مركز المدينة الذي يشكل في أغلب الحالات مركز الحياة. وتُدمر بمغادرتهم المتاجر التقليدية والصغيرة، لتحل محلها شبكات السوبر ماركت الضخمة، حِداء أخرى.

التطور الرأسمالي لا يتسامح مع النوستالجيا البادية في مقال هنا أبو الغار

لا تقع المسؤولية على الأفراد بمحاولتهم نيل حياة أفضل، بل السلطة التي تسمح الآن للشركات الكبرى والصناديق بنهش، على سبيل المثال، وسط البلد القاهري تدريجيًا. تجدده بكذبة الحفاظ عليه تراثيًا. لكنها خطوة لتغيير سكانه تدريجيًا، لآخرين قادرين على الدفع، وأن يكون واجهة سياحية، والسياحة مدمرة لحياة من لا يعيشون منها مباشرة، تغير حياة الجميع بتغييرها لتكلفة كل ما يتقاطع معها. فيما تظل الأخلاقيات والمعتقدات التقليدية والمحافظة عند نقطتها الثابتة؛ تجاهل ما يفعله السياح ما داموا آتين من الشمال الغني.

التطور الرأسمالي في حد ذاته لا يتسامح مع هذه النوستالجيا البادية في مقال هنا أبو الغار، وربطتنا به عاطفيًا. فتوسع المدن، من دون رادع سياسي، ودون مرونة وانفتاح أخلاقي ضروري لتجديدها، يضعها في ميزان الحظ؛ إما يخسف بها الأرض لافتقادها القيمة الاقتصادية وإمكانيات التربح، وافتقادها للرائحة الجاذبة لكل أنواع الحداء، أو يرتفع بها إلى السماء على حساب سكانها وتطهير المكان منهم بعد أن أخفقوا في الصعود الاجتماعي.

يهرب الأوروبيون القادرون من برودة شمال أوروبا للمناطق الحارة في الجزر الإسبانية في البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي. يشترون البيوت، أو يأجرونها عبر تطبيق Airbnb. فلا يجد حتى الأطباء المعينون في هذه الجزر سكنًا بالإيجار، بعد أن تجاوز سعر المتر قدراتهم المالية. فيتخلوا عن فرص العمل، أو يعيشوا في كرفانات في مناطق أقرب للعشوائية، أو في شقق مشتركة.

القدرة على الحركة والانتقال من مدينة لأخرى، أو من حي لآخر، مؤشر رفاهية إن رأيناه من زاوية القدرة المالية للبعض. لكنه لعنة إن رأيناه من زاوية من لم يعد بمقدورهم البقاء في أحيائهم بعد أن "تلوثت" بالسياحة، أو بالـ Airbnb، أو بالبيزنس العقاري. وإن ذهبوا لأحياء فقيرة داخل حزام المدينة، واشتروا شققهم، فربما تدمرها السلطة بحجة توسيع طرق وبناء محاور، أو بحجة أنها عشوائية، أو لأن سعر المتر الذي يعيشون فوقه أغلى عندها من حياتهم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.