تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
محاكمة محمد حسني مبارك عقب ثورة يناير

عدالة يناير| سرديات المؤامرة وإحياء رموز نظام مبارك

منشور الاثنين 2 شباط/فبراير 2026

لمحتُ سؤالَ العدالة في ثنايا ملف يناير وGen Z الذي نشرته المنصة لنخبة من الشباب الموهوبين، متقاطعًا مع مجموعة من الإشارات إلى فقر الخيال، وضرورة إعادة بناء الذاكرة، والشعور المتجذر بالقهر لغياب المحاسبة.

كنت في عُمر بعض أبناء جيل زد عندما شاركتُ في الثورة. نصف اليوم في الميدان ونصفه الآخر متنقلًا بين مجلس الدولة بالدقي ودار القضاء العالي بوسط البلد، أغطي الجلسات وتدفّقَ البلاغات على مكتب النائب العام، وأتلمّس ما تحمله الساعات القادمة، فشهدت عن قرب أول محاولة لـ"تقنين" المطالب الشعبية، أو بالأحرى احتواء الغضب بوسيلةٍ قانونيةٍ، عندما شكّل حسني مبارك لجنة من كبار القضاة والفقهاء لصياغة تعديلات دستورية.

قبل التنحي بيومين، ومع تفاقم الشكوك في قدرة النظام على البقاء، ترصّدت لأحد أعضاء اللجنة على سلمٍ خلفيٍّ بدار القضاء العالي. استقيت ما تيسر من معلومات، ثم سألته "ألم تناقشوا إمكانية عقد محاكمات خاصة/سياسية للمتسببين في هذه الأزمة؟". ما زلت أذكر نظرته المستنكرة وهو يجيب "القانون ياخد مجراه والنائب العام يمارس سلطاته".

للعدالة وجوهٌ كثيرة!

لطالما كان الحديث شائكًا عن عدالة ثورة يناير، على مستوى الملاحقة والمساءلة والمحاسبة، وفي المسارات الثلاثة: الجرائم الجنائية، والفساد المالي، والتجاوزات الإدارية.

فالعدالة بمعناها الصافي ضربٌ من الخيال بعد الهزات العنيفة، إذ تتأثر بصورة مباشرة بالاختلال في موازين القوى، وتتحول في الغالب إلى وسيلة لترسيخ الأوضاع الجديدة، وأداة لسيطرة السلطة الناشئة على الأطراف المتصارعة كافة. مما يلقي بظلال من الحيرة النسبية على تصوراتنا للعدالة بعد خلع مبارك.

لم يكن كافيًا أن ننشد العدالة في القصاص من أجل شهداء الثورة ومصابيها، وإزاحة السدنة الصغار ووكلاء النظام. كنا نعي أن لهذا الحراك مقدمات على مدى ثلاثين عامًا، تكاثفت في آخر ست سنوات من خلال سياسات الإفقار والفساد الممنهج، وهندسة توريث الحكم واحتكار الثروة والسلطة، واتساع الهوة بين الطبقات. وكلٌ من تلك العناصر يُخفي في طياته آلاف التفاصيل العنقودية الصالحة كموضوع للمحاكمة. لكن الوعي، وللأسف، لم يُترجم إلى إطار فعّال.

مفهوم العدالة أوسع بكثير مما جرى في النيابات والمحاكم، فهو متصل بالصراع السياسي بمعناه الشامل

ويخشى البعض فتح ملف العدالة ظنًا أنه تعريضٌ بالسلطة القضائية وبنتاج ممارستها لاختصاصها في صورة تحقيقات وقرارات إحالة وأحكام وفتاوى وبيانات وغيرها.

والحقُّ أن مفهوم العدالة أوسع بكثير مما جرى في النيابات والمحاكم، فهو متصل بالصراع السياسي بمعناه الشامل، ومتأثر باتجاهات المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أصدر الإعلانات الدستورية وترأس السلطة التنفيذية، وعلاقاته المتباينة بالأحزاب والقوى المنتمية للثورة، وبقايا نظام مبارك، وجماعات الضغط والمصالح ذات التأثير المتعاظم وقتها.

بينما يطلق فريق آخر أحكامًا متسرعة بتحميل المحاكم المسؤولية الأولى عن عودة رموز نظام مبارك إلى الواجهة، بلا مراعاة للسياق السياسي الأوسع، ويغيب عنهم أن مسار عدالة يناير قد شارك في بنائه المجلس العسكري وبعض المجموعات السياسية التقليدية والشبابية معًا، وبدعم واسع من قانونيين وإعلاميين.

إطار تقليدي ونتائج هزيلة

وُلد هذا المسار مشوّهًا، مشوبًا بعيوب جسيمة، تمثلت في محدودية الأفق واتباع الأطر التقليدية والرغبة المحمومة في استصدار أحكام سريعة رنانة، بغض النظر عن جوهر الاتهامات وفُرص إلغائها في النقض، بحثًا عن ترحيب شعبي وإشاعة شعور سريع بحدوث تغيير، فلم تتناسب المخرجات أبدًا مع جسامة اللحظة، وظلت حبيسة الهوامش وصغائر الأمور.

إلى جانب الإفلات من العقاب؛ وفّر مسار عدالة يناير أسانيد استُخدمت في بناء سرديات كاذبة

وداخل إطار القضاء التقليدي، تحوّل مسار عدالة يناير بفعل التقلبات المتسارعة (2011-2014) إلى قاعدة جديدة لإعادة توليد رموز نظام مبارك وفرضهم من جديد على المجال العام في قطاعات شتى، إمّا بعد حصولهم على براءات متتالية، أو لجوئهم إلى التصالح مستفيدين من التعديلات التشريعية لإنهاء قضايا الكسب غير المشروع، ثم توسّعت الدولة في هذا النهج ليشمل مجالات أخرى من البناء المخالف وحتى سرقة التيار الكهربي.

وإلى جانب الإفلات من العقاب؛ وفّر مسار عدالة يناير أسانيدَ استُخدمت في بناء سرديات كاذبة، واقتات أعداء الثورة على اتهامات العمالة والحكايات غير المتقنة عن المؤامرات الدولية، حتى طفت على السطح من جديد أقاويل كانت محل سخرية وازدراء، حتى أخذ بعضها مؤخرًا شكل مراجعات فكرية حكيمة!

الثورة ثورة.. بحكم القضاء

تتناقض المآلات الهزلية مع مقدمات كانت تبدو واعدة.

بين نهاية فبراير/شباط ومنتصف أبريل/نيسان 2011 وبينما الثوار ما زالوا في "التحرير" و"العباسية" صدرت قرارات من النائب العام المستشار عبد المجيد محمود بالتحفظ على أموال مبارك وأسرته وعدد من أهم قيادات نظامه، ثم حبسه بتهمة قتل المتظاهرين، وأحيل وزير داخليته حبيب العادلي إلى المحاكمة، وبدأ جهاز الكسب غير المشروع في مباشرة تحقيقات موسعة مع جميع قيادات الحزب الوطني ووزراء حكومة أحمد نظيف.

بينما كانت معركة "الانتخابات أم الدستور أولًا؟" على أشدّها، سيطرت على الميدان والقوى السياسية اتهامات للقضاء والمجلس العسكري بالتباطؤ في محاكمة مبارك

وفي 16 أبريل صدر أول حكم قضائي من المحكمة الإدارية العليا يحسم "الطبيعة القانونية" لما حدث: إنها ثورة مجيدة، أسقطت النظام، مما يستتبع بالضرورة وبحكم اللزوم والجزم سقوط أدواته التي كان يمارس من خلالها سلطاته بحيث لا ينفك عنها، وأهمها الحزب الوطني الحاكم الذي ثبت بيقين إفساده للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعدما مارس الحكم منفردًا طوال فترة حكم مبارك.

وفي 28 يونيو/حزيران أصدرت محكمة القضاء الإداري حكم حل المجالس الشعبية المحلية، وبعيدًا عن أثره التنفيذي فقد فجرت حيثياته مسألة مهمة، حيث رتبت على نجاح ثورة الشعب أن تفقد أجهزة نظام الحكم والأجزاء المرتبطة به داخل السلطة التنفيذية شرعية بقائها، باعتبارها كانت من أدوات النظام في تنفيذ سياساته وأفكاره "التي دمرت وأفسدت كل شيء جميل في الوطن" فضلًا عن تقاعسها عن أداء دورها لصالح المواطن.

وبينما كانت معركة "الانتخابات أم الدستور أولًا؟" على أشدّها، سيطرت على الميدان والقوى السياسية اتهامات للقضاء والمجلس العسكري بالتباطؤ في تقديم مبارك للمحاكمة وإصدار أحكام عاجلة، وتجلّت هذه الحالة في مليونية الجمعة 8 يوليو/تموز تحت شعار "الثورة أولًا" أي أن أهدافها مقدمة على كل من الانتخابات والدستور. لتُحدد بعد بضعة أيام جلسة 3 أغسطس/آب لبدء محاكمة مبارك ونجليه والعادلي ومساعديه وحسين سالم بتهم قتل المتظاهرين والاستيلاء على المال العام.

فصل من الفرص الضائعة

مع اشتداد حرارة صيف 2011 ظهرت أمامنا مجموعة من الإشارات لم نُحسن التعامل معها بفاعلية. وعلينا التوقف قليلًا لمراجعتها، وليس لادعاء الحكمة بأثر رجعي.

الإشارة الأولى، كانت من متابعة مسار التحريات والتحقيقات، أن ثمة صعوبة بالغة في إدارة قضية قتل المتظاهرين المركزية الكبرى (قضية القرن) بما يحقق القصاص العادل، فالأدلة المقدمة لم تكن دامغة ولا محققة لرابطة السببية بين المتهمين والجرائم المرتكبة، وغاب عن قفص الاتهام الفاعلون الرئيسيون في وقائع القتل، ولم تُقدّم مستندات أو أوراق تثبت نية إزهاق الأرواح.

والإشارة الثانية، كانت تكمن في قضايا أخرى شهدت إصدار أحكام سريعة بالإدانة، مثل اللوحات المعدنية المُتهم فيها نظيف والعادلي ووزير المالية يوسف بطرس غالي، فقد بدت ذات أثر سطحي تمامًا ولا تلبي شواغل الرأي العام قبل اندلاع الثورة أو بعدها.

إزالة صورة مبارك من أحد المباني الحكومية

أما الإشارة الثالثة، فكانت من واقع أحكام مجلس الدولة (القضاء الإداري والإدارية العليا) التي ربطت الثورة، كحدث سياسي، وآثاره المفترضة، كحدث قانوني، بتجاوزات ومخالفات تنفيذية تدخل في نطاق العلم العام، أو انتهاكات قانونية صريحة مثل إهدار أحكام بطلان انتخابات مجلس الشعب 2010 وصفقات خصخصة القطاع العام. لكن تلك الإشارة على أهميتها بقيت تائهة تبحث عمّن يستغلها دون جدوى.

وأخيرًا كان المجلس العسكري مصدر الإشارة الرابعة، حيث بدا في حالة ارتباك عصبية تسمح بممارسة ضغوط أكبر وإنجاحها حال بلورتها. ظهر ذلك واضحًا في التعديلات المتتالية والمتناقضة لقوانين الانتخابات حتى تحولت إلى فخ أدى لاحقًا إلى حل مجلس الشعب، ثم بإصدار تعديل متسرّع وغير فعّال لقانون الغدر القديم بمسمى إفساد الحياة السياسية على إثر اتفاق مع الأحزاب.

الناجون.. عائدون

حُشر الجميع إلى استحقاقات انتخابية متتالية، وغابت الجديّة.

فلم يُطبّق قانون إفساد الحياة السياسية وبقي حبرًا على ورق، ثم صدر قانون العزل السياسي منطويًا على انحراف تشريعي وعقابٍ دون مساءلة، بهدف قصير النظر هو منع أحمد شفيق من الوصول للرئاسة، فقُضي بعدم دستوريته سريعًا.

في وضع أكثر هدوءًا ونضجًا؛ كانت الإشارات السابقة كفيلة بتغيير النظرة العامة إلى العدالة المنشودة، من التماس العقاب السريع إلى وضع إطار ثوري جديد ومتكامل، للمساءلة والمحاسبة على الجرائم السياسية لنظام مبارك جماعاتٍ وفرادى، بأحكام موضوعية محدّثة أشمل مما ذُكر في القانون الذي لم يُطبّق، وبمعايير تجريم واضحة وشاملة، وبإجراءات علنية وشفافة، وعقوبات متناسبة، مع إمكانية انبثاق قضايا جنائية مستقلة وبما لا يخل بالعقوبات الجنائية والتأديبية.

كان مسار المحاكمات السياسية جديرًا بالدراسة والتطوير والتمسك بتطبيقه مهما كانت العواقب، وأيًّا كانت الاعتراضات بذرائع قانونية أو أمنية، قبل الانتقال من حالة الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية، لا سيما في مواجهة تضافر جهود مناهضي الثورة.

فالأهداف لا تقتصر على إنزال العقاب المادي أو الأدبي بمخالفي الدستور وخائني الأمانة السياسية، بتعبير الفقيه الراحل المستشار محمد أمين المهدي، وإنما تمتد إلى التأريخ والتوثيق عبر كشف الحقائق المطمورة، وتفكيك شبكات الفساد، ثم وضع حجر الأساس لبناء أفضل، وهو ما فشلت فيه الثورة.

والمراجعة مستمرة في المقال المقبل. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.