حتى لا يتحول الصحفيون إلى كتبة لندن
في هوامش المجلد الثالث من كتاب رأس المال 1 المنشور عام 1894، اعتبر فريدريك إنجلز الموظفين من كتبة المكاتب جزءًا من "البروليتاريا التجارية" نتيجة تدهور وضعهم الاجتماعي في إنجلترا في تسعينيات القرن التاسع عشر.
هؤلاء الموظفون، رغم كفاءتهم، أصبحوا، كما يقول إنجلز؛ "يبيعون خدماتهم لشارع المال والأعمال في لندن بأسعار بخسة، أقل من أجرة العامل الميكانيكي الماهر". ينطبق هذا الوصف على أكثرية الصحفيين المصريين، الذين لا تختلف أوضاعهم في القرن الحادي والعشرين عن كتبة لندن في القرن التاسع عشر، حيث لا يحصلون على الحد الأدنى للأجور ويتعرضون للفصل التعسفي والحرمان من الرواتب ويجمعون بين التحرك من أجل حقوقهم المهنية والمعيشية، والمطالبة الدائمة بتحرير الصحافة، وحماية حرية الرأي والتعبير.
أوضاع تتراجع
يظهر من الاستبيان الذي أعده المؤتمر العام السادس للصحفيين في ديسمبر/كانون الأول 2024 أن أكثر من نصف المؤسسات الصحفية (50.5%) لا تطبق الحد الأدنى للأجور، ويقل أجور ما يزيد عن 72% من الصحفيين المصريين عن الحد الأدنى للأجور المُحدد من الدولة بـ7000 جنيه شهريًا وقتها (رفع إلى 8000 جنيه لاحقًا)، منهم 40% يعيشون بأقل من نصف الحد الأدنى، مقابل 28.2% يلامسون الحد الأدنى أو يزيدون عليه.
يفصح الاستبيان عما هو أنكى، إذ لا يحصل 13% أصلًا على أجر، ويقل أجر 7% عن 1000 جنيه، ويتقاضى 19% أقل من 3000 جنيه، بينما يعتمد نحو 50% من الصحفيين بشكل رئيسي في معيشتهم على بدل التدريب والتكنولوجيا، الذي تمنحه الدولة منذ الثمانينيات.
انخرطت نقابة الصحفيين بشكل مباشر في تنظيم ودعم إضرابات للصحفيين
وفي ضوء مسعى الهيئة الوطنية للصحافة، مالكة الصحافة القومية، لدمج الإصدارات، فيما يبدو تمهيدًا للتصفية، أوضح الاستبيان أن 48% رفضوا دمج الإصدارات الصحفية في إصدار واحد، وأن 28% اتخذوا موقفًا محايدًا، والبقية رأوا أن ذلك سيكون مفيدًا وموفرًا للأموال، بينما يعيش الصحفيون المؤقتون العاملون بالصحف القومية منذ 12 عامًا، حالة إحباط شديدة، كما عبروا في رسالتهم إلى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة عبد الصادق الشوربجي، بعد تراجع مجلس الوزراء عن قرار تعيينهم، الذي أعلنته الهيئة في أغسطس/آب 2024 وأُجريت مقابلات شخصية لهم بمقرها خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، دون تنفيذ القرار حتى اليوم.
هذه الأوضاع دفعت وتيرةَ احتجاجات الصحفيين إلى الارتفاع، وانخرطت نقابة الصحفيين بشكل مباشر في تنظيم ودعم إضرابات أعضائها للمطالبة بزيادة الرواتب وتحسين أوضاع العمل، كما حدث مع إضراب صحفيي مكتب BBC بالقاهرة في أغسطس 2023، فضلًا عن المشاركة في تدشين تحالف نقابي ثلاثي مع نقابتي المحامين والمهندسين لمواجهة الاحتكارات في مجال الصحة.
كما أصبحت ملفات مثل الحد الأدنى للأجور وقانون العمل وظروف العمال وبيئة العمل في صلب اهتمام نقابة الصحفيين جنبًا إلى جنب مع قضايا المهنة.
الصحفيون يقاومون
امتدت احتجاجات الصحفيين التي رفعت مطالب اقتصادية إلى مؤسسات متنوعة منها مكتب رويترز في القاهرة وجريدة الوفد وجريدة الفجر، غير أن معركة صحفيي البوابة نيوز ضد مالكها عبد الرحيم علي، تميزت عن سابقيها بسمتها العمالي الواضح، من حيث بلورة المطالب، وبوسائلها، وكذلك بنتائجها، التي طالت جموع العاملين بأجر.
ورغم استخدام إدارة "البوابة نيوز" كلَّ الحيل والأساليب لفض اعتصام الصحفيين، مثل قطع خدمات المياه والكهرباء والإنترنت، صمد 70 صحفيًا، لمدة شهرين تقريبًا، ونجحوا في إدارة الاعتصام عبر تنظيم نوبتجيات للمبيت وفرق للإعاشة والمالية والتفاوض.
في معركتهم، أدرك صحفيو البوابة أهمية التنظيم النقابي وشرعوا في إنشاء لجنة نقابية، تضم الصحفي والعامل والإداري، استرشادًا بتجربة اللجنة النقابية بجريدة الوفد، لكنَّ سيفَ الفصل كان أسرعَ. ودفع الصمود البطولي عبد الرحيم، صاحب العلاقات الوطيدة بالنظام، للاستعانة بمجموعة من "البودي جاردز"، في سابقة هي الأولى، لفض الاعتصام، فما كان من الزملاء إلا أن حرروا محضرًا بقسم الشرطة وتوجهوا لمقر نقابتهم لاستكمال الاعتصام.
تحول النزاع إلى معركة قانونية انتزع الصحفيون خلالها حكمًا تاريخيًا يقضي بتغريم المؤسسة 3.3 مليون جنيه لامتناعها عن تطبيق الحد الأدنى للأجور 7 آلاف جنيه، والتوقف عن صرف الرواتب. وهو ما يمثل سابقة مهمة سيستفيد منها كل العاملين بأجرٍ، في ظل أن 75% من الأنشطة الاقتصادية في القطاع الخاص لم تلتزم بتطبيق الحد الأدنى للأجور، كما تشير البيانات، ما دفع وزارة العمل لتحرير 6591 محضرًا لمنشآت مخالفة من إجمالي 26 ألف منشأة راجعت مكاتب العمل أنشطتها.
اشتبكت معركة "البوابة نيوز" أيضًا مع القوانين المقيدة للحق في التظاهر، فعلى أثر تنظيم الصحفيين وقفة على سلالم النقابة بحضور عدد من المتضامنين وعدد من أعضاء المجلس، حررت إدارة "البوابة نيوز" بلاغًا تهمهم بالتظاهر بدون تصريح، وترديد هتافات اعتبرها عبد الرحيم علي سبًا وقذفًا، ليحول القضية العمالية لقضية سياسية.
على الفور استدعت النيابة تسعة صحفيين وصحفيات إضافة إلى اثنين من أعضاء مجلس إدارة النقابة هما إيمان عوف ومحمود كامل، وتقرر إحالتهم جميعًا للمحكمة التي قضت ببراءة كل المتهمين من تهمة "القذف"، معتبرة سلالم النقابة جزءًا من حرم النقابة.
خبز وحرية
لا يمكن فصل القضايا المتصلة بحرية الصحافة، مثل حجب المواقع الصحفية وحبس الصحفيين والاتهامات في قضايا النشر والرأي والتعبير، عن الأجور وظروف العمل، ما يفرض على نقابة الصحفيين خوض معركة الخبز والحرية، لتحقيق المطالب التي توافقت عليها في مؤتمرها العام السادس، استنادًا إلى متانة وقاعدية العمل النقابي.
غير أن النقابة تبدو حتى الآن، رغم دورها الملحوظ في مساندة احتجاجات الصحفيين، عصيةً على التغيير، وعاجزة عن مواكبة التطورات في سوق العمل، وعلاقاته الجديدة، رافضة أن يكون الأرشيف الصحفي هو الفيصل الوحيد في الانضمام لها. وينطلق مشروع لائحة القيد الجديد الذي سيناقش في الجمعية العمومية المقبلة من رؤية محافظة لقانون النقابة، لا ترى أن النقابة القوية هي التي تعمل بجد لتوسيع عضويتها ومعالجة العيوب الهيكلية في بنيتها.
ورغم أن اللائحة تحصّن أجور الصحفيين بربطها بالحد الأدنى للأجور، فإنها تشترط لقبول عضوية الصحفي أن يوفر عقد عمل، وأن يعمل في موقع له إصدار ورقي، وألا يكون من خريجي التعليم المفتوح حتى لا يحرم من الدخول إلى جنة النقابة.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة 3 مايو/أيار، أطلق نحو 80 صحفيًا نداءً إلى مجلس النقابة، لمواجهة تزايد عمليات تكميم الأفواه واستدعاء الصحفيين إلى النيابات، مطالبين بتدشين "حملة شاملة واسعة لحماية المهنة والدفاع عن حرية التعبير وأصحاب الرأي؛ سواء كانوا صحفيين (نقابيين وغير نقابيين)، أو كتابًا وباحثين ومدونين، والدعوة لمؤتمر عام في نقابة الصحفيين لإطلاق هذه الحملة".
تبدو هذه خطوة جيدة، لكن حرية الصحافة والصحفيين هي معركة المجتمع كله، وتحرير القيود المفروضة على عملهم، سواء على المستوى المعيشي، أو على حريتهم في ممارسة مهنتهم، سيظل ضمانة رئيسية للمجتمع بكل فئاته. حرية الصحافة ليست مطلبًا فئويًا ولا "ريشة توضع على رأس ممارسي المهنة"، لكنها طوق نجاة للمجتمع بأسره.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
